لوجه الله:
بعيدا عن الدعوات العشوائية بعدم جدوى تحفيظ القرآن الكريم لأطفالنا، واستهانة البعض بمكاتب تحفيظ القرآن الكريم التى انتشرت فى مختلف محافظات مصر.. علينا أن ندرك أهمية وقيمة أن يكون الإنسان المسلم على دراية بما يقدمه له كتاب الله الخاتم من عقيدة صافية وأحكام شرعية صحيحة، وقيم وأخلاقيات راقية، حيث يرسم القرآن الكريم صورة أخلاقية وسلوكية مثالية، ويبنى شخصية من يقرأه ويتدبر معانية على كل ما هو مثالى من السلوك والأخلاق.
كل من يغوص فى بحر القرآن الكريم الواسع يجده كنزا للأخلاق السامية والقيم الرفيعة التى تضبط سلوك الإنسان وتسمو به، ليؤدى واجباته تجاه خالقه، ويعبده حق العبادة، ليؤدى رسالته فى الحياة على الوجه الأكمل، ويسهم بفاعلية فى بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابه كل التجاوزات الأخلاقية والأفكار المتطرفة.. فالقرآن الكريم الذى قال الحق سبحانه وتعالى فى شأنه:" إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا" يقود الناس جميعا ويرشدهم ويهديهم الى كل ما ينفعهم من تشريعات سماوية، وسلوكيات رشيدة وأخلاق كريمة.
ولذلك قال الفخر الرازى فى معنى قوله سبحانه: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" جميع القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين.. وقال د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق- رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية الكريمة: مما لا شك فيه أن قراءة القرآن، والعمل بأحكامه وآدابه وتوجيهاته شفاء للنفوس من الوسوسة والقلق والحيرة والنفاق والرذائل المختلفة، ورحمة للمؤمنين من العذاب الذي يحزنهم ويشقيهم إنه شفاء لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت بنور ربها، وتفتحت لتلقي ما في القرآن من هدايات وإرشادات.. إنه شفاء للنفوس من الأمراض القلبية كالحسد والطمع والانحراف عن طريق الحق، وشفاء لها من الأمراض الأخلاقية التى تفسد العقول والقلوب.
****
لقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون كتابه الخالد منظومة أخلاقية شاملة كما هو منظومة تشريعية متميزة، فقد جاء القرآن بكل القيم الأخلاقية الرفيعة، وهو فى بنائه الأخلاقى للإنسان يحث على كل ما هو راق ومتحضر من السلوك، ويهدف من وراء ذلك السمو بالأخلاق فوق كل الصغائر، ويرسم حياة راقية تغلفها كل المعانى الانسانية الفاضلة، فالقرآن جاء ب"أخلاق ربانية" تجسد حسن الصلة بالله، وتعمق التقوى له مثل: الإخلاص للدين، والتوكل على الله فى كل شىء، والرجاء فى رحمته، والخوف من عذابه، وشكره عز وجل على نعمه الوفيرة التى تحيط بالإنسان، والصبر على ما يتعرض له من اختبارات وبلاءات فى النفس أو المال أو الأهل، وإيثار الآخرة على الدنيا.
لذلك يهدف القرآن من شيوع قيمه الأخلاقية فى كل سوره الى إشاعة الأخلاق الإنسانية السامية، وكل من يقرأ سور هذا الكتاب العظيم يجده سجلا حافلا بالدعوة الى: الصدق والأمانة والسخاء والشجاعة والتواضع والوفاء والحياء والعفة والحلم والصبر والعدل والإحسان والرحمة والغيرة على الحرمات وبر الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الجار والتسامح مع المخالف والإيثار والتعاون على البر والتقوى وتوقير الكبير والرحمة بالصغير ورعاية اليتيم والحض على طعام المسكين وإعطاء كل ذى حق حقه.
ما أروع سلوك وأخلاق المؤمن الذى وصفه خالقه بقوله:" قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون"، وما أجمل أن يُشعر الخالق عباده الملتزمين بأخلاق القرآن بحبه لهم وقربهم منه فيقول فى ختام النصوص القرآنية التى تتحدث عن الأخلاق:(والله يحب المحسنين – والله يحب الصابرين – إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين – إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)، وفى مقابل ذلك تنوعت التحذيرات القرآنية من الأخلاق السيئة من أمثال قوله سبحانه: ( إن الله لا يجب الخائنين – والله لا يحب الظالمين – والله لا يحب المفسدين – إن الله لا يحب كل مختال فخور).
****
لقد أكد أساتذة الطب النفسى أن القرآن الكريم وما تضمن من قيم أخلاقية وسلوكية راقية يمثل أفضل علاج نفسي، فكل من يقرأ القرآن أو يستمع إليه يشعر بهدوء وسكينة وطمأنينة نادرة، ومن هنا استخدم القرآن كعلاج نفسي فعال في حالات كثيرة، وهذا سر قول الحق سبحانه: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" .. وقد قال العديد من علماء المسلمين إن المقصود هنا هو شفاء الأمراض النفسية، ولذلك ينصح كثير من الأطباء النفسيين مرضاهم المسلمين بقراءة القرآن، والحرص على ذلك، فالقرآن ينقل الإنسان إلى حالة من الصفاء النفسي تذوب معها كل هموم الدنيا ومتاعب الحياة، فبتلاوة القرآن يخاطب العبد نفسه ويسبح في ملكوت السماء، وكأنه يحلق في عالم رباني فيه كل معاني الصدق، وفيه قول الحق بلا رياء ولا نفاق، عالم ملائكي بعيد كل البعد عن ماديات الحياة وزخرفها الزائل الزائف، فمع تلاوة القرآن تتجلى الحقيقة أمام أعيننا: (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) ومع القرآن تتلاشى شوائب الفكر وتختفي وساوس الشيطان ويستقيم الوجدان.
ومن هنا يؤكد هؤلاء الأطباء أن الحرص على قراءة القرآن بتدبر، والالتزام بما جاء به من آداب وأخلاق فاضلة كفيل بأن يجعل الانسان يعيش حالة من السمو الأخلاقى، تطرد من داخله نوازع الشر وميول العدوان، ويرقى بسلوكه إلى مستوى الرحمة والمودة، فتقوى الله عز وجل تتجلى في تلاوة القرآن: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى"، "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب"، ولذلك كانت النصيحة لكل مهموم أن يهرب من حالة الهم والكرب والقلق بقراءة القرآن.
ما أحوجنا جميعا الى قيم وأخلاق القرآن لتستقر حياتنا، ونتخلص من كل صور الإسفاف السلوكى التى نراها فى حياتنا اليومية.
نحن فى أمس الحاجة اليوم الى خلق الإيثار الذى يغرسه فى نفوسنا القرآن"ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" لنتخلص من كل أشكال الطمع والجشع والاستغلال التى سيطرت علينا وأفسدت علاقتنا بكل خلق الله، ودفعت الإنسان الى إزهاق روح صديقه أو جاره أو زميله فى العمل من أجل حفنة من المال.
نحن فى أمس الحاجة الى خلق الصدق التى تعدد ذكرها فى القرآن لنتخلص من كل أشكال الكذب والنفاق والغيبة والنميمة التى سيطرت علينا وتغلغلت فى حياتنا وأصبحت سلوكا طبيعيا فى حياة الكثيرين منا رغم ما يترتب عليها من خسائر فادحة للجميع.
نحن فى أمس الحاجة اليوم الى قيم الوفاء والإخلاص والرحمة التى يغرسها فينا القرآن لنتخلص من كل صور الغدر والخيانة التى اقتحمت حياة الكثيرين وسيطرت على نفوسهم وجعلت البعض يغدر ويخون أقرب الناس إليه.