رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

الفنون عموماً.. والدراما على وجه الخصوص صناعة ثقيلة تملك تأثيرًا هائلًا في تشكيل الوعي والوجدان والتأثير في الشعوب بما تغرسه من قيم ومفاهيم تصنع نهضة أو تهدم صروح الأوطان، ومن ثم فهي سلاح فني مؤثر بل شديد التأثير؛ فهي تدخل البيوت دون استئذان وتستطيع توصيل المعلومة للمجتمع بكل سلاسة ويسر.. فما يفعله مسلسل واحد ناجح وجاذب جماهيرياً أكثر نفعاً وتأثيراً ونفاذاً للعقول والقلوب ومن ثم السلوك الجمعي من مئات الكتب والمقالات والخطب..ومن هنا تتجلى روعة الدراما الوطنية إن جاز التعبير في تحصين الأمن القومي من العبث، وصون عقل الشعب وضميره وقناعاته وانحيازاته من الاستهداف والتشويه..فهل هناك ما هو أهم من تلك الأولويات لتعكف الأعمال الفنية على صياغتها، والدولة على دعمها بما يحصن المجتمع لاسيما شبابه وأطفاله وأجياله القادمة والحاضرة من ريح مسمومة تهب للتشويه وتوهين العزائم وضرب الدول في أعز ما تملك؛ قوتها البشرية.

ويبدو طبيعيا في سياق كهذا أن تبرز الدراما الوطنية بحسبانها أولوية تهتم الدولة بتقديمها كرسالة وعي وتثقيف وتنوير تبرز بطولات وتضحيات رجال إنفاذ القانون بالقوات المسلحة والشرطة البواسل لحماية هذا البلد من الإرهاب وأفكاره والتطرف وتنظيماته وجماعاته، وتفضح الأيادي العابثة الغادرة التي تمتد للإضرار بصالح الوطن وأبنائه، وتقدم في الوقت ذاته ما يحقق التسلية والإمتاع أيضاً.

رمضان أنسب الشهور لعرض مثل هذا النوع من الدراما الوطنية لما تحققه هذه الأوقات من نسب عالية للمشاهدة؛ لكن ذلك لا يمنع أننا في حاجة لاستمرار بثها طوال العام لما لها من تأثير سريع ومباشر في تصحيح الوعي بحركة التاريخ ومجريات الأحداث التي تتسرب من أذهان الأجيال الحاضرة كما تخفى حقائقها على الأجيال التي لم تعاصرها ولم تعش أحداثها يوماً بيوم.

لقد أثبتت الدراما أنها ذات تأثير جبار في العقل والوجدان بل إنها أقوى أدوات الاتصال في هذا العصر نظراً لسرعة وصولها للمشاهدين وتوصيل الرسائل المنشودة بلا جهد ولا مشقة من المتلقي، وهي أيسر كثيراً من الكتب والمجلات والصحف التي تكلف قراءها جهداً ومالاً للوصول إلى محتواها.

ولا عجب والحال هكذا أن تلعب الدراما عامة، و"الوطنية" على وجه الخصوص دوراً أعظم تأثيراً في محاربة الأفكار المتطرفة وترسيخ الهوية الوطنية، كما فعل مسلسل "الاختيار" بأجزائه الثلاثة الذي قام بتأريخ الأحداث التي جرت في السنوات الأخيرة بتسلسل واضح يشحذ همم الجمهور والأجيال الجديدة ويجعلهم فخورين بإنجازات رجال وقيادات الوطن وتعزز الهوية لديهم وقيم الانتماء وتعمق حسهم الوطني.. دونما انتظار لعشرات السنين حتى يُكتب التاريخ بالطرق المعتادة.

ولم تأت نسب المشاهدة العالية التي أحرزتها المسلسلات الوطنية؛ ذلك أن "الاختيار" مثلاً جسد قضية عاشها أبناء الشعب المصري في العام الذي حكمته جماعة الإخوان، وهي أعمال درامية تحمل رسالة غالية للأجيال الحالية والقادمة على السواء؛ وهي أسرع وصولاً إليهم وتفوق أهميتها ما تؤديه وسائل الإعلام ومؤسسات الثقافة والشباب ؛ بما تمارسه من تكريس لمفهوم المواطنة لدى النشء والشباب وتعزيز مفهوم الوطنية وغرس القيم لديهم عبر سرد وقائع التاريخ بانسيابية ويسر يفهمه المشاهد، ويعرف من خلالها تاريخ بلاده.

لم تعد الدراما وسيلة إمتاع وترفيه أو تسلية وتزجية وقت الفراغ ودفع الملل بل صارت قوة ناعمة لا يستهان بتأثيرها المدوي؛ ذلك أنها تتفاعل مع الناس وتلامس قضاياهم بصورة مباشرة، ولسوف تبقى قيمتها الفنية والأخلاقية والأدبية العالية التي تقتضينا – لأسباب عديدة لا تخفى- الاستزادة منها ..فقد رأينا كيف احتشدت الأسر أمام التلفاز لمتابعة تلك الأعمال الفنية الجليلة في السنوات الأخيرة التي حققت نجاحاً لافتاً..وكنت أرجو لو عمدت الجهات المعنية لقياس أثر تلك الأعمال في أذهان المشاهدين بصورة علمية وعملية لنرى كيف يمكن لعمل درامي واحد أن يغير جذرياً أفكار كثير من الغافلين كما فعل مسلسل الاختيار الذي فضح الجماعات الإرهابية وكشف المؤامرات التي تحاك ضد مصر..ألا يدعونا ذلك لوضع الدراما الوطنية على رأس الأولويات، وأن تواصل الدولة دعمها بعد أن أضحت خط دفاع أول لتكوين الرأي الرشيد والتوعية المستنيرة، وترسيخ الأحداث في أذهان الشباب وأبناء الوطن ولا تقل قوة الدراما عن القوة السياسية والاقتصادية وأصبحت في زماننا أقوى من السلاح نفسه وذات جماهيرية عريضة.

علمياً ثبت أن مشاهدة الدراما الاجتماعية الإيجابية تبث روح الحياة والتفاؤل وتسهم في تطوير الذكاء العاطفي، وتساعد على التطور البدني و تنمية الإبداع كما أنها تنمي الصداقات وتساعد على التركيز لدى الصغار؛ وهو ما يجعلنا نأمل أن يتجه المنتجون للدراما بالتعاون مع الدولة لمثل هذه الأعمال التي يحتاجها المشاهد.

ويكفي للتدليل على قوة الأثر الذي تحدثه الدراما أن أبطال هذه المسلسلات تحولوا لأبطال شعبيين يظلون في ذاكرة الناس، وهو ما يعني أن مثل هذه الأعمال تحقق نجاحاً باهراً.

ما أحوجنا لدراما تصحح الوعي المشوه لدى البعض، و أن تتهيأ ظروف مواتية تمكن صناع الدراما من الإبداع في صناعة هذا المحتوى، لما تتسم به تلك النوعية الدرامية من صدق وقدرة على تعريف الأحياء الجديدة وإنجازات الأوطان بطريقة أكثر سهولة وقدرة على توصيل المعلومة من أقصر طريق.

ويكفي أن "الاختيار" نجح في تعرية جماعة الإخوان وكشف قياداتهم عبر تسجيلات أذيعت وأظهرت كيف أن هؤلاء لا يحبون إلا أنفسهم، ولا هم لهم إلا التأبيد في السلطة والحكم بالدم والنار..كما أن المسلسل فضح الإرهابيين وجماعات التكفير والتطرف.

ما من شك أن الأعمال الدرامية الوطنية هي أقوى سلاح لصد القوى الظلامية؛ فهي تعمق الشعور الوطني لدى الشباب الذين باتوا مع شدة التطور التكنولوجي أكثر حاجة للوعي الرشيد في مواجهة أهل الشر الذين يستغلون التقدم التكنولوجي لبث أفكارهم المسمومة..ولا يخفي ما تبذله الدولة من جهود مضنية في حربها ضد الإرهاب تارة بالمواجهة الأمنية الصلبة، وتارة أخرى بنشر الوعي وصحيح الفكر الذي لا يتواني عنه الرئيس السيسي عبر كلمات وتصريحات تشرح وتوضح للناس خطورة هذا الإرهاب وجماعاته.

يفعل الرئيس ذلك نيابة عن مؤسسات عديدة في الدولة لم يرق أداؤها للمستوى المأمول في الفكر والثقافة اللذين لا غنى عنهما في بناء الشخصية وترسيخ القناعات؛ فالثقافة والأدب؛ شعره ونثره، رواياته وقصصه، مسلسلاته وأفلامه سلاح فعال في بناء الوعي وترسيخه وهو ما أدركته الدولة ورئيسها وتداركته بعمل رائع وهو مسلسل كالاختيار وغيره.

لقد أشاد الرئيس السيسي بالدراما التي فضحت الإرهاب وطالب بالاهتمام بمثل هذه الأعمال وفتح الأبواب واسعة لإنتاجها في مصر لما لها من فوائد جمة في تحصين العقل والوجدان الجمعي، وقد رأينا كيف تلعب الدراما دوراً مهماً في حياتنا و كيف دخلت وجداننا بعمق منذ شاهدنا "رأفت الهجان" الذي أظهر الدور الرائع الذي يلعبه جهاز مخابراتنا الأكثر كفاءة من أجهزة مخابرات عالمية ..وكيف تأثرت الجماهير عاطفياً وازداد وعيها وثقافتها، وهو ما تكرر في أعمال فنية أخرى مثل فيلم "الممر" ومسلسل "الاختيار" الذي جسد الدور البطولي لجيشنا وشرطتنا في مواجهة الأعداء وأهل الشر الذين لا يريدون لمصر خيراً.

الدراما الوطنية غذاء للضمير والوجدان وشحذ للعاطفة الوطنية الصافية في ظل ما يعانيه مجتمعنا من أمية قرائية وثقافية وتكنولوجية ؛ ومثل هؤلاء الأميين عرضة لعمليات غسيل عقول يجيدها أهل الشر .

ولا تقتصر صناعة العقل والوجدان ونشر الوعي على الدراما فقط، بل تتسع لتشمل أيضًا كل عمل فني وثقافي هادف، قادر على أداء الرسالة؛ فالندوات التثقيفية والمؤتمرات الصحفية مطلوبة وتحدث تأثيرها في النفوس وتصنع التغيير المطلوب وتقطع الطريق على الشائعات والأكاذيب وتخرج الحقيقة إلى النور جلية ساطعة لا تقبل القدح أو التشكيك، وتحمي الناس من الفكر الضال ، فهي تسجيل أمين لتاريخ الأمة ورصد صادق للأحداث بلا مبالغة، مشفوعاً بالصوت والصورة ما يجعل المرء مهيأ لرفض الأعمال الإرهابية والانحياز لوطنه في معركة الوعي وحرب المعلومات .

وظني أنه لا يمكن لمجتمع أن ينهض بدوره في معركة الوعي المستهدف دائماً دون أن تكون الدراما في مقدمة الصفوف تحارب الفكر الضال؛ فثلاثون حلقة من العمل الدرامي يمكنها أن تصحح مفاهيم مغلوطة رسختها جماعات العنف والإرهاب على عقود، ناهيك عن أن الأعمال الفنية لاسيما الدرامية تخاطب قاعدة جماهيرية أكبر بكثير من تلك التي تتأثر بخطاب الإرهاب وفكر التطرف.

ورغم أن الأحداث التي يعالجها مسلسل الاختيار عاصر كثير من المصريين أحداثها وعايشوها لحظة بلحظة لكن "الاختيار" كشف حجم جرائم الإخوان في حق مصر ودور أجهزة الأمن لحماية الدولة من خطر تلك الجماعة وأشياعها وقد نجحت تلك الأجهزة في الخروج بمصر إلى بر الأمان.

الحلقات الأخيرة من "الاختيار" خصصت مشاهد كاملة لتسريبات قيادات جماعة الإخوان وهي تسريبات أظهرت دون مواربة نياتهم الحقيقية نحو قادة الجيش والشرطة والقضاء، كما فضحت دور ما سُمي بمكتب الإرشاد في إدارة دولة بحجم مصر من وراء الكواليس في عام الإخوان الذين حاولوا بشتى الطرق أخونة مصر والتكويش على كل المناصب والمواقع القيادية والسيطرة على مفاصل الدولة وأجهزتها الأمنية والقضاء والإعلام..لكنها محاولات باءت بالفشل وتحطمت على صخرة الوعي الشعبي.

"الاختيار " توليفة فنية مختلفة جمعت بين المعالجة الدرامية والتوثيق والتسجيل السريع للتاريخ، فجاء بمثابة وثيقة تاريخية لأحداث سياسية شهدتها مصر..ولعل تسليط الضوء على التجربة كان مفيداً خلافاً لما يقوله البعض..وليس الاختيار فقط من لعب دوره بكفاءة واقتدر بل جاء "العائدون" ليكشف مخططات تنظيم داعش الإرهابي ودور أجهزة الأمن في التصدي لخطره داخل الحدود وخارجها، واقترب المسلسل من أفكار التنظيم وجرائمه وخلفياته النفسية التي تتحكم في قياداته..وعلى الخطى ذاتها سار مسلسل "بطلوع الروح" وحكى بسلاسة وبساطة كيف تقوم تنظيمات الإرهاب بتجنيد أعضاء جدد وهو ما يعد امتداداً لأعمال سابقة مثل " هجمة مرتدة"و "القاهرة كابول".

نجاح تلك الأعمال الفنية وغيرها يثبت أن ابتعاث الدراما الوطنية بمعناها الواسع أمر مهم؛ فهي أكثر ارتباطاً بالوجدان الشعبي وأكثر التصاقاً بالذاكرة الوطنية ومن ثم تعلو مكانتها بحسبانها جزءاً أصيلاً من نضال شعبنا وعلامة فارقة في تاريخنا وقوة ناعمة عابرة للعصور لا يستهان بها وهو ما يصنع لها الخلود ويبقيها حية في الذاكرة الوطنية.

ويبقى أن الفن الراقي سواء كان درامياً أو غنائياً أهم وأخطر وسائل تغيير الفكر وبناء الوعي في مواجهة محاولات احتلال العقل الذي هو أهم غايات الحروب الحديثة التي تستهدف تشويه التاريخ وتشويه الرموز وتغييب العقول ليسهل إسقاط الدول في براثن الفوضى والتفكك بأيدي بنيها..ومن ثم فإن الدول التي تهمش الفن وتحارب أعماله الهادفة تشارك دون أن تدري في تدمير أوطانها تماماً كما تفعل الأعمال الهابطة التي تضرب قيم المجتمع وأخلاقياته وهي أيضاً شريك رئيسي في جريمة إسقاط الدول..الفن سلاح اليوم ووسيلتنا الناجعة لدرء مخاطر وسموم الشائعات واستهداف العقول ..فهل آن الأوان لكي نصنع دراما تليق بمصر وشعبها وتاريخها ..وكفانا ما فعلته الأعمال الهابطة من تغييب للعقول وسوء الأخلاق وتدهور السلوك.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة