لوجه الله
من المؤسف أن تفشل مشروعات زواج بسبب تمسك بعض أسر الفتيات بأعباء مالية تفوق قدرة الشباب ونحن نعيش ظروفا اقتصادية صعبة على الجميع، تلك الظروف التى تفرض على كل الأسر أن تتعاون فى تيسير الزواج على أبنائها من الجنسين، وإعفافهم وفق تعاليم وتوجيهات الدين، الذى يحث على عدم المبالغة فى المهور، وتيسير مؤن الزواج على الطرفين، وكلنا نعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها..".
موجات الغلاء التى يعيشها العالم الآن والتى انعكست علينا فى كل متطلبات حياتنا أدت الى عجر كثير من الأسر عن الوفاء بما تعودنا عليه من أعباء مادية فى تجهيز شبابنا للزواج وتدبير احتياجات بيت الزوجية، وأنا أعرف مشروعات زواج تعثرت مؤخرا بسبب عجز العريس عن الوفاء بمتطلبات أهل العروس، ولذلك نحن جميعا مطالبون بالالتزام بتعاليم ديننا، والعمل بكل الوسائل علي تيسير الزواج على الشباب من الجنسين، فلم تعد هناك فرصة للفشخرة في مظاهر الزواج، وتعسير مؤنه على الأسر، فقد وصل سعر الذهب الي أرقام غير مسبوقة، فلماذا لا نكتفى بالقليل والرمزى منه؟ كما تضاعفت أسعار كل متطلبات الزواج من أجهزة كهربائية وأدوات منزلية ومفروشات وغير ذلك، وتضاعفت أسعار الأثاث المنزلي لذلك أصبح الاقتصاد فى تكوين متطلبات بيت الزوجية ضرورة اقتصادية الى جانب أنه مطلب شرعى.. وحفلات الزواج التى تشكل عبئا ثقيلا على كثير من الأسر التي تعجز عن تدبير الاحتياجات الأساسية للزواج.. لماذا لا تكون بسيطة ورمزية وفى متناول الأسرتين وبعيدة عن مظاهر السفه؟
**
لذلك اتمنى أن تتبنى المؤسسات الدينية ووسائل الإعلام المختلفة حملات توعية لمواجهة غلاء المهور والمبالغة فى تكاليف الزواج، فهذه المغالاة تدمر الأسرة قبل بنائها، وتتسبب في عدم قدرة كثير من الشباب على هذه التكاليف.. وبالتالي تفشل مشروعات الزواج، أو يتأخر الزواج الي حين ميسرة مما يضاعف من حدة مشكلة "العزوبة" و"العنوسة" بين شبابنا.
يجب أن نعترف بأن المغالاة في تكاليف الزواج والمبالغة في المهور مشكلة نعانى منها في الظروف العادية، وهناك مشروعات زواج كثيرة لا يكتب لها النجاح بسبب مشكلات بين الأسر على بعض الأمور المادية، أو مطالبة أسر البنات الشباب بالتزامات يعجزون عنها.. وفي ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وحالة الغلاء التي طالت كل شيء سوف تكثر المشكلات والازمات بين أسر كثيرة، وهو الأمر الذي يتطلب مرونة كبيرة من أسرتي العريس والعروس لمساعدة أولادهم على العفاف الكريم.
تيسير الزواج لم يعد مطلبا دينيا ولا مجرد سنة حسنة ينبغي أن يحرص عليها الاخيار من الناس فحسب.. بل أصبح ضرورة تفرضها علينا الظروف الاقتصادية الراهنة.. وثقافة تيسير الزواج بين كل الأسر القادرة ماديا ومحدودة الدخل هذا وقت نشرها على نطاق واسع في المجتمع المصري، ويجب أن يكون القادرون ماديا قدوة طيبة لغيرهم ويتوقفوا عن استفزاز محدودي الدخل بمظاهر زواج يسيطر عليها السفه الشديد.
ترشيد الانفاق على الزواج والتخلي عن مظاهر السفه فيه "سلوك العقلاء"، وكم من أسر قادرة ماديا تكتفى بحفلات زواج بسيطة تزيد من قيمتها فى نظرالناس، ومن هنا علينا أن نبتعد عن التصرفات الاستفزازية لمشاعر الأسر الفقيرة، وتلك التى تدبر تكاليف زواج أبنائها بالمداينات من البنوك أو التجار الذين يبيعون بالأجل.. فالاعتدال مطلوب فى كل شىء، ومفروض علينا ونحن نعيش ظروفا اقتصادية صعبة الله وحده أعلم متى تنتهى ولا الى أى مدى ستصل بنا.
لقد أكدت دراسات وتقارير اجتماعية عديدة أن ارتفاع تكاليف الزواج سبب مباشر لإنصراف أو تأخر كثير من الشباب عن الزواج، وكثير من علماء وأساتذة علم الاجتماع ومعهم علماء الدين حذروا من مخاطر وضع عراقيل أمام الشباب تمنعهم من الزواج، وأكدوا أن لذلك تداعيات نفسية وأخلاقية صعبة على شبابنا من الجنسين، وطالبوا كل الأسر بالاستجابة لتعاليم الدين بتيسير الزواج بعدم المبالغة فى المهور وتكاليف الزواج.. فهل نستجيب لتعاليم ديننا ونكف عن المبالغة فى مطالبة الشباب بما يعجزون عنه وتوفير الأموال لما هو أهم من الفشخرة فى المظاهر الشكلية للزواج؟
فى معظم مجتمعات العالم لا توجد هذه المبالغة فى تكاليف الزواج وهى فى الواقع من صنع العادات والتقاليد، وتمثل مخالفة لتعاليم وتوجيهات الدين، حيث يحث الإسلام على التيسير، وتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصاياه الكريمة فى ذلك واضحة كل الوضوح.
المبالغة فى تكاليف الزواج وتعسيره على الشباب، سلوك مرفوض دينيا واقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا، فتأخر زواج الشباب- ذكور وإناث- مشكلة لها تداعيات نفسية وأخلاقية، فكل رجل يحتاج الى إمرأة، وكل إمرأة تحتاج الى رجل، وهذه الحاجة الفسيولوجية والنفسية والجسدية إذا لم تتوافر فى وقتها تفطر بالتدريج الحاجة إليها فى نفس كل شاب وفتاة.. كما أن إغلاق الباب المشروع لتلبية هذه الحاجة (الزواج المشروع) يفتح الباب على مصراعيه لتلبية إلحاح الغرائز عن طريق الحرام.
يقول العالم الأزهرى د.أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: "ديننا يحث على الزواج ويرغب فيه ويحذر من وضع عراقيل فى طريق تلبية نداء الغريزة لكل من الرجل والمرأة، والدين لم يفعل ذلك إلا لتحقيق مصلحة الإنسان ـ رجلا كان أو امرأة ـ ففي الزواج عصمة للشباب من الذلل والخطيئة، وحفاظا لحياته وخطاه من الانزلاق في وحل المعصية والرذيلة، وفيه حفظ للعين من النظر إلى ما حرم الله، فالنظرة سهم مسموم من سهام إبليس - لعنه الله - وفيه حصانة للشرف وحماية للأخلاق ثم هو إلى جانب هذا فيه المودة والسكن والرحمة والسعادة والطمأنينة للأسرة والأمان والاستقرار للبيت الزوجي، وانتشار وإكثار للنوع الإنساني وبقائه وحفظه".