رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

جاء من بلاد المزيكا العذبة والكلمة الراقية

• تسربت "مزيكا" عزيز الشافعي إلى أذن المصريين ووجدانهم بهدوء وبالتدريج منذ سنوات وتسلل فنه كخيط فجر رقيق شق العتمة على مهل حتى طلع نهارا واثقا بدد بطلوعه الكثير من إحباطنا من واقع موسيقى ممسوخ وصلنا له خلال سنوات قليلة على يد أرباع وأنصاف المواهب من صنيعة "السوشيال ميديا" ومواليد "الترند" وأبناء عداد المشاهدة " بالصدفة" وعبر أصوات مشوهة أصابت الذائقة المصرية الأصيلة بالارتباك وربما بالعطب وكلمات أغاني يعاقب عليها القانون "حاصرتنا " من كل اتجاه!

• بدأ " زيزو" مشواره مبكرا جدا لكن ظهوره وانتشاره تحديدا بدأ كضوء خافت على هامش المشهد منذ ما يزيد عن عشر سنوات كملحن وشاعر له طعم خاص ومن البداية لفت الانتباه لأصالة "جملته" اللحنية واختلافها وانتمائها الحقيقي لشجرة الموسيقى المصرية التي تمتد جذورها إلى الشيخ سلامة حجازي ومن بعده سيد درويش وبعدهما أكابر النغم مثل : السنباطي والطويل والموجي وعبد الوهاب وبليغ وما تلاهم من كبار أهل "الصنعة" مثل: عمار الشريعي وياسر عبد الرحمن وغيرهما، وتدريجيا يوما بعد يوم و لحنا بعد الآخر سطعت موهبة الشافعي فأضاءت المشهد كاملا واستطعمتها الذائقة الواعية تتلقى بشغف كل ما يبدعه وسكنت ألحانه وجدان جماهير عريضة بعد أن شدت بها أعذب الأصوات في مصر والوطن العربي مثل: أنغام ، سميرة سعيد، عمرو دياب، لطيفة والقائمة تطول .. حتى صار" الشافعي " هو المتن وغيره هامش .. لينتقل مؤخرا لمحطة جديدة صادف فيها نجاحا رائعا عبر تجربته في وضع الموسيقى التصويرية لمسلسل " يوتيرن" الذي عرض في رمضان المنقضي فضلا عن إبداعه في تتر المسلسل كلام ولحن وغنته نانسي عجرم .

"ملحن وشاعر لا يشبه إلا نفسه"

• جاء عزيز أو" زيزو" كما يناديه عشاق فنه والمقربون منه من بعيد، جاء حبوا من بلاد " المزيكا العذبة" والكلمة "الرائقة" جاء كشاعر وملحن لا يشبه إلا نفسه ، حاملا فنه وحلمه وثقته في جمال الفن وقدرته على مطاردة القبح الغنائي المتفشي وتصفيته والقضاء عليه بالموهبة الحقيقية ، بالأصالة وبالصدق وبالجهد والسعي للأفضل دائما وليس بالضجيج الفارغ ولا التصريحات الجوفاء.. جاء ليجذب الأغنية المصرية بعيدا عن " مهرجانات" الخبط والرزع" ليرد لها أصالتها وعذوبتها ويعيد لها جمهور أم كلثوم وعبد الحليم وفوزي وفريد وفايزة ورشدي ونجاة لكن بروح عصرية تنسجم مع الواقع الجديد وتحترم الذائقة السائدة وتفاصيل العصر ومعطياته وطبيعة جماهيره.

"لا يقدم فنا سطحيا ولا عابرا"

• والفن الذي يقدمه الشافعي أصيل ومتجذر نابع من موهبة عميقة وغائرة وليس من ذلك الفن العابر السطحي الاستهلاكي سريع الإفلاس، فموسيقاه رشيقة ونغمته عصرية وألحانه تستوعب حساسية اللحظة الزمنية التي نعيشها وتعبر عن تطورها الطبيعي ولا تتجاهل التيار السائد والمزاج العام لكنها تخبئ داخل نغماتها تراث المزيكا المصرية الأصيلة وحلاوة موروثها وحسها الشرقي الصافي وتعيد ذائقة الغناء المصرية إلى ماضيها الساحر، سواء باللحن أو الكلمة؛ فالرجل يكتب لنفسه معظم أغنياته تقريبا وهذا أمر شبه نادر الآن ربما نجد اسما أو اسمين بالكاد يفعل ذلك وبالكفاءة نفسها ..فكلماته تعيد لنا بريق وقيمة الكلمة المكتوبة وتستدعي للذهن تراث مرسي جميل عزيز وحسين السيد ومجدي نجيب ومن بعدهم حجاب وعبد الرحيم منصور وإبراهيم عبد الفتاح إلي آخر الشعراء المبدعين

و الأجمل أنك قد تحتار فعلا أهو أفضل شاعرا أم ملحنا؟! يعترف زيزو نفسه بأنه " الملحن" في المقام الأول وتأتي صفة الشاعر بعد ذلك , فكثيرا ما تعاون مع شعراء آخرين لكن الحقيقة أنك إذا تأملت الكثير من كلمات أغانيه ستدرك أنه "شاعر خالص" وأن موهبته وزعت بالعدل بين الكتابة والتلحين وربما تحتار فعلا أمام نجاح أغنية ما من أعماله بعد سماعها مرارا لتسأل نفسك بحيرة أيهما أجمل اللحن أم الكلمات ؟! وهذا في نظري نجاح إضافي لأنه في النهاية صاحب الاثنين ، فقاموسه الشعري في الكتابة مختلف وطازج وتعبيراته تتميز في أغلبها بالجدة والرشاقة والعمق في آن ؛عزيز شاعر مدهش فعلا وبتأمل كلماته التي لحنها لنفسه في الكثير من الأغنيات الشهيرة والناجحة نجد له اسلوب خاص أزاح كثيرا من الرداءة في الأغاني السائدة وأعاد لها قدرتها على الإدهاش حيث ابتعد بها عن السطحية و ربطها بالتعبير العميق المفعم بالصور الشعرية المفارقة

• وحسب عزيز من هذا التقييم المحب أنه سيخضع في النهاية لمقاييس زمنه والسياق الذي نشأ فيه وأبدع بشروطه كما أبدع من قبل السنباطي وعبد الوهاب والموجي والطويل وبليغ بشروط عصرهم.

• وليس مستغربا أبدا أن يترك عزيز الهندسة بعد وقت من عمله مهندسا للإليكترونيات ليهب روحه للمزيكا فيصير " باشمهندس النغم" ونستطيع أن نقول إن تاريخ الهندسة ومشوارها ربما لا يتأثر كثيرا بغيابه عنها وانسحابه منها لكن تاريخ المزيكا المصرية هو الذي كان سيخسر كثيرا إذا استمر في عمله " مهندسا" على حساب موهبته. وكم أسعدني عندما لمست حرصه على القراءة ومواصلة الاطلاع وسعيه لاقتناء عناوين محددة وبحثه في موضوعات معرفية تشغله خارج إطار المزيكا وكان ذلك خلال لقائه بمعرض الكتاب وتأكدت فعلا أنه لا خوف على فنان "يقرأ".

"مصر بخير"

• وقد حصل عزيز منذ أيام على جائزة ميدل إيست ميوزيك أحسن ملحن 2022 وهي ليست الأولى له فقبلها حصد أكثر من واحدة وأجمل الجوائز في نظري تلك التي يقررها الجمهور بنفسه مثلما منحها له في 2021 ولكن دعونا نسأل لماذا نبتهج بصدق حينما يبزغ نجم فنان مثل عزيز الشافعي أو غيره من الموهوبين ؟! أقول ببساطة لأننا نطمئن أن مصر التي نعرفها ونثق في تاريخها وحاضرها ومستقبلها مازالت بخير ولا يخشى عليها وحين نردد بكل بساطة وثقة مقولة "مصر ولادة" فلهذا ألف دليل على الأرض يتكشف كل يوم وليس مجرد تعبير مجاني نقوله والسلام ..وعزيز هنا والذي ما زلنا ننتظر منه لا يمثل نفسه فقط بل يعبر عن كل موهبة حقيقية وصادقة في كل المجالات ويعد هو وغيره من الفنانين والمبدعين الحقيقيين زاد مصر وسلسال فنها الحقيقي وماء نهرها الذي لا يجف.

للتواصل مع الكاتب
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة