معاً للمستقبل
الأمم الحية تصنع رموزها الملهمة صنعاً محكماً يبقيها ماثلة في ذاكرة شعوبها تتخذ منها القدوة والنموذج الذي يحاكيه الأفراد في حياتهم اليومية، ولمَ لا وتلك النماذج ملء السمع والبصر وقادرة على ابتعاث الهمم وشحذ العزائم وخلق حالة أمل ووعي لا تنطفيء بل تستمر في تيار الحياة الجارف تعطي بلا حدود وتبدع بلا انقطاع وتبني وتشيد الأمجاد ..وبمثل هؤلاء الأفذاذ تتقدم الدول وتأخذ مكانها بين صناع التاريخ.!!
ترى ماذا صنعنا نحن برموزنا..هل جعلناهم قدوة لنا ولأجيالنا الحاضرة والقادمة..أم نسيناهم وغفلنا عن سيرتهم بل إن هناك من سار في اتجاه عكسي بتشويه أي رمز قد يحيي الأمل ويخلق الدافع في النفوس..ولعلي لا أفهم أو لا أستوعب شماتة البعض في رموز لا يصح إلا أن نفخر بهم ونعتز بكونهم من طينة هذا الوطن ويندر بل يصعب تكرارهم..وقد هالني حجم ما رأيت من شماتة وترصد في لاعبنا الدولي محمد صلاح الذي حقق ولا يزال إنجازات وأرقامًا غير مسبوقة للاعب مصري وعربي وإفريقي، إنجازات مستحقة يشهد بها ويثني عليها القاصي والداني بجهد شخصي خلاق ورعاية أسرية كتب الله لها التوفيق والنجاح.
كما ساءني ما رأيت من شماتة في كوكب الشرق أم كلثوم وهي التي أبدعت وملكت القلوب والنفوس من أقصاها لأقصاها وحققت مجداً غنائياً لم ولن يسبقها إليه فنان في المشرق والمغرب العربي..كما استغربت من كم الشماتة التي واجهتها الوزيرة النابهة نبيلة مكرم وعائلتها في مكروه نزل بهم..ولست أدري أي درك من الأخلاق وصلنا إليه..؟!
أهذه أخلاق المصريين الذين امتازوا على مدى تاريخهم بإغاثة الملهوف ومد يد العون لكل محتاج ومساندة المكلوم، وإظهار مشاعر النبل والتكافل في الملمات والشدائد حتى مع ألد الخصوم..؟!
ليس ما يحدث اليوم من تلاسن وشماتة وقذف وسب وتطاول وتشويه لكل رمز طيب وكل قيمة عالية على مواقع التنابذ الاجتماعي إلا حلقة في سلسلة تردي الأخلاق التي تدق ناقوس خطر يقتضي أصحاب الضمائر اليقظة من علماء النفس والاجتماع والفلسفة والأخلاق أن يستنفروا الجهود لدراسة حالتنا وما صرنا إليه لتشخيص العلة ووصف الدواء ووقف نزيف التدهور الأخلاقي.
إن من يسعون لتشويه أي رمز أو قامة مضيئة في حياتنا إنما يهدمون كل قيمة وكل معنى للنجاح والكفاح وكأنهم يريدون تجريد هذا البلد من قواه الناعمة وضربه في مقتل حتى يبقى بلا رمز أو قدوة ملهمة تحرك الناس في اتجاه البناء والنجاح والأمل.
الشماتة خلق ذميم ينافي مبدأ الأخوة ويهدم كافة الروابط ويتنافي مع تعاليم الأديان ونهج نبينا الكريم القائل:" كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه" ويتصادم نهش الأعراض والشماتة مع قول الله تعالى" إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم"(الحجرات:10)..ومن ثم فقد شدد الله عقوبة من يحبون شيوع الفاحشة بين المؤمنين بالخوض في الأعراض ورمي الناس بالباطل في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ".
وليعلم كل شامت أن الجزاء من جنس العمل لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:" لا تظهر الشماتة في أخيك فيرحمه الله ويبتليك"..وهنا الجزاء وفاق أي من جنس العمل..والشامت تنتقل إليه المصيبة التي شمت في أخيه حين وقعت له..والنتيجة براءة المشموت به ومعافاته برحمة من الله ووقوع الشامت فيما شمت به.
الشماتة هي باختصار إظهارالفرح والسرور بما ينزل بالآخرين من كوارث وحوادث مؤلمة من مرض وموت..وهي بهذا المعنى مجلبة للشر، مفسدة للدين، وهي سلوك شائن، وخلق قبيح يدل على نفس غير سوية وقلب مدخول..وقد عدّها القرآن من أخلاق الكفار والمنافقين:" إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا " (آل عمران:120)..ومن ثم فقد كان النبي الكريم يستعيذ بالله منها بقوله :"تعوذوا بالله من جهد البلاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء وعضال الداء".
نصيحتى للشامتين أو المبتلين بالشماتة..أن يبصروا عاقبة شماتتهم؛ فلا تزهوا بأنفسكم وتغفلوا عن موادعة الأيام لكم وتظنوا أن هذا المبتلى لم يبتل بما ابتلي به إلا على كرامة في نفوسكم أو بسبب إجابة دعوة منكم أو من غيركم وإنما هو قدر أنزله الله به لحكمة يعلمها وغاية لا يدركها إلا أولو البصيرة، وإن شماتتكم فيه غفلة لا تليق وعجب وغرور وربما تكون استدراجا لكم ومكراً بكم..ولا يخفى على عاقل أن الشماتة انعكاس لأمراض نفسية تنطوي على فقدان الثقة بالنفس وإحساس بالفشل..فلا تسلوا أنفسكم بهذا الخلق الذميم.
الشامت لا يفرح بمصيبة غيره إلا للؤم في نفسه..فلا تشمت بأخيك مهما صغر شأنه وظهر عيبه، وبان نقصه في أمر الدين أو الدنيا؛ فالشماتة تجلب البلاء والابتلاء لصاحبها..كما أن الأيام دول..وكم من غني افتقر وكم من فقير اغتنى، وعزيز ذلّ، وذليل عزّ، ووضيع ارتفع، ورفيع اتضع، وقوى ضَعُف وضعيف قوى، وصحيح ابتلى، ومبتلى عوفى..ولسوف يلقى الشامتون ما لقي غيرهم ..يقول ابن مسعود: " والله لو أن أحداً عيّر رجلا رضع من كلبة لرضع هو من كلبة ". ويقول ابن القيم رحمه الله : " ما من عبد يعيبُ على أخيه ذنباً ، إلا و يُبتلى به ، فإذا بلغك عن فلان سيئة فقل : غفر الله لنا وله " ..ﻻ تراقب الناس ، وﻻ تتبع عثراتهم ولا تكشف سترهم ، وﻻ تتجسس عليهم ..اشتغل بنفسك وأصلح عيوبك ، فسوف تسأل فقط عن نفسك ﻻ عن غيرك ، فالله أرحم بهم منك ومن أنفسهم .. وقُل للشامتين صبراً فإن نوائب الدنيا تدورُ .
من يفرح في مصائب الآخرين إنسان غير سوى، كما أن التشفي في الموت ليس خلقاً إنسانياً ولا دينياً..فكما مات غيرك فسوف تموت أنت..فلا شماتة في الموت كما أنه لا شفاعة فيه..فهل يسرك أن يقال لك إن فلاناً يسعده أن تموت مثلاً..؟!
لقد حزنت جداً لما أبداه بعض جمهور كرة القدم من شماتة في لاعبنا الخلوق صانع السعادة والقدوة محمد صلاح إثر هزيمة فريقه أمام ريال مدريد في نهائي دوري أبطال أوروبا..رغم أن فريق صلاح كان الأفضل أداء ، وكان صلاح من أفضل اللاعبين في تلك المباراة ..لكن الحظ عانده وفريقه وتلك حال الساحرة المستديرة فليس كل من يجيد اللعب يحقق الفوز..وأتعجب ممن يحملون صلاح أكثر مما يحتمل..ويصرون على إحباطه بمشاعر سلبية وسخط ليس في محله تجاه لاعب خلوق من أفضل من أنجبت مصر ليس في كرة القدم فحسب بل في مجال الرياضة على وجه العموم..ولا أدري السر في التحامل عليه عمال على بطال..فمثل هذا التحامل الظالم ربما جلب عليه النحس ..فمن يصدق أن يخسر اللاعب كأس الأمم الأفريقية بضربات الجزاء، ثم يخسر الصعود لكأس العالم 2022 بالطريقة ذاتها ثم يضيع منه الدوري الإنجليزي بفارق نقطة واحدة أمام منافسه اللدود وكذلك ضاع دوري أبطال أوروبا بهدف فرح به الشامتون كما لم يفرحوا بفوز من يشجعون من الفرق الفائزة.
فهل ينسى هؤلاء أن صلاح ابن بار لمصر، يرفع رايتها وراية العرب والمسلمين والأفارقة في كل محفل دولي، وأنه شاب مصري نابه خلوق يشار له بالبنان وكل مكسب يحققه وكل شهرة يظفر بها هي أكبر دعاية لبلده..هل نسيتم أنه مع كل هدف يحرزه يسجد لله شكراً ثم يقلده أطفال إنجلترا بطريقة عفويه حباً في بطل مصر الذي صار قدوة لهؤلاء..فما بالنا بمن يفترض أنهم أهله وأولى بهم أن يفخروا به لا أن يشمتوا فيه إذا ما خسر ويتحاملوا عليه بالانتقاد ظلماً وعدوانا أو جهلاً وحقداً.
هل نسيتم مثلاً ما فعلته السنغال احتفاء بنجوم منتخبها حين فازوا ببطولة أفريقيا فاستقبلتهم استقبال الفاتحين وجعلت من يوم فوزهم عيداً وطنياً تمنحه إجازة لمواطنيها..أم نسيتم ما فعلته كوريا الجنوبية مع لاعبها سون زميل محمد صلاح في الدوري الإنجليزى والذي شاركه في جائزة الحذاء الذهبي لكن صلاح تفوق عليه بجوائز أخرى لم يظفر بها لاعب آخر في إنجلترا.؟!
أم نسيتم أن صلاح ليس أيقونة الكرة المصرية فحسب بل أيقونة الكرة العالمية..وقد اختير ضمن ثلاثة لاعبين كأفضل لاعب في العالم بجوار ميسي ورونالدو..أم نسينا أنه حصل على أفضل لاعب في بريطانيا وأوروبا كلها ناهيك عما حصده من جوائز فردية كثيرة..؟!
بالله عليكم ..ماذا يستحق لاعب بهذه العظمة..أيستحق التكريم أم الشماتة والتقريظ..؟!
لقد أحببت، كما كثير غيرى، الدوري الإنجليزي والمنافسات الكروية الأجنبية عامة لأجل نجاحات هذا اللاعب الفذ الخلوق ..وكرة القدم شأنها شأن أي منافسات رياضية هي في النهاية مكسب وخسارة وروح رياضية وليست أبداً شماتة وتشويهاً أو غلاً من لاعب أنجز وما زال يرفع اسم مصر وأفريقيا عالياً في سماء العالمية.
صلاح ليس مجرد موهبة كروية تستحق الإشادة والفخر فحسب بل هو قلب وخلق وعقل نادر الوجود..هل نسينا لمسة الإنسانية والوفاء التي بادر بها صلاح وهو المرموق عالمياً حين اصطحب لاعب الأهلي مؤمن زكريا لغرفة ملابس ليفربول ..وهذا درس في القيم والمباديء والإنسانية لتخفيف آلام زميله في الملاعب..وهى لمسة لم يكن ليفعلها غير محمد صلاح بقيمته وقامته وخلقه الرفيع الذي أستغرب كثيرا مما يفعله لاعبون مصريون يفترض أنهم كبار لكنهم مهما كبروا لن يحققوا معشار ما حققه صلاح الذي أرسى قيماً كنا نفتقدها في كرة القدم.
الأولى بنا أن نفخر بابن بلدنا ونعلم أولادنا من خلاله حب النجاح والإصرار عليه مهما تكن الصعوبات..وتلك هي القيمة التربوية التي ينبغي استخلاصها من مسيرة نجاح صلاح وشعبيته الكاسحة في أوروبا والعالم والتي لم يسبقه ولن يسبقه إليها لاعب مصري محترف في المدى المنظور.
خالجتني دهشة ممزوجة بالألم حين شاهدت مصريين يشجعون ريال مدريد في مواجهة ليفربول الذي يلعب صلاح في صفوفه وكنت أرجو لو أبدى هؤلاء شيئاً من الاعتزاز والتقدير لصلاح وفريقه وقد بذل لاعبنا الخلوق أقصى ما وسعه مع منتخب بلاده الذي خانه التوفيق وخذلته ظروف كثيرة لا يتحمل صلاح شيئاً منها إطلاقاً.
لقد نجح صلاح لاعباً قديراً وإنساناً خلوقاً قدم أروع الأداء ونجح مع فريقه في حصد البطولات والألقاب والجوائز التي لم تتحقق سابقاً.. ومن قبل هذا وذاك حصد إعجاب واحترام الجماهير في العالم أجمع.
وحسناً فعل مرصد الأزهر حين أصدر بياناً اعتبر محمد صلاح نموذجاً للسلوك الحسن الذي يجب أن يتحلى به الجميع ..كما سرني تعليق دار الإفتاء على اصطحاب محمد صلاح لزميله مؤمن زكريا داخل غرفة ملابس ليفربول للاحتفال بكأس الاتحاد الإنجليزي حيث أكدت الدار أن الإنسانية قبل التدين والإنسان الحقيقي أخلاق وجبر للخواطر وليست الأخلاق مقصورة على الرياضة بل هي منهج حياة.
في مصر موهوبون كثر في كل المجالات، فقط يحتاجون لمن يكتشفهم ويمد لهم يد العون ويصقل تلك الموهبة حتى تجد طريقها للعالمية وتصبح قوة مضافة للقوى الناعمة لمصر كما فعل صلاح الذي استطاع أن يثبت بجدارة أنه شاب استثنائي شق طريقه نحو التألق والعالمية بجدارة واقتدار وصار بلا مبالغة أحد مقومات المهمة لقوانا الناعمة.
نجاح صلاح وتفوقه يضعنا إزاء سؤال مهم: هل منظومتنا الرياضية بخير..وإذا لم تكن كذلك فماذا يجب أن نفعل لإصلاحها حتى تصبح بحق قوة ضاربة وواجهة مشرفة ترفع راية مصر في المحافل العالمية ليس في كرة القدم فحسب بل في كل الرياضات واللعبات جماعية كانت أو فردية.
إن ما حققه محمد صلاح من إنجازات غير مسبوقة يدعونا للفخر به والوقوف في ظهره كما تفعل كل الدول مع نجوم أقل موهبة و نجاحاً من صلاح ..علينا أن نبارك لصلاح بعد كل إنجاز يحققه وأن نشد من أزره حتى لو أخفق لا قدر الله ويكفي أن يرفع اسم مصر عالياً وأنه نموذج يمكن البناء عليه لاستنهاض الهمم وابتعاث الروح الحضارية لمصر لنثبت أن المصريين قادرون دائماً على صنع التاريخ إذا ما توفرت لهم الظروف المناسبة لذلك.
لا تبخسوا مو صلاح حقه في الإشادة والمساندة والاعتزاز فهو قصة نجاح تستحق أن تروى لأولادنا بطريقة تحببهم في تقليده خلقاً وعملا وإصراراً على النجاح؛ قصة نجاح يتمناها كل منا لنفسه أو لأولاده..ويحضرني تهنئة الرئيس السيسي للاعبنا الخلوق بعد فوزه بجائزة أحسن لاعب في أوروبا بقوله: "إن ما حققه ابن مصر محمد صلاح من إنجاز يدعونا للفخر، ويؤكد قدرات المصريين المبهرة في كل المجالات حيث رفع اسم مصر عالياً..مبروك للمصريين ما حققه محمد صلاح"..نحن مع الرئيس أن صلاح فعلاً يرفع اسم مصر عالياً كل يوم..ولنا أن نفخر به ونفاخر الدنيا كلها.