رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

الإهمال داء عضال ما استشرى في مجتمع إلا كان سبباً في تعاسة أبنائه؛ وهو صنو الفساد أو هما وجهان لعملة واحدة؛ فكل مهمل بالضرورة فاسد بدرجة أو بأخرى..فإذا اجتمعا معاً كانا طامة كبرى ووبالاً على أي مجتمع يُبتلى بهما.. وللأسف تجذرت تلك الآفة في قطاعات عديدة وبمستويات مختلفة في مجتمعاتنا حتى صارت سوسًا ينخر في عظامها ويبدد فرص أجيالها الحاضرة والقادمة على السواء في حياة هانئة..وليس هناك فارق بين مهمل وآخر إلا في حجم ما يترتب على الإهمال من ضرر لكن النتيجة واحدة: خراب ودمار وضياع حقوق وإزهاق أرواح وإهدار موارد وفرص التقدم والتطور..ولست في حاجة لدليل على ما أقول..وإلا فقل لي بربك: ماذا تتوقع من طبيب أهمل علاج مرضاه إلا مزيداً من تدهور واعتلال صحتهم وتضاؤل فرص الشفاء..فماذا لو نسي هذا الطبيب "فوطة" في بطن مريضه بعد عملية جراحة..وماذا لو أخطأ مهندس إنشاءات في تصميمات بناية شاهقة مثلاً ثم اكتملت منظومة الإهمال بالغش في مواد البناء قام به مقاول فاسد ..فكيف ستكون العاقبة..وماذا لو نام عامل مزلقان سكة حديد وترك هذا المزلقان مفتوحاً ليهوي تحت عجلات القطارات من يسوقهم حظهم العثر لموقع الجريمة..وماذا لو أهمل سائق سيارة وقادها بسرعة جنونية فاصطدم بغيره..وماذا لو تأخر المسئول أي مسئول في إصدار القرار في وقته وماذا لو أغمض رئيس حي عينيه عن المخالفات تاركاً إياها تكبر وتتوحش دون رادع حتى يتسع الخرق على الراتق وتصبح واقعاً لا سبيل لتغييره أو تصحيحه..أليس ذلك وغيره مما نراه في حياتنا اليومية إهمالاً يفضى إلى خسارة أو خراب أو تدمير..أليس القاسم المشترك بين كل المهملين واحداً وهو اللامبالاة والبلادة والجهل وانعدام الضمير..وقس على ذلك أحوالاً كثيرة..فإذا ما اجتمع الإهمال والفساد في أي مجتمع ..فقل عليه السلام؛ فالفساد يبدد الثقة الضرورية بين المواطن والدولة ويلتهم كل جهودها التنموية ..ولسنا في حاجة للتأكيد على أن نظم الإدارة والحوكمة السيئة هي واحدة من أربعة أسباب رئيسية للفقر، تتمثل في الصراع والعنف، والنمو السكاني بغير حساب؛ وآثار تغير المناخ؛ والكوارث الطبيعية.

آن الأوان لدق أجراس التنفير من الإهمال، والتوعية بخطورته وتجريمه شرعاً وقانوناً؛ فالمهل مجرم؛ والإهمال كما تقول دار الإفتاء المصرية لا يقل خطراً عن الإرهاب والتخريب العمد؛ فالفرد الذي يهمل في أداء عمله تهاوناً أو تكاسلاً يلحق بمجتمعه كثيراً من الخسائر البشرية والمادية..ومن يفعل ذلك يكن عاصياً لله ولرسوله، ومفسداً في الأرض وخائناً للأمانة التي ائتمن عليها..ولا ننسى أن الله يقول في كتابه الكريم"إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا"{النساء:58}.

ولا عجب والحال هكذا أن يقع المهملون في دائرة الخيانة؛ فكم من مهمل في عمله تسبب في تعاسة غيره ..وما أعمقها من مقولة للشيخ الشعراوي رحمه الله حين أوجز هذا المعنى بعبارة كاشفة " أن عناء الجيل الحالي ناتج عن كسل جيل سابق"..والكسل هنا مرادف للإهمال؛ ذلك أن ترك العمل الواجب هو إهمال وجُرم كبير يتسبب في عناء البشر ويسلب المجتمعات حقها وحظها في التطور والتقدم وإلا ما قال النبي الكريم"إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم " أي يسألون الناس الصدقة.!!

آفة مجتمعنا الإهمال..ولا سبيل للخروج من هذه الدائرة الجهنمية إلا بتربية الضمير على الإتقان ومراقبة الله في السر والعلن وتغليظ عقوبة المهمل المتكاسل في عمله ولن يتأتى ذلك إلا بمزيد من التوعية بخطورة هذه الآفة سواء عبر برامج الإعلام أو ندوات ومحاضرات وخطب رجال الدين وعلماء النفس والتربية والاجتماع وفي المدارس والجامعات والنوادي ومراكز الشباب و في الدراما والسينما وغيرها من وسائل صناعة العقل والفكر والوجدان وتوجيه الرأي..أو عبر تعديل القوانين والتشريعات كما تفعل دول كالصين مثلاً التي جعلت الإعدام عقوبة للمفسدين .

الإهمال فساد خطير، وهو اعتداء صريح على حقوق الآخرين وأرواحهم..وليس هناك فارق كبير بين من أهمل عن عمد ومن أهمل جهلاً وتساهلاً أو سهواً ..فالنتيجة واحدة وهي الخسارة المحققة بدرجات متفاوتة حسب موقع المهل ووظيفته ومدى أهميتها في حياة الناس.

مطلوب إعادة بناء الضمير اليقظ الذي يرفض من تلقاء نفسه كل سلوك منحرف مهما يكن هيناً، بدءاً من إلقاء القمامة في الشارع مروراً بالغش، وصولاً لإزهاق الأرواح بأي طريقة كانت..ولن يتحقق ذلك إلا باستراتيجية علمية وحركة مجتمعية موحدة ومتناغمة وتنهض بها كل الأطراف المعنية بصناعة الوعي والوجدان حكومية أو غير حكومية، وصولاً لمجتمع خالٍ من الإهمال والفساد والعنف والمرض، مجتمع متماسك بفضائله وقيمه وحضارته الموروثة وتعليمه الجيد الذي جعله الرئيس السيسي في صدارة أولوياته، مجتمع الترابط الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؛ حتى يظل مجتمعنا في رباط إلى يوم الدين.

آن الأوان أن نغير ما بأنفسنا بأيدينا؛ فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولعل ما ننشده هنا هو أن نغير عاداتنا وسلوكياتنا الذميمة، وأن نصحح مفاهيم كثيرة مغلوطة تمكنت من العقول والنفوس، ولتكن البداية بعمل درامي كبير مدروس بعناية يتصدى للإهمال والفساد ويستعيد روحنا الأخلاقية وقيم الولاء والانتماء الوطني والترابط والتعايش وإتقان العمل والاجتهاد في كل حقل حتى يقوى المجتمع وينهض الوطن ويصبح رداءً للجميع.

لسنا في حاجة لوقوع كارثة جديدة هنا أو هناك لا قدر الله حتى نتنادى لمحاربة الإهمال الذي هو أخطر أنواع الفساد وأشد وطأة من الإرهاب على كراهته وبشاعته..فالذين اختاروا الإهمال سلوكاً حاكما لحياتهم يمارسونه بإتقان غير معلن حتى تقع بسببهم فاجعة جديدة فينتفض الجميع في إثرها يلعنون الإهمال والمهملين ثم يعودون أدراجهم مرة أخرى ليقع إهمال جديد أشد خطراً من سابقه يمارسه من استمرأ الإهمال بإصرار عجيب.

الإصرار على صغائر الأخطاء ينقلها دون أن ندري إلى خانة الكبائر، فترك حفراً في الشوارع مثلاً يعرض المواطنين لخطر جسيم خاصة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة ..فهل يحتاج إصلاح مثل تلك الحفر والمطبات لميزانية ضخمة..ظاهرة تكرار تسريب الامتحانات، رغم جهود الوزارة لمنعها بالتعاون مع الداخلية، أمر مخجل.. والأكثر سوءاً أن يقبل به ضمير أولياء الأمور ويرتاح له الطلاب؛ وتلك آفة حقيقية تهدر مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة في اكتساب الدرجات كما ينبيء بدلالات ومؤشرات أشد خطورة أهمها أن ضمير المجتمع في أزمة حقيقية وأن القائمين عليه يريدون تكريس حال الخلل التربوي في نفوس طلابنا وهو ما يفضي لنتائج سلبية وخيمة على أبنائنا ومجتمعنا أقلها الدرجات الوهمية التي اكتسبها دون حق الطلاب الغشاشون ؛ وهؤلاء لا يدركون قول نبينا الكريم "من غشنا فليس منا".

سقوط السيستم آفة أخرى لا تقتصر على امتحانات المدارس فحسب بل تنسحب أيضا على البنوك وشركات الاتصالات وغيرها من الجهات ذات الصلة بخدمات الجمهور ..فكثيراً ما نسمع عبارة " السيستم وقع فانتظروا حتى يعود" ..فهل من نهاية لتلك الظواهر الخطيرة التي أرى أن يد الإهمال ضالعة فيها..أمر آخر يحدث كثيرا هذه الأيام عند إجراء تحاليل وأشعة تهمل المعامل والمراكز في إجراء اختبار حساسية لبعض المرضى وتكون نتيجة تعاطي أدوية معينة كارثية..فهل من نهاية لتلك الظاهرة..؟!

الإهمال عدو التقدم والتطور والبناء ..وهو المتهم الأول في جرائم وكوارث لا حصر لها.. به تتعطل المصالح، وتهدر الأموال ويتراجع الإنتاج ويضعف الاقتصاد وتتعرض النفوس للمخاطر..ولا مناص إن أردنا مجتمعاً عفياً يقظاً من تعليم أبنائنا منذ نعومة أظافرهم كيف يتحملون المسئولية والأمانة لقول سيد المرسلين من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه.

إذن كلنا مسئولون لكن بدرجات مختلفة، فالمواطن المكلف بمسئولية هو مسئول عن كل شيء وهي مسئولية لا يشاركه في حملها أحد غيره :" فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِین عَمَّا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ" (الحجر:93).

ومن أسف أننا إذا ما تتبعنا أحوال كثير من مجتمعاتنا الإسلامية نجد الإهمال والتسيب يضرب بجذوره في تربتها ويعشش في زواياها ويعيث هدماً في أركانها..انظروا مثلاً لمهندسي الطرق وموظفي الأحياء الذين تركوا حفراً وشروخاً في الطرق والشوارع دون إصلاحها..كم تسببوا في حوادث وأعطاباً للمركبات..وانظروا إلى ميكانيكي يهمل في إصلاح سيارة فأضر بصاحبها، وإلى طبيب لم يفحص مريضه بصورة كافية فسبب له مرضاً مزمنا أو عاهة مستديمة حتى الفريق الرياضي الذي لم يتم تدريبه بجدية فتكون النتيجة حصد الهزائم بسبب الإهمال والتسيب وعدم اكتشاف المواهب وصقلها دون محسوبية وهو ما يفسر لماذا ترجع أداء منتخبنا كثيراً .

وكم أضاع المدير أو المسئول المهمل حقوقاً للناس وأذاقهم معاناة مريرة وعطل مصالحهم ووقف حجر عثرة دون قضائها وهو قادر على أدائها دون أن يدري أنه واقع تحت طائلة قول النبي الكريم " «مَنْ ولَّاهُ الله -عز وجل- شيئًا مِنْ أَمْر المسلمين فاحْتَجَبَ دُونَ حاجَتِهم وخَلَّتِهِم وفقرهم، احْتَجَبَ الله عنه دون حاجَتِه وخَلَّتِهِ وفقره» قال: فَجَعَل رجلًا على حَوائِج الناس.

ولست أشك أن ما نراه من ضعف في مستويات التعليم والإنتاج وظهور سلوكيات خاطئة إنما هو نتاج إهمال جسيم؛ ذلك أن جودة العمل تتحقق بالإخلاص والصدق ومراقبة الله تعالي الذي يقول في كتابه الكريم " وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (التوبة: 105)..ومن ثم فإن الشعوب لا تتقدم إلا بإتقان العمل وهو ما يجب أن نحرص عليه ونعلمه أولادنا..يقول الله تعالى:" " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا"(الكهف:30).

إن ترك موروثات الإهمال مثلما يحدث في السكة الحديد مثلاً بالاعتداء على حرمتها وترك العمل المزلقان مفتوحاً أو إلقاء الطوب على القطارات ، وكذلك زحف مخالفات البناء والتهام الرقعة الزراعية والتعدي على النيل وتلويثه وإهدار موارده أو البناء على حرمه ..كلها خطايا ليست نتاج مرحلة محددة ولا تتحملها حكومة بعينها بل هي سلسلة متراكمة نتاج سنين طويلة افتقدت الإرادة السياسية والهمة في التصدي للفساد والإهمال بحسبانهما جريمة تهدد الأمن الاجتماعي ومستقبل الأجيال القادمة، وينبغي للحكومة أن تواجه بكل قوة المهملين والمتراخين في أداء واجبهم وأن تطهر صفوفها منهم بتفعيل دور الأجهزة المنوط بها كشف ومواجهة مثل هذا الفساد والتراخي واستحداث ما يلزم من وسائل وتشريعات لقطع دابر الفساد.

لاشك أن ما تقوم به الحكومة حالياً من ميكنة للإجراءات خطوة مهمة لتقليل تدخل العنصر البشري ومن ثم تفادي الأخطاء وتمكين الأجهزة لتقوم بواجبها في غل يد الفساد والمفسدين ولسوف يحسب إنجازاً لتلك الحكومة أو أي حكومة إذا ما نجحت في استئصال شأفة الإهمال والفساد وحماية المجتمع من آثامه وشروره ليس بترصده ومحاربته بل بمنع وقوعه أصلاً؛ فالوقاية خير من العلاج وذلك بالتزامن مع تشديد عقوبات المفسدين و الأخذ على أيدي المتقاعسين عن أداء واجبهم وكفانا ما عانينها سنين طويلة من إهمال وفساد وبيروقراطية يضيع معها كل جهد مخلص وعمل دءوب لنهضة هذا البلد..آن أوان التخلص من معوقات التقدم لاستكمال الجمهورية الجديد التي يتمناها الرئيس السيسي ويتطلع لتوفير حياة كريمة لكل موطن فيها بلا منغصات ولا فساد أو إهمال..فهل يتحمل كل منا مسئوليته وينهض بواجبه دون إبطاء أو كسل أو إهمال..نتمنى!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة