هذه الدنيا
تشهد الجامعات المصرية إقبالًا كثيفًا من الطلاب الوافدين من الدول العربية للحصول على شهادات الماجستير والدكتوراة وخاصة فى مجالات العلوم الاجتماعية، وأعنى بذلك الكليات ذات الطابع النظرى مثل الآداب والإعلام والحقوق وغيرها.
ومن حيث المبدأ .. لا مانع من أن ترحب الدولة بهؤلاء الوافدين لعدة أسباب:
- أهمها وأولها: أن التعليم والبحث العلمى يعد إحدى قوى مصر الناعمة، ويمكن أن يسهم هذا القطاع فى تعزيز مكانة مصر، ومن يدرى فقد يصبح أحد هؤلاء الدارسين رئيسًا أو ملكًا أو مسئولًا رفيع المستوى فى بلاده. وبالتالى سيكون سفيرًا فوق العادة فى المستقبل لمصر لدى بلاده. وقد شهد تاريخ الجامعات المصرية العديد من الزعماء الذين درسوا فى أروقتها – فى مرحلة التعليم الجامعى وليس بعد الجامعى – فالرئيس العراقى الراحل صدام حسين درس فى كلية الحقوق جامعة القاهرة، والملك حسين العاهل الأردنى الراحل درس فى كلية فيكتوريا بالاسكندرية، كما تخرجت الملكة رانيا قرينة العاهل الأردنى الملك عبد الله بن الحسين فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، والقائمة تتسع أيضًا للعديد من رؤساء الدول الإسلامية الذين درسوا بالأزهر ضمن البعثات المختلفة.
- وثانى هذه المزايا: أن مصر بهذا المنهج تحافظ على وضعها كدولة مهمة فى سوق التعليم العالمى، دعونا نعترف بأن التعليم أصبح اليوم "بيزنس" بالمفهوم المادى المباشر الذى تعتبره العديد من الدول أحد مصادر الدخل بها، ولا بأس أن يكون لمصر نصيبها من هذا "البيزنس" شريطة أن تحافظ على سمعة ومكانة مؤسساتها العلمية، لأن الخطر الحقيقى - إذا لم ننتبه لما يحدث - أن تتحول جامعاتنا إلى ما يشبه جامعات أوكرانيا وروسيا البيضاء وغيرهما من الجامعات التى أصبح بمقدور الباحث أن يحصل منها على ما يريده من شهادات الماجستير والدكتوراة بمبلغ 200 دولار وببحث تافه لا قيمة له يتحدث عن العلاقات المصرية الأوكرانية أو البيلاروسية.
من حيث المبدأ ليس هناك مانع أن تفتح جامعاتنا أبوابها للطلاب العرب، ولكن شريطة ألا يكون هذا على حساب حقوق الباحث المصرى الذى هو أولى ببلده ورعايتها له.
يؤسفنى أن أقول وبحكم معايشتى لمجال التعليم الجامعى فى العامين الماضيين: إن الآية قد انقلبت. نعم انقلبت القاعدة فى كل جامعاتنا، ولا أخص بالحديث جامعة بعينها، فقد أصبح الوافد العربى هو صاحب الجامعة الذى يحظى بالأولوية المُطلقة فى كل شئ.
يتقدم بخطته البحثية للكلية، فتدخل أول مجلس قسم، وفى الغالب يتم قبولها، ويتحدد له موعد "السيمنار" فورًا دون أدنى انتظار. أوراقه كلها يتم اعتمادها وتمريرها بالتفويض حرصًا على وقته، بينما يجلس الباحث المصرى ينعى حظه العاثر، وهو يواجه كل العراقيل، وينتظر دوره فى التسجيل الذى قد يتأخر عامًا كاملًا يضيع من عمره.
كيف نحافظ على صورة بلادنا وسمعة مؤسساتها التعليمية، والعرب يرون ما يتعرض له الباحث المصرى فى بلده من ذل ومهانة، وكأنه أصبح مواطن درجة ثانية؟
هل يفعل العرب معنا ذلك فى بلادهم؟ هل يمنحوننا الأولوية وكل الامتيازات على بنى وطنهم؟
هل توجد دولة فى العالم تفعل فى باحثيها كما يحدث فى جامعاتنا مع الباحثين المصريين؟
لقد تحول الباحث الوافد إلى "سوبرمان" أو "سوبر باحث" فى الجامعات المصرية، إنه أشبه بالقطار الاكسبريس أو التوربينى الذى تُحجز له قطارات الغلابة جانبًا حتى يمرق فى طريقه دون انتظار.
والمؤكد أن هذا الوافد العربى حين يعود إلى بلاده سينقل لهم من بين ما رأى هنا، ما حظى به من أهمية وأولوية وأسبقية مطلقة على حساب ابن البلد، وخريج الكلية أو الجامعة. والمؤكد أيضًا أن هذا يضر بسمعتنا وصورتنا العامة أمام شعوب هذه الدول.
لقد سمعت تبريرات صادمة، مؤلمة، مُحزنة، فالتعليمات الصادرة تتمثل فى منح الأولوية للطالب الوافد، لأنه يدفع مصروفات تبلغ 4500 دولار فى العام الدراسى، وأن هذه توجهات الدولة لتعزيز موارد الجامعات والحصول على العملية الصعبة. أما الباحث المصرى "الغلبان" فلا أمامه سوى الانتظار أو يبحث له عن مكان آخر.
ظاهرة الوافدين العرب أصبحت ظاهرة خطيرة وتهدد سُمعة ومكانة البحث العلمى، ولا معنى لأى مكاسب مادية تتحقق على المدى القصير، ستتحول يقينًا إلى خسائر على المديين المتوسط والبعيد.
ما يحدث فى كل الجامعات المصرية – بلا استثناء - يستحق تقييمًا موضوعيًا ووقفة جادة، بدءًا من الأفكار التى يتقدمون لتسجيلها بالجامعات، وهى أفكار لا قيمة لها من الناحية العلمية ولا العملية، وللأسف تتم إجازتها بمنتهى الأريحية، ويتبارى بعض الأساتذة فى الإشراف والدعم، بل والمساعدة فى كتابة الرسالة نفسها.
لقد خرج "بيزنس" الطلاب الوافدين عن حدوده المقبولة فى إطار الدولة الرسمية التى تسعى لتنمية مواردها، ليصبح "ثقبًا أسودًا" تعمل فيه عشرات المكاتب التى تستقطب شباب المدرسين والأساتذة ممن هم فى مقتبل العمر، وتحت ضغط الحاجة المادية وظروف الحياة القاسية، يقومون بإجراء كل ما يلزم من بحوث ودراسات يحتاجها الباحث، بدءًا من تقديم الخطة البحثية وتبدأ تسعيرتها من 5 آلاف جنيه حسب موضوع البحث، مرورًا بإعداد الإطار النظرى الذى يتحول فيما بعد إلى الفصل الأول فى الرسالة حيث يتراوح سعره ما بين 10 -15 ألف جنيه، وهكذا تتوالى باقى أجزاء الرسالة قطعة قطعة، وكله بثمنه، إضافة إلى البحوث العلمية التى يتم نشرها فى الدوريات العلمية المُحكمة وهذه لها تعاقد خاص.
لا أقصد بسطورى تلك جامعة بعينها، فالظاهرة عامة، وتستحق وقفة، وارجعوا إلى مكاتب منطقة "بين السرايات" المجاورة لجامعة القاهرة، ستجدون سوقًا رائجة لكل أنواع البحوث "دليفرى" و"مخصوص" وحسب كل موضوع.
وإلى أن تحدث هذه المراجعة، يبقى طموحى المشروع فى حده الأدنى، أن يتساوى الباحث المصرى بالوافد العربى الذى تحول فعليًا إلى صاحب الجامعة، بينما أصبحنا نحن غرباء فى بيوتنا.