رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

مع دعوة القيادة السياسية لحوار وطني شامل وبدء مرحلة جديدة من عمر الوطن مع تدشين دعائم الجمهورية الجديدة قفز إلي سطح الأذهان تساؤلات حول مدي قبول الإخوان المسلمين بين صفوف القوي الوطنية والإسهام في إثراء الحوار الفعال، كخطوة مهمة للإصلاح السياسي وتحقيق التكاتف الوطني المنشود في هذه المرحلة الصعبة.

وألمحت أصوات معتدلة من داخل الجماعة المنكوبة ومن بعض الاتجاهات بضرورة تجاوز خطايا الماضي والانضواء تحت لواء الوطن ،لكن لغة الرفض الشعبي ولدي النخب هي السائدة ،فالتغاضي ما اقترفه الإخوان من تجاوزات في حق الوطن ونسيان الماضي المؤلم وتضميد آثاره لن يحدث بين عشية وضحاها.

ومن قراءة المشهد ،فأغلب المصريين يرفضون الصلح والحوار مع الإخوان، ويعتبرون أن رفع السلاح في وجه أبناء المحروسة، والتهديد والاستقواء بقوي الدمار الأممي وبجماعات الإرهاب المارقة،كان جريمة كبري ، وعلي قومها وعلي نفسها جنت "براقش"، ولابد أن يدفع الإخوان ثمنا باهظا لرؤاهم حساباته المحدودة،ولأخطائهم السياسية المتكررة.

كما أن الخصومة الحادة والتحول الاستراتيجي في فكر الجماعة أفقدها الكثير من مصداقيتها ،وتغلب كدرها علي من صفا من جناحها المعتدل، فقد فشلت في إيجاد صيغة لكسب قلوب المصريين وقبول الرأي و الفكر الآخر وغابت عن كودارها دبلوماسية الاستيعاب ،وهو ما عجل بسقوطها المتسارع، وكانت فترة حكمهم فترة انقسام بين المصريين !.

وأتصور أنه من الأفضل للجماعة أن تحل نفسها، وتعلن تجميد العمل السياسي وتبدأ صفحة جديدة ،ومن أول السطر ويعود بعض أفرادها المعتدلين ممن لم يقترفوا جرما في حق المصريين، لفكرة الدعوة إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة ،وعبر مؤسسات الدولة الرسمية، وإدارك مفهوم الوطن ودولة قوية مستقرة تحمي أركانه!.

ومع استمرار هذه الأجواء الرافضة علي المستويين الرسمي والشعبي ومحاولات الوساطة لعودة الجماعة ، قفزت قضية المصالحة مع الإخوان من جديد للنقاش المجتمعي بعد أن عادت المياه لمجاريها وانتهت سنوات القطيعة بين مصر وقطر وقرب زوال سنوات الجفاء الدبلوماسي مع تركيا.

وربما يحاول الأخوان إثبات الوجود في هذا الزخم السياسي بعد هذه المؤشرات المتفائلة بالمصالحة الشاملة بعودة العلاقات الإستراتيجية وفتح صفحة جديدة من التعاون بين القاهرة وأنقرة وإحترام السيادة المتبادلة والتعهد بعدم التدخل في شئون مصر وقضاياها الداخلية ،وهو تطور مهم وسط كافة المتغيرات والتحالفات الأممية.

أما قضية تحقيق مصالحة مع جماعة الإخوان ،التي صنفها النظام السياسي في مصر بأنها جماعة إرهابية ، فالبعض يراها دربا من دروب المستحيل مع تصاعد مؤشرات الرفض الشعبي لعودة الجماعة لساحة العمل السياسي.

وفريق آخر يري أن العودة كالدواء (المر) الذي ينبغي تجرعه علي مضض ، وفاء لمتطلبات الواقع ومتغيرات السياسة ،ورغبة في إنهاء هذه الصفحة السوداء ،والتي استغلها البعض للإضرار بصورة مصر وقدرتها علي استيعاب المعارضه وبملف حقوق الإنسان.!

وهناك رؤي معتدلة تري أن المصالحة ضرورة قومية لتحقيق الوفاق الوطني ،واستيعاب فصيل من أبناء مصر خانه التوفيق وغابت عن حكمة المواءمة وغرق في بحار السياسة الآسنة ، باندفاع حين تخلي عن مبدأ "مشاركة لا مغالبة"ويرحب هؤلاء بفكرة المصالحة المشروطة.!

وفي يقيني وفقا لمعايشة الأحداث أن قادة جماعة الإخوان وأفرادها ، قد ارتكبوا عددا من الحماقات والأخطاء السياسة، ولم يستوعبوا حقائق ودروس التاريخ وشوهوا الصورة الذهنية للجماعة التي عرف عنها الوسطية والإعتدال، وتعاطف معها ملايين المصريين، وربما شارك البعض من أفرادها بقصد وجهالة في دعم عمليات العنف والإرهاب!

ولازلت أذكرهم بما قاله إمام الجماعة حسن البنا حين انحرف نفر من أعضائها عن المنهج المعتدل للدعوة وللجماعة وانتهجوا العنف، وقاموا باغتيال النقراشي في ديسمبر عام 1948 بعد قرار حل الجماعة ،حينها قال البنا مقولته المشهورة (ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين)، فوضع حدودا وخطوطا فاصلة لتحصين الجماعة وتبرأ من القتلة ونزع إلصاق تهمة الإرهاب وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.

وهو ما لم يحدث بعد أحداث الثورة ،وما تبعها من فتن صنعت هذه الفجوة النفسية الوطنية المؤلمة.

والحق يقال أنه لم يكن المرشد "محمد بديع" حكيما في إدارته للأزمة، وتغلب متشددو الجماعة علي الجناح المعتدل، وأنففت مئات الملايين في حروب إعلامية مناوئة لأمن الدولة وأمن المصريين!

وأتصور أنه لا تسامح مع من قتل ودمر، وأيضا لابد أن نرحب بكل مصري معتدل يعرف كلمة وطن وانتماء ، ويريد أن يعود لأحضان الوطن، معتذرا معترفا بخطئه ، متخليا عن رداء التعصب وروح الانتقام، ومرحبا بالتسامح والاندماج مع المجتمع الذي تحمل الكثير من جراء هذا الخصام.

وتبقي فكرة الحوار مع الإخوان سواء المعتدلين في الداخل ،أو إخوان المهجر مرهونة بمدي القبول الشعبي، للفكرة وما يتبعها من آليات وتبعات،تتعلق بمدي الالتزام بمواثيق الإندماج الوطني والتوافق إلاجتماعي والانضواء تحت متطلبات تعزيز الهوية.

وفي اعتقادي أيضا أن هذه القضية أمامها عثرات جمة فقد غرس الإخوان بأيديهم أشواكا عديدة في حقل الوطن وصنعوا فجوات نفسية مع الشعب المصري حين تخلوا عن وسطيتهم المعهودة وانحرفوا عن منهج الاعتدال ،وانحاز فريق منهم لفكرة التغيير بالقوة ومحاول الانفراد بالسلطة ،وتعجل التمكين ،فاستعصت عليهم ، وخسروا معها كل مفاتيح القلوب التي أخذت بأبيدهم للقمة ،ثم إلي أسفل سافلين !!.

وفي زمن الأزمات والمتغيرات الأممية المتلاحق ،أتصور أنه من الحكمة استيعاب كافة الاتجاهات والقوي الوطنية ولو بدرجات ، لتدشين جدار قوي من الوفاق الوطني، وودعم تحصين أركان الجمهورية الجديدة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة