لوجه الله:
لا صوت يعلو فوق صوت الزراعة فى كل دول العالم الآن؛ بعد أن كشفت أزمة الحرب الروسية فى أوكرانيا- ومن قبلها أزمة انتشار وباء كورونا- خطورة الاعتماد على المستورد من الغذاء خاصة المحاصيل الزراعية الاستراتيجية فضلا عن الخضر والفاكهة.. ومصر التى حباها الله بكثير من مقومات الزراعة من تربة جيدة ومناخ معتدل ومياه أنهار عذبة تدرك أهمية القطاع الزراعى لتوفير احتياجات المصريين من الغذاء، وتصدير الفائض من الخضر والفاكهة الى كافة دول العالم، الى جانب انتاج المواد الخام اللازمة للصناعة.. والحمد لله تشهد مصر حاليا نهضة زراعية غير مسبوقة سيظهر اثرها الكبير خلال السنوات القادمة إن شاء الله.
لا شك أن المشروعات الزراعية الكبرى التى انطلقت فى مصر بالإضافة الى حماية الرقعة الزراعية الموجودة من التعديات المتكررة عليها وتحسين السلالات الزراعية ستحقق آمال المصريين وتطلعاتهم خاصة وأن القيادة السياسية تولى اهتماما كبيرا بقطاع الزراعة، وتوفر للمشروعات الزراعية الدعم اللازم، وهو استثمار فى المكان الأنسب والظرف الأنسب، وسوف تشهد مصر خلال الشهور القادمة المزيد من المساحات الزراعية المخصصة للمحاصيل الاستراتيجية وفى مقدمتها القمح والأرز والذره لتوفير الغذاء اللازم لكل المصريين.
***
يجب أن نعترف بأن ما لدينا من مساحات زراعية ومياه رى تظل موارد محدودة مقارنة بعدد السكان الذى يتزايد بالملايين كل عام، خاصة وأننا أكثر شعوب العالم استهلاكا للقمح.. لكن خطط الدولة للتعامل مع محدودية الموارد أشاد بها خبراء الزراعة داخليا وخارجيا، ولدى وزارة الزراعة خطط طموحة لتحسين سلالات المحاصيل الزراعية والتوسع المستمر فى استصلاح الأراضى وزراعتها، واتباع طرق زراعة ورى حديثة.. كل ذلك سيصب حتما فى تحسين كميات ونوعيات المنتجات الزراعية لتحقيق الاكتفاء الذاتى من الغذاء فى بعض المحاصيل وزيادة، وكل ما نتطلع إليه أن يكون وعى المواطن بأهمية الزراعة لأسرته ولكل المصريين على قدر وعى الدولة لكى يقبل كل المزارعين على الالتزام بالدورة الزراعية وتوريد محاصيلهم كاملة لوزارة التموين واتباع الارشادات الزراعية التى تؤدى الى زيادة الانتاج وحمايته من الآفات ومطابقته للمواصفات والمقاييس الصحية.
مصر دولة عريقة فى الزراعة.. دولة لها تاريخ كبير فى الانتاج الزراعى المتنوع، والمزارعون المصريون لديهم مهارات كبيرة فى كل الزراعات، ويجب إثقال تلك المهارات بالعلوم والمعارف الزراعية الحديثة لتتطور المنتجات الزراعية مع الحفاظ على هويتها وطعمها المميز، فلا نضحى بخصائص منتجاتنا من أجل أطنان زيادة من المنتجات فقد انتجت دول عربية مجاورة على سبيل المثال "طماطم" وزن الحبة منها أكثر من كيلو جرام لكن كل من تذوقها شهد بأنها بلا طعم وغير مرغوب فيها.
لذلك ينبغى أن تظل المنتجات الزراعية المصرية مميزة تستفيد بالعلم وتحسن الانتاج نوعا وكما دون أن تفقد خصائصها ومزاقها.
أعرف أسرة مصرية هاجرت الى أمريكا منذ عقدين من الزمان وكلما جاءت الى مصر تقضى الأسابيع التى تمكثها هنا تأكل خضروات وفواكه وتبحث عن الأنواع البلدية الشائعة من كل نوع وعندما سألتهم عن ذلك قالوا: الخضروات والفواكه المصرية لا مثيل لها فى العالم، فخضروات وفواكه أمريكا شكلها أفضل لكنها بلا طعم ولا رائحة.
**
الزراعة كما أكد خبراء الاقتصاد هى قاطرة التنمية الحقيقية فى مصر ويجب أن يعيد المستثمرون المصريون النظر فى ترتيب أولوياتهم ويقتحموا هذا المجال الخصب وإقامة صناعات على المنتجات الزراعية المتنوعة، بدلا من إنشغال معظمهم بالاستثمار العقارى والسياحى الذى يشهد تخمة حاليا ويعانى من الركود، والمستثمر الذكى هو الذى يعرف كيف يستفيد من تطورات وتقلبات الأسواق ويضع أمواله في الاستثمار المطلوب.. لذلك نتطلع الى إقبال كبير من المستثمرين المصريين والعرب على القطاع الزراعى والحيوانى فى مصر، فهو مستقبل الاستثمار المفيد لأصحاب الأموال والمجتمع معا، فى ظل خطة الدولة للتنمية الزراعية المستدامة.
فى السنوات القادمة سوف يتضاعف الاقبال على المنتجات الزراعية المصرية التى بدأت تغزو معظم أسواق العالم لأن العالم مقبل حتما على أزمة غذاء سوف تستمر لسنوات حتى لو توقفت حرب روسيا على أوكرانيا اليوم، فقد دخل العالم فى نفق مظلم خاصة فى قطاعى الطاقة والغذاء وسوق المنتجات الزراعية سيشهد ارتفاعات متكررة فى الأسعار وهى فرصة للمستثمرين فى القطاع الزراعى فى مصر.
الدولة الآن تدعم القطاع الزراعى بمحفزات كثيرة ومتنوعة والمستثمر الذكى هو الذى يستفيد من هذه المحفزات ويضخ استثمارات فى هذا القطاع المهم ليستفيد ويفيد.
خاصة وأن الدولة وفرت كل الخدمات اللازمة لدعم قطاع الزراعة من طرق وكهرباء ومياه رى ومصانع لإنتاج الأسمدة.
بقى المزارع البسيط الذى هو اساس الزراعة فى مصر والذى يجب أن نوفر له كل المحفزات ومقومات الحياة الكريمة لكى ينتج ويبدع فى انتاجه ويسهم بما يستطيع فى تحقيق الأمن الغذائى لمصر، ولا ينبغى الاستهانة بهذا المزارع مهما كانت مساحة أرضه فهو العمود الفقرى لقطاع الزراعة ويتطلع الى مزيد من الدعم والمساندة لكى يستمر ويضاعف مساحة أرضه ولا يهجر الزراعة الى مجالات أخرى كما فعل آخرون حيث باعوا أرضهم وهاجروا الى المدن الكبرى للتجارة فى المساكن المخالفة أو إعطاء ثمن أرضهم ومواشيهم ل"المستريحين" الذين نصبوا عليهم فى مختلف محافظات مصر.
**
بقى أن نوجه التحية للفلاحين الذين يتسابقون منذ أسابيع لتوريد محصول القمح لوزارة التموين ليؤكدوا وطنيتهم وتجاوربهم مع توجيهات الدولة وإحساسهم بحاجة الوطن الى مساندتهم فى ظل الأزمة الغذائية العالمية.. وهناك مزارعون كثيرون لم يدخروا لبيوتهم ما سمح لهم به من القمح.. بل اكتفوا بالقليل إيمانا منهم بأن مستقبل مصر غذائيا آمن أكثر من بلد آخر، فلن يجوع مصرى مهما تفاقمت أزمة الغذاء العالمية، ولدينا القدرة على انتاج معظم طعامنا من خيرات أرضنا ومصانعنا الغذائية.
إقبال المواطنين على توريد انتاجهم من القمح بعد تقديم حوافز سعرية وتسهيل إجراءات حصولهم على مستحقاتهم يؤكد أننا كلما قدمنا حوافز للفلاح المصرى كلما أنتج أكثر وأعطى أكثر وأصبح أكثر تمسكا بأرضه ومهنته الكريمة.. لذلك ننتظر مزيدا من الحوافز للفلاح وتوفير مستلزمات الانتاج له بأسعار جيدة وعدم تركه لتجار السوق السوداء، وتقديم سعر عادل ومحفز له لكى ينتج أكثر ويقدم انتاجه لمؤسسات الدولة أو يضخه دون استغلال فى الأسواق المصرية.