من الألف إلى الياء
في دنيا السياسية قد يكون هناك مبررات لممارسة سياسات المناورات والمرواغات، وتوظيف كل الطرق الملتوية والمشروعة وغير المشروعة للوصول إلى المبتغيات والأهداف وتحقيق المصالح، أما لو انتقلت هذه الأدبيات لدنيا الرياضة وسيلة التواصل ،ودعم الترابط الإنساني بين الدول،فقل علي الدنيا السلام.
فلاشك أن محاولة "تسييس" الرياضة يفقدها الكثير من أهدافها الأساسية المنشودة ومتعة المشاهدة والمتابعة،والحق يقال أن جميع البطولات التي نظمتها مصر أبهرت جميع أبناء القارة، وتركت أثرا طيبا لدي شعوبهم ،وكانت نموذجا يحتذي به في التنظيم واستقبال الوفود والإعاشة وإدارة المباريات وبرامج الترفيه والسياحة وتوفير كافة سبل الراحة لجماهير الفرق المتنافسة ،دون أي تفرقة أو انحياز ،انطلاقا من مكانتها المعاصرة ودورها التاريخي،في دعم وتطوير العلاقات مع أبناء القارة السمراء علي كافة المحاور.
ولكن يبدو أننا نعيش بلية القارة السمراء المزمنة، وصورة من صور وأعراض مرضها العضال،والتي لم تستوعب دروس الرقي والتعامل الحضاري،ولم تغادر أبدا قوانين العالم الثالث ،والتي جعلتنا مثارا لسخرية العالم، بعد هذا التنظيم الهزلي لأكبر بطولتين في القارة،وهذا الانحياز الفج وانتهاح منطق التواطؤ واللاعدالة ،ومحاولة ترجيح كفة فريق علي آخر بكافة الوسائل والطرق المستفزة والمستهجنة!.
كل المعطيات والشواهد تؤكد أن هناك تجاوزات مارسها الاتحاد الافريقي لكرة القدم "الكاف"، خلال الأشهر الأخيرة وافتقد قراراته للشفافية والموضوعية والحياد والعدالة!
وشهد العالم مؤامرة مكتملة الأركان ، وبفعل فاعل شاركت فيها أطراف عديدة، لفرملة تفوق الأهلي نادي القرن ،كما حدث من قبل مع المنتخب !.
وقد حزن المصريون كثيرا هذا العام بعد خسارة كل بطولات كرة القدم علي مستوي المنتخب والأندية الأفريقية، وهذا أمر قد يكون طبيعيا ومقبولا، طالما توافرت أجواء الروح الرياضية والشفافية وقواعد اللعب النظيف!.
وما ضاعف مشاعر الحزن والأسي والضجر هو شعور أبناء المحروسة بأن هناك مخططا لإبعاد الفراعنة عن منصة التتويج،حيث بدأت مؤشرات التواطؤ تحت سمع الاتحاد الإفريقي ببطولة كأس الأمم الأفريقية، وأحداثها الدراميتيكة ومن ثم خطف بطاقة التأهل والوصول لكأس العالم،ثم عدة تجاوزات تحكيمية تسببت في خروج فريقي المصري وبيراميدز من كاس الاتحاد الافريقي ،ثم خسارة كأس "الأميرة" بالمغرب علي يد الوداد،وهي البطولة المفضلة للنادي الأهلي أعرق الأندية المصرية برصيد عشر بطولات ، وطريقه للمشاركة في بطولة كأس العالم للاندية أبطال القارات.
وقد كان من الأجدر أن يبادر الاتحاد الإفريقي بما يمتلك من آليات الإنصاف لنقل مباراة الأهلي والوداد لأرض محايدة،دون تردد واتباع طرق ملتوية، وفي أزمة مباراة داكار شواهد التاريخ تؤكد أن شعب السنغال هو شعب ودود ومسالم وحيادي ووسطي ،لكن ما حدث في داكار والمعركة الحربية لإرهاب الفريق المصري وتسليط أشعة الليزر طوال المباراة وأثناء تسديد ضربات الترجيح، لإعاقة اللاعبين والظفر ببطاقة التأهل لكأس العالم في قطر 2022، يطرح تساؤلات جمة حول هذا الحشد المقصود ،وترك جراحا عميقة لن تندمل وشعورا بالظلم واللاشفافية!.
وبعيدا عن نظرية المؤامرة ،ورغبة أطراف في أبعاد مصر عن الساحة الرياضية مؤقتا ووقف احتكارها البطولات ،وفقا لتصريحات لمسؤولين في المغرب وغيرها..
وبعيدا عن أجواء الشحن الإعلامي ،والتي وصلت لمرحلة الحرب الإعلامية والتي كان لها أثر كبير في خسارة الأهلي للبطولة، وبعيد عن هذا وذاك لابد من الإنطلاق من ثوابت أن التشخيص السليم للمرض وعناصر أسباب الأزمة هو أول طرق العلاج الناجع.
وأتصور أيضا ضرورة الاعتراف بحدوث عدد من الأخطاء بمنظومة إدارة الكرة بالاتحاد المصري وطريقة تعامله مع أزمات كرة القدم وممارسات "الكاف" ،ولابد من الدفع بقيادات في مختلف لجان الاتحاد الإفريقي المتعددة كالحكام وتنظيم الجداول والمسابقات وغيرها ،انطلاقا من دور الاتحاد المصري في رعاية واحتضان هذا الاتحاد، والذي غاب عنه التواجد المصري ،باستثناء هاني أبوريدة، والذي لم يحرك ساكنا ولم يشعر بوجوده بأحد خلال أزمات مصر الكروية المتتابعة.
واعتقد أن سياسة الصمت علي هذه التجاوزات ليس لها ما يبررها..بداية لابد من عقد مؤتمر صحفي عالمي يشارك فيه الاتحاد ورؤساء أندية الاهلي وبيراميدز والمصري لشرح القضية من الألف إلى الياء أمام الاتحاد الدولي، وتفنيد الاباطيل والرد على الاتهامات ،والمطالبة بأن يكون النهائي بأرض محايدة ويفضل أن تكون خارج القارة السمراء، ومن خلال مبارتين ذهابا وإياباً كما كان متبعا من قبل، أيضا التلويح بفكرة الانسحاب من البطولات الأفريقية والضغط لإعادة تشكيل وهيكلة لجان الاتحاد الإفريقي المشاركه في هذا العبث !!
وبالعودة للتاريخ نجد التفوق المصري الكاسح،سواء للمنتخبات أوالأندية المصرية في كافة البطولات الإفريقية، ككرة القدم واليد والطائرة والسلة ومعظم الألعاب الفردية، وقد أوجد هذا حالة من الغيرة وبعضا من مشاعر الحقد، وهذه الروح العدائية غير المبررة ، وفقا لطبيعة البشر ،لكنها توجب علي أبناء المحروسة التعامل بحنكة لتقريب المسافات،ورأب هذه الفجوة النفسية،بمنطق الاستيعاب وروح "الشقيق الأكبر".
واذكر أنه منذ عدة سنوات مررت بمقر الاتحاد الافريقي بمدينة السادس أكتوبر ، وعلي مدخل مبني الإتحاد إقيم تمثال يرمز لشعار الاتحاد ، لكن البعض من الشباب المصري أصر أن يكتب علي التمثال عبارة "أسياد أفريقيا"، وطالبت يومها بإزالة هذه الكلمات، عبر مقال بجريدة المساء،وبعدها بفترة وجيزة تم إزالة العبارة ،التي كتبها البعض دون قصد،لكنها ربما تزرع الأشواك ،وربما الضيق في قلوب أبناء القارة السمراء، كما أن أخلاق الفرسان تمنع التفاخر بفكرة الأسياد والعبيد، فالرياضة وسيلة للتقارب وليست لتسميم الأجواء وتعزيز روح التعصب الأعمى..
أتصور أن الرسائل قد وصلت لمن يهمه الأمر..وستبقي مصر قوية وشامخة وفي الأمام بإذن الله ،رغم أنوف الحاقدين والموتورين.