لوجه الله
تعود كثير من الناس على إهمال العبادات والطاعات ومكارم الأخلاق بعد انتهاء شهر رمضان المبارك، فهذا الشهر الفضيل الذى اختصه الله بمزيد من الفضائل فى نظرهم- للأسف- مجرد موسم للطاعة والعبادة والتسابق فى عمل الخير، ومن ثم لا حرج أن تنتهى علاقتهم بذلك بمجرد انتهاء رمضان.
والواقع أن هذا خطأ كبير فعطاء الشهر الكريم يرسم للإنسان طريق الهداية والاستقامة لتظل مكارم الأخلاق ملازمة له طوال أيام وشهور السنة، وموجهة لحياته الخاصة والعامة فى كل مكان يذهب إليه أو يتواجد فيه.. وضابطة للسلوك ومهذبة للغرائز والانفعالات فى كل الأوقات، فكل من عاش رمضان فى عبادة وتقوى وورع، وأخلص فى عباداته وعطائه الخيرى والإنسانى من الطبيعى أن تستمر معه هذه الحالة الإيمانية بعد رمضان.. أما من تعامل مع رمضان على أنه محطة طارئة فى حياته فسوف يهدر بسهولة ما اكتسبه من أجر وثواب وفضائل خلال الشهر الكريم.
عطاء شهر رمضان المبارك ليس موسميا أو مؤقتا، بل هو عطاء دائم ينبغى أن يصحح مسيرة الإنسان ويرسم له طريق الهداية والاستقامة، وكل إنسان عاقل يدرك أنه من الخطأ أن يفرط فى مكتسبات هذا الشهر الكريم الذى تعددت فضائله، وتنوعت مكاسبه، فكل من صام رمضان وأدى ما عليه من واجبات دينية وإنسانية وأخلص فى عبادته جدير بأن يكون من الذين وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بغفران ذنوبهم وتخليصهم من آثامهم حيث يقول صلوات الله وسلامه عليه فى الحديث الصحيح:" من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"
هذه المكاسب العظيمة وهذا الفضل الكبير من الله لا ينبغى أن يقابله الإنسان بالجحود، فكل من يعود الى المعاصى وحياة الفوضى السلوكية بعد رمضان هو إنسان جاحد لعطاء الله له، ناكر لما أنعم الله عليه به، وهو لا يدرى هل تتكرر له هذه الفرصة مرة أخرى أم لا؟
**
فضائل الشهر الكريم لا تقف عند الصيام والصلاة والزكاة وغير ذلك من القربات التى تقرب بها الإنسان الى خالقه، بل أخلاقيات رمضان تشمل كل سلوك راق حرص عليه الإنسان خلال الشهر الفضيل مثل صلة الرحم، وعيادة المريض، ومساعدة المحتاج، وتخفيف آلام البائسين أو المحرومين، ومسح دموع من أصابهم الحزن والجزع، وغير ذلك من السلوكيات الراقية التى هى من خصائص وسمات المسلم الواعى الفاهم لحقائق دينه.. ومن هنا لا يليق بمن صام وصلى وزكى وتقرب الى الله بكل الطاعات فى رمضان أن يعود الى المعاصى بعد انتهاء الشهر الفضيل فيخوض فى الأعراض، ويتتبع عورات الناس، ويحقد أو يحسد من أنعم الله عليه من فضله وكافأه على جهده وعطائه.. وهذا الصنف من الناس- وهم كثيرون- لم يستفيدوا شيئا من العبادات والطاعات التى أدوها كطقوس شكلية، فالتدين الحق ليس مجرد عبادات يؤديها الإنسان وهو غافل عن حقيقة الإيمان، ذلك أن العبادات الدينية- كما يقول العالم الفاضل د.شوقى علام مفتى الجمهورية- تستهدف ترقية سلوك الإنسان، ليعيش حياة طيبة مع كل خلق الله من بشر وحيوانات وجماد.. ومن هنا فالذين يصلون ويصومون ويزكون ويحجون ويعتمرون ويرتكبون التجاوزات السلوكية والأخلاقية لم يستفيدوا من عباداتهم، حيث أدوها كطقوس خالية من أهدافها الحقيقية، وهؤلاء وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمفلسين فى حديث أبي هريرة الذى يقول:" أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتهم أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار".
علينا أن ننتبه الى أن أداء العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج لا يكفى لكى يكون الإنسان مؤمنا حقا.. بل لابد أن يتخلق الإنسان بأخلاق دينه، فلا غيبة ولا نميمة ولا كذب، ولا ظلم، ولا إهدر لحقوق الآخرين.
**
الإنسان الحريص على استمرار عطاء شهر رمضان معه ليوجه حياته الى الأفضل مطالب بمداومة الحرص على العبادات التى حرص عليها فى رمضان، فالصلاة مفروضة عليه فى رمضان وغير رمضان، والصوم موجود أيضا بعد رمضان من خلال صوم النوافل الذى حثنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكى يظل الإنسان مرتبطا بعطاء الصوم طوال العام، وصوم النوافل الذى كان يحرص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم كثير ومتنوع، والزكاة موجودة وملازمة للمسلم طوال شهور السنة حسب دورة أمواله التى تجب فيها الزكاة، والعمرة من القربات الى الله فى رمضان وغير رمضان، كما أن الحج يأتى عقب الانتهاء من الصوم بأسابيع قليلة لكى يتكامل عطاء الفريضتين.
لا تفرطوا بسهولة فى مكاسب رمضان ولا يستجيبوا لأصدقاء السوء، وتعودوا الى السلوكيات المعيبة وحياة المعصية والرزيلة، فقد أنعم الله علينا بالعقل الذى ندرك به ما ينفعنا وما يضرنا، فعلي الإنسان أن يكون أمينا مع خالقه قبل أن يكون أمينا مع نفسه، وأن يكون لديه شعور بالمسئولية فلا يصدر عنه من قول أو فعل إلا كل ما هو طيب، فالكلمة الطيبة يكسب بها الإنسان أجرًا من الله تعالى إذا كانت صادقة نافعة مفيدة للآخرين، كما أن الكلمة الخبيثة التي تدعو إلى الباطل وتؤدي إلى الشر والفساد يعاقب عليها كما قال تعالى:" ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء".
نفعنا الله وإياكم بكل ما قدمنا من عبادات وطاعات وحرصنا عليه من آداب وأخلاقيات.