رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:

لا ينبغى أن تقوم الدنيا ولا تقعد لمجرد حصول لاعب اسكواش على جنسية دولة أخرى وإعلانه تمثيلها فى المحافل الدولية رغم أن مصر هى من صنعته وجعلت منه نجما من نجوم لعبته.. فقد صنعت مصر الكثير والكثير من العلماء والمبدعين والفنيين المهرة فى مختلف المجالات، وهم ينتشرون الآن فى مختلف دول العالم، ويتردد قبل إسمهم إسم مصر الذى ربت وعلمت وانفقت وصنعت الأساس التربوى والعلمى الذى انطلق منه هؤلاء.

ينبغى أن نعترف بأن كل الدول التى تعيش ظروف مصر تصدر الكفاءات والنوابغ لكل دول العالم المتقدم، لأن البيئة فى الدول التى تستقطب هذه الكفاءات بيئة جاذبة وليست طاردة كما هو الحال فى كل بلادنا العربية وليس فى مصر وحدها.. وهنا لا ينبغى تخوين هؤلاء الشباب الذين يبحثون عن مستقبل أفضل لأنفسهم.. بل ينبغى أن نشجعهم ونستقطبهم بعد نبوغهم وتفوقهم فى الغرب لكى يستفيد الوطن منهم.

فى ألمانيا.. شاهدت الصروح الهندسية الشامخة التى أسسها المهندسون المصريون.. وفى معظم دول العالم علامات بارزة فى مجال الهندسة المعمارية صنعتها عقول مصرية وهى مصدر فخر لنا.. وهؤلاء أفضل سفراء لمصر فى الخارج.

**

لا ينبغى قتل طموح شبابنا الوعد باستغلال شعارات وطنية، فمن يهاجر ليتعلم ويتفوق ويبنى مستقبلا أفضل لنفسه ليس خائنا لوطنه، وعلينا أن ندرس ونخطط ونقدم الحوافز لكى نستفيد منه فى مجال تخصصه.. ولنا أن نتخيل لو ظل لاعبنا الدولى محمد صلاح يلعب كرة قدم فى مصر أين كان الآن؟ وماذا كان الوطن سيستفيد من إسمه لو ظل أسيرا للكرة المصرية العقيمة؟

منذ سنوات قلائل وفى العاصمة الألمانية برلين سألت عددا من الشباب المصرى الواعد الذى ذهب لدراسة الهندسة بكل فروعها وتخصصاتها والتدريب فى أشهر المصانع الألمانية: ما هو طموحكم عندما تعودون الى مصر بعد انتهاء دراستكم وتدريبكم هنا؟ ابتسم أحدهم ورد نيابة عنهم: نتمنى ألا نعود!!

سألتهم: تتمنون عدم العودة الى وطنكم بعد انتهاء مهمتكم العلمية.. لماذا هذا الجحود فقد أنفقت الدولة على تعليمكم منذ الصغر وأتاحت لكم فرصة السفر الى هنا لمزيد من التعلم والتدريب؟

رد واحد منهم: بالتأكيد نحن نرتبط بالوطن وجدانيا مثل كل أبنائه لكننا هنا نبحث عن مستقبل أفضل علميا واقتصاديا ونتطلع الى العمل فى بيئة تقدر إمكاناتنا وتوفر لنا المزيد من فرص التعلم وهذا لا يتوفر لنا فى حالة العودة.

هذا هو الواقع الذى يجب أن نتعامل معه بموضوعية لكى نستطيع التخطيط للاستفادة من أبناء الوطن فى الخارج فى مختلف التخصصات، وهم كثيرون وينتشرون فى مختلف دول العالم، ونحن نحبهم ونحترمهم ونفتخر بهم ونطالبهم برد الجميل للوطن.

**

طموحات هؤلاء الشباب مشروعة لا ينبغى أن يقف فى طريقها أحد فكل إنسان –مصريا كان أو غير مصرى- يذهب الى الغرب ويجد فرصة للتعلم والعمل فى مكان متميز ويفرط فى هذه الفرصة هو إنسان بلا طموح.. ولو أردنا استقطاب هذه الكفاءات لتبقى أو تعود بعد التعلم والتفوق الى الوطن فعلينا أن نقدم لهم الحوافز ونوفر لهم البيئة التى تساعدهم على ذلك، بدلا من مطاردتهم بالاتهامات والنظر الى قرارهم بالهجرة على أنه جحود للوطن.

أعرف أستاذا جامعيا يعمل فى إحدى الدول الغربية ورغم حصوله على جنسية البلد الذى يعيش فيه إلا أنه حرص على تجديد بيته فى مصر ويحتفظ بأرضه الزراعية ويرسل حصيلة عمله لكى يستثمرها فى أحد البنوك المصرية.. ومثل هذا الرجل كثيرون من أبناء الوطن الذين هاجروا الى دول غربية واستوطنوها وحصلوا على جنسياتها ولا يزالون يرتبطون بالوطن ويترددون عليه ويستثمرون فيه أموالهم والتى هى حصيلة عملهم فى الخارج.

**

كل هذه الحقائق لا تعنى أننا فى عدد من البلاد العربية ومن بينها مصر لا نعانى من مشكلة هجرة الكفاءات فى تخصصات كثيرة منها الطب على سبيل المثال.. وعلينا أن نضع حلولا عملية لحل هذه المشكلة وأن نبحث بموضوعية وأمانة فى الأسباب التى تدفع الكثير من شباب الأطباء الى الهجرة وهى موجودة على أرض الواقع، وقد عايشت مشكلة أحد الأطباء الشباب النوابغ الذى كان يعمل فى وزارة الصحة ووقعت عليه جزاءات من رؤسائه لأسباب تافهة فزهق واتخنق وقرر البحث عن فرصة عمل فى الخارج.. وهو الآن يعمل ويدرس فى لندن منذ عدة أشهر.

**

استنزاف الكفاءات والخبرات والعقول الشابة والبراعم المبدعة فى مختلف المجالات أمر واقع منذ عقود، ولو أردنا وقف هذا الاستنزاف فعلينا أن نبحث عن أسبابه والتعامل معها بموضوعية.. وهذه المشكلة لن تحلها الشعارات الوطنية، بل يحلها ويقلل منها دراسة الأسباب الموجودة والتعامل معها.

يجب أن يدرك الجميع أن الدول الغربية تقدم حوافز جيدة لشبابنا النابغ فى مختلف التخصصات، بل دخلت بعض الدول العربية على الخط وتحاول هى الأخرى استقطاب شبابنا وتجنيسهم للاستفادة من نبوغهم فى المستقبل القريب والبعيد.

الإحصاءات تؤكد أن الغرب استطاع خلال الخمسين سنة الماضية استقطاب خيرة العقول والخبرات العربية فى الهندسة والطب والعلوم ومختلف ميادين الحياة حتى فى التخصصات العلمية الدقيقة مثل الهندسة النووية يوجد فى الدول الغربية أكثر من ثلاثة الآف خبير نووى عربى منهم عدد كبير من المصريين.

والسؤال المهم هنا: كيف نوقف استنزاف العقول والخبرات المصرية ونوفر المناخ المناسب لاستثمارها فى الوطن سواء ظلت فى الغرب أو وجدت ما يشجعها على العودة؟

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة