رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

ما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها بهزيمة دول المحور، حتى انقلب حلفاء الأمس إلى أعداء اليوم ، وانخرط العالم في حرب باردة بين أهم قوتين عالميتين هما أمريكا والاتحاد السوفيتي اللتان خاضتا سباقاً مريراً للحصول على مزيد من الأسلحة المتطورة، وإثبات تفوقهما التكنولوجي، وزيادة نفوذهما بالعالم..وشيئاً فشيئاً انتقل الصراع من الأرض إلى الفضاء ، وصار الأخير ساحة حرب باردة بين الطرفين ، وبقى العلم والتعليم كلمة السر في حيازة أسباب التفوق وبلوغ مقومات الهيمنة والريادة.

هيمنت الولايات المتحدة الأمريكية على مجريات الحرب الباردة، وبفضل مهمات التجسس التي قادتها طائرات لوكهيد يو-2 تيقن الأمريكيون من تفوقهم النووي؛ لكنهم وبداية من العام 1955، أجروا دراسات سرية نبّهتهم لقيام السوفيت بتدريب أعداد كبيرة من العلماء سنويا وهو ما أفضى بهم في عام 1957 لإطلاق أول قمر صناعي، هو سبوتنيك (1 (بواسطة صاروخ العابر للقارات في سابقة فريدة أذهلت الأميركيين وأصابتهم بصدمة وقلق كبيرين؛ كانت من نتائجها أن عكف الأمريكيون على البحث والدرس والعلم حتى أثمرت جهودهم إنشاء وكالة الفضاء (ناسا) بجلالة قدرها.

ولا عجب والحال هكذا أن يطالب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، الكونجرس بتعديل قانون الهجرة والجنسية لتسهيل حصول الروس المتعلمين تعليما عاليًا على تأشيرات للعمل في بلاده، وهو سوف يسمح للروس الحاصلين على درجة الماجستير أو الدكتوراه في مجالات العلوم أو التكنولوجيا أو الهندسة أو الرياضيات بالتقدم للحصول على تأشيرة دون الحصول أولاً على راعي صاحب عمل في أمريكا.

هذه هي ساحة الصراع بين القوى الكبرى..اليوم؛ فالعلم والتعليم مدار القوة والضعف، وهما مقياس التقدم والتخلف.. وهو ما يطرح سؤالًا حيوياً لا مفر منه: أين يقف تعليمنا بين أنظمة التعليم في العالم..هل يراوح مكانه أم حقق غايته المرجوة بخلق جيل قادر على التفكير والإبداع والاختراع وإيجاد حلول ناجعة لمشكلاتنا العصية..هل تخلص من معضلة الدروس الخصوصية التي تستنزف الأسر وتزيد أعباءها وهمومها..هل تخلص من ظاهرة تسريب الامتحانات التي باتت آفة ابتلى بها تعليمنا منفرداً بها في كل الدنيا!!

لست أبالغ أنني تفاءلت خيراً بالوزير د.طارق شوقي؛ ذلك أنه بشرنا منذ تولى مقاليد وزارة التربية والتعليم بزوال "بعبع" الثانوية العامة سلة الفشل وعقدة المصريين وذلك بكلمات قاطعة متفائلة لا لبس فيها،ورؤية طموح..قال الوزير بوضوح: إن هناك ثانوية عامة معدلة تنهي بلا رجعة "الدروس الخصوصية" التي سوف تصبح، مع نظامه الجديد، بلا جدوى ولا نفع للطلاب، فلن تساعدهم على حل الامتحان في صورته الجديدة، ولا على فهم المنهج، وأن الوزارة سوف تعمل على توفير جميع مصادر التعلم الرقمي وتدريب المعلمين، كي تقدم لأبنائنا خدمة تعليمية راقية ومعتمدة.

الوزير د.طارق شوقي قال يومها: "نصيحتي للجميع ألا تستجيبوا لضغوط الدروس الخصوصية؛ لأنكم لن تحتاجون إليه، ولن يكون لها أي تأثير على الأداء في السنوات المقبلة".

كلمات الوزير أثلجت صدورنا، فقلنا وقال كل ولى أمر نفسه: الحمد لله أن خلصنا الوزير شوقي من الثانوية العامة القديمة بكل متاعبها ومشاكلها وتخلفنا، وداعب الأمل نفوسنا بأننا نستقبل تطويراً هائلاً في نظامنا التعليمي وأن عقدة الثانوية سوف تنفك على يديه ..وأظنه كان صادقاً في رغبته لإزاحة هذا الكابوس الجاثم فوق صدورنا منذ عقود لم تتحقق خلالها أي عدالة أو تكافؤ فرص مع "الثانوية العامة" ، ولم تبشرنا بمستقبل أفضل، ولم تعبر بأي حال عن القدرات الحقيقية لطلابنا حتى وإن حصل بعضهم على الدرجات النهائية أو فوق النهائية وتلك من عجائب الدنيا التي لا نرى لها مثيلاً في أكثر الدول تقدماً .

وكم كان د.طارق شوقي صادقاً مع نفسه ومعنا حين بادرنا معترفاً بانتهاء صلاحية منظومة التعليم في مصر، وأنه مهما نحاول إصلاحها أو تطويرها أو ترقيعها بمعنى أدق بتطبيق نظم جديد للامتحان أو بتعديل بعض المناهج فلن تجدي محاولات إصلاحها فتيلاً ..وفي أحسن الأحوال يمكن إصلاحها بنسبة لا تتجاوز 20%؛ ومن ثم فلا مفر من نسف حمامنا القديم- هكذا قالها الوزير بشجاعة تُحسب له- وتأسيس نظام تعليمي جديد أو بديل يبدأ بالحضانة، مروراً بكل مراحل التعليم، وصولاً للدراسات العليا؛ ليفرز في النهاية ما تحتاجه مصر من كوادر وأفكار ومنتجات علمية على أعلى مستويات الجودة والإبداع.

ليس هناك خيار آخر- كما يقول د.شوقي- إذا ما أردنا تقدما ونهضة حقيقيين تسعى الحكومة لتحقيقهما بكل ما وسعها الجهد، وتدعو مكونات المجتمع كافة للإسهام بدورها كلاً بقدر ما يستطيع لإنجاز حلم طال انتظاره.

فهل كان الوزير متفائلاً أكثر من اللزوم حين حين بشرنا بتغيير جذري للتعليم؛ ثم جاء الواقع ليقول شيئاً آخر تماماً ؛ فلا الدروس الخصوصية تراجعت ولا الغش توقف، ولا العقول تحررت من الحفظ والاستظهار، ولا تحقق الإبداع الذي يريده الوزير ونريده نحن أيضاً معه، ولا تخلى الطلاب عن المنهج التقليدي تحصيلاً وامتحاناً؛ ولا توقف السيستم عن السقوط أثناء الامتحانات.. وكان آخرها امتحان التيرم الثاني اللغة العربية للصف الثاني الثانوي الذي اضطرت الوزارة لمنح الدرجة النهائية لنحو 92 ألف طالب لم يتمكنوا من أداء الامتحان الإلكتروني بسبب سقوط السيستم من أصل 582 ألفاً هم جملة الطلاب الذين تقدموا لهذا الامتحان.

لسنا في حاجة لإعادة التأكيد أن التعليم والصحة ينبغي لهما أن يكونا في صدارة أولويات الدولة- أي دولة- ومن باب أولى أن يتصدرا أجندة الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس السيسي لتتحاور قوى المجتمع وأطرافه كافة، و ليسمع الناس بعضهم بعضاً، وليدلي كلٌ بدلوه في الشأن العام وما يشغل بال المواطن، ويتصل بصالح الوطن وتحدياته ومتاعبه وتطلعاته..فإذا كانت المعارضة تطالب مثلاً بالإصلاح السياسي؛ وهو أمر مهم فإن إصلاح التعليم والصحة والاقتصاد تحديداً أولوية ينبغي لها أن تتصدر أجندة الحوار المأمول بحسبانها تلك العناصر الثلاث مرتكزات لا غنى عنها لحياة أي مجتمع وبقاء أي دولة.

فإصلاح التعليم لا يعني فحسب إصلاح المناهج والمواد الدراسية وطرق تحصيلها و التعامل مع مقتضيات العصر ومتطلباته ومستجداته من علوم وتكنولوجيا بل هو في جوهر إصلاح للنفس وتربية للضمير والوجدان والأخلاق..وهو أساس أي صلاح ومرتكز أي إصلاح فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت؛ ولا خير في علم يخلو صاحبه من مكارم الخلق..فإذا ما اجتمع الضمير اليقظ مع العقل النابه والتفكير العلمي المبدع فذاك غاية المراد من التعليم ..وإلا فلا خير في تعليم ولا متعلم..وما أحسب أن ظاهرة الغش التي نعيب تفشيها في زماننا إلا نتاجاً لغياب هذا الضمير وانعدام الأخلاق الحسنة.

ألسنا نشكو تسريب الامتحانات على صفحات الغش التي تفشت في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة رغم أن الحكومة وعدت من قبل بأن تنهي تلك الظاهرة..فهل توقف تلك المأساة أم تزداد استفحالاً بعد أن وجدت بيئة حاضنة وأولياء أمور لا يستنكفون هذا الجرم بل يستمرئونه ويشجعون عليه بلا حياء حتى بات الغش ظاهرة مخيفة آن للمجتمع أن يتصدى لها ويجتثها من جذورها؛ فمن العيب أن يكون لدينا أمثال هؤلاء الغشاشين الذين تنعقد عليهم الآمال في تحمل مسئولية المستقبل وأمانته بعد تخرجهم في شتى المجالات وكافة المواقع.

للغش صور كثيرة حرمها الشرع لكن أخطرها على الإطلاق هو الغش في طلب العلم..فكيف يغش الطالب في الامتحان ثم يحصل على شهادة وهمية لا هو يستحقها ولا هو كفء لها؛ وربما تبوأ بها منصباً ليس له أهلاً..ثم يخرج لنا بهذا الغش الفاضح جيل جاهل غير مؤهل لتحمل أمانة بلد وحمل مسئولية دولة بحجم مصر فجر الضمير ومنبع الحضارة ..!!

لقد قالت دار الإفتاء بوضوح إن الغش حرام شرعاً، سواء في امتحانات الدراسة أو غيرها؛ وهو من كبائر الذنوب لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من غشنا فليس منا"؛ فالغش محرم سواء في الاختبارات أو المعاملات؛ فإذا رضي به المعلم وهو يختبر طلابه فهو شريك في الإثم والخيانة.

فماذا ننتظر من الغشاشين سوى البوار والخسران؛ وكيف نتوقع الأداء إذا ما وسِّد الأمر إليهم، هل يبدعون في وظائفهم أو يتقنون أعمالهم، أو يتحرون الدقة في تنفيذ ما يوكل إليهم..ومن أسف أن الغش استطال حتى بلغ طلاب الدراسات العليا الذين يلجأ بعضهم إلى أشخاص يعدون نيابة عنهم رسائل علمية يحصلون بموجبها على درجات علمية كالماجستير والدكتوراة دون أن يعوا ما فيها أو يلموا بما حوته من معلومات.

فكيف يستساغ ذلك لأطروحة علمية هي في جوهرها رسالة بكل ما تعنيه الكلمة من سمو ورقي وتهذيب واجتهاد في طلب العلم من أوسع أبوابه.

الأزمة هنا في اختلال ضمير مجتمع تواطأ وتماهى مع الغش حتى صار سلوكاً مألوفاً لا يمتعض منه ولا يرفضه ..وهو ما ينبغي أن تتنادى الأسرة ورجال الأزهر والكنيسة وكل مؤسسات الفكر والوجدان والضمير لاجتثات شأفته وشرح مضاره ومساوئه وأثره المدمر لأخلاق المجتمع ومستقبل أجياله..لابد من التوعية بخطورة وجود غشاشين في حياتنا..لابد من توجيه النصح لأبنائنا بكل الوسائل أن يتقوا الله عز وجل وأن يخلصوا النية في طلب العلم وتحصيله وأن يؤدوا أمانة الامتحانات ويكفوا عن استسهال الغش ..فالناجح بالغش هو مخادع وخائن لنفسه ومجتمعه وعاصٍ لربه ومتسبب في تدمير وطنه..ومن ينجح بالغش ليس بناجح في الحقيقة وإنما سارق لمجهود غيره ظالم لنفسه لا يرجى منه خير ولسوف يجنى الفشل المرير في حياته العملية؛ ففاقد الشيء لا يعطيه أبداً.

أما الأزهر فقد قال بعبارات حاسمة إن الغش في الامتحانات سلوك محرم يهدر الحقوق ويهدم مبدأ تكافؤ الفرص ويؤثر بالسلب على مصالح الفرد والأمة، موضحاً أن الإسلام حث على طلب العلم وتحصيله بجد واجتهاد وإخلاص والتحلي بمكارم الأخلاق والبعد عن كل ما يغضب الله وينافي الفضائل والمحامد.

إن الغش في الامتحانات يهدر الحقوق ويمنحها لغير الأكفاء، ويساوى بين المجد المتقن والكسول المهمل وهو ما يهدم مبدأ مهماً وهو تكافؤ الفرص ويضعف همة المجدين ويوهن عزائم المجتهدين ويثنيهم عن مواصلة طلب العمل ويوسّد الأمر لغير أهلها؛ وهو ما حذر منه رسولنا الكريم بقوله: إذا وُسِّد الأمر لغير أهله فانتظروا الساعة"..ذلك أن إسناد الأمر لغير أهله يضعف الأمم وينال من عزمها وتقدمها؛ فحق العالِم هو التقديم والرفعة يقول الله تعالي : " يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير" (المجادلة:11 ) ويقول أيضاً : "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ" (الزمر:9).

لقد أصبح الغش أخطر مشكلات العملية التعليمية؛ ومن ثم فلا مناص من دراسة أسبابه، وهي عديدة، لعل أهمها ضعف العملية التعليمية، وانعدام الوازع الخلقي أو الديني، وقبول شريحة لا يستهان بها من المجتمع بوجوده دون إنكاره أو رفض وجوده حتى بات واقعاً يؤرق كل ذي ضمير وبصيرة، وقد آن لهذه الظاهرة أن تتوقف وأن يتنادى علماء التربية والأخلاق والدين وكل وسائل الإعلام لمحاربتها والتنبيه لخطورة استمرارها وشيوعها بحسبانها معول هدم تهدد بنسف حاضر المجتمع ومستقبله ..فهل يؤتمن غشاش وهل يوثق في سارق لجهد غيره أو مستحل لما ليس له بحق..أفيقوا يرحمكم الله.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة