رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

لم تستفق دول أوروبا "المسماه بالقارة العجوز" بعد من تداعيات جائحة كورونا وما تبعها من أزمات إقتصادية واجتماعية وديمجرافية حتي حلت فاجعة صراع الهيمنة والبقاء وتقسيم العالم وفقا لأهواء الأقطاب الكبار!.

وبعد ما يقرب من ثلاثة شهور علي اندلاع حرب "الجحيم" بين روسيا وأوكرانيا نيابة عن معسكري الشرق والغرب ،تلوح بالأفق مؤشرات تؤكد أن الخاسر الأكبر هي دول الاتحاد الأوروبي ،وهي من ستتحمل النصيب الأعلي من فاتورة الحرب المؤلمة التي صنعت أزمات عديدة ومتتالية ومتصاعدة.

كما أن المعمورة لن تبرأ بأي حال من الأحوال من أسقامها قبل سنتين،وربما أكثر مع تجنب مغبة السيناريو الأسوأ، وفقا لحسابات الواقع ولرؤي الخبراء حتي لو وضعت الحرب أوزارها قريبا، وسينال الأوروبيون القليل من الغنائم والكثير من الضرر،بعد أن كشفت الحرب عن عورات دول الناتو واحتياجاتهم المتزايده لنفط وغذاء وغاز موسكو.!

وقد كان من الأجدر أن تعيد هذه الدول حساباتها وتتريث قبل أن تتورط في هذا الصراع مجهول العواقب، تنفيذا للسياسات الامريكية، التي زجت بهم في غمار مستنقع حرب إقتصادية خاسرة وفقا لكافة المعايير .
ومهما تظاهر الأوربيون بالتماسك، والقدرة علي تجاوز الأزمة وآثارها ،وتوفير البدائل لكن موجات التضخم العارمة،وتفاقم التبعات وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين والكساد التجاري الذي تفشي بدول القارة نذير شوؤم علي سوء الحصاد المرتقب!.

المشهد العبثي الأممي يؤكد أن أمريكا لن تتنازل بسهولة عن موقع صدارة العالم وفرض الهيمنة اقتصاديا وسياسيا علي دوله بما فيها دول الناتو ودول الاتحاد الأوروبي والذي بدأ نزيف المعاناة الاقتصادية نتيجة لتداعيات العقوبات الاقتصادية المتاليية المفروضة على روسيا، وردود موسكو الموجعة!.

وبدأ الكثير من ساسة وقادة دول الاتحاد في إعادة تقييم هذا التأييد المطلق لسياسات أمريكا، مع تزايد شبح أزمات الطاقة والغذاء وارتفاع أسعار السلع الاستراتيجية،والموجة التضخمية الهائلة التي لم تشهدها أوربا من قبل، كل هذه المستجدات قد
تدفع دولا للتمرد ،وربما يكون المسوغ الأول لتفكيك الصف الغربي والجهر بكلمة "لا"!.

بعض المحللين يراها بداية النهاية لتفكيك للاتحاد الأوروبي وإضعاف فكرة الهيمنة الأمريكية،والخروج من جنان التكتل الغربي الذي تحول بين عشية وضحاها لجحيم مطلق!.

في تصوري أن أوروبا الآن في ورطة حقيقية، وبدأت العديد من الدول إعادة ترتيب حساباتها وفقا لمصلحتها ،وتجنبا لمزيد من الضغوط الاقتصادية،فقد أعلنت ألمانيا والمجر والنمسا وغيرها أنها ستدفع بالروبل مقابل إتمام صفقات الغاز الروسي ،
واستبعاد فرض قانون الإستغناء التام عن الغاز الروسي.

كما بدأت دول أخرى في تقييم الموقف وإعادة التفكير جليا ،وفقا لمصالحها الوطنية وحسابات الربح والخسارة،وما ستحصده لقاء السير إلي الأبد في فلك واشنطن ، بعد أن بدأت قوي أممية جديدة في سحب البساط من أسفل قدميها تدريجيا، وحققت معدلات تنموية فائقة تؤهلها لا محالة لتسلم قيادة العالم في النظام الكوني الجديد.

كما أن أهم أهداف روسيا هو تأمين أمنها القومي والسعي الحثيث لإنهاء نظرية القطب الأوحد، وإحداث توازن اممي بعد أن أصبح العالم بأنظمته الدولية وأدواته فى يد القطب الأعظم يحركها وفقا لرغباته وأوامره ،لكن روسيا مكثت بترسانتها النوية شوكة دائمة، وحافظت على تواجدها فى بعض المواقع الاستراتيجية، والتفوق فى مجال التسليح مع العودة بجرأة للأسواق الدولية، وتدشين علاقات قوية بعدة مواقع بآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ،وتم ترشيحها واختيارها بالتنسيق مع الصين للقيام بوقفة عسكرية لوقف المد الغربي ،ولوضع حد للهيمنة الأمريكية ولبدء عصر متعدد الأقطاب.

ولا ريب أن الأيام القادمة ستحمل العديد من التطورات، والتداعيات المتباينة اقتصاديا وعسكريا، وفى الأغلب سيدفع العالم أجمع وخاصة فريق المشاهدين الجزأ الأكبر من ثمن هذا الصراع.

وفي اعتقادي أن الضغط الأمريكي المتتالي علي دول أوروبا والدول الحليفة خارجها ،بمنطق الاتجاه الواحد وتعجل فرض قرارات متسرعة وعقوبات متصاعدة علي موسكو سيكون له مردود سلبي علي المدي المنظور والبعيد، وسيدفع كل الدول لتقييم الموقف بكافة أبعاده وعواقبه.

ولعل هذا ما أشار إليه مؤخرا الرئيس ماكرون في مطالبته بإعادة تقييم الإتفاقيات والتعهدات بين دول الاتحاد، وترك مساحات من المرونة التي تضمن تحقيق الأهداف وتؤمن المصالح وتحفظ العلاقات المتوازنة مع دول العالم.

وتبقي الحقيقة أن دول الغرب جلبت لنفسها الضرر ،دون وعي ودراسة،وكما يقولون في التراث العربي "علي قومها جنت براقش"!!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة