كلام بحب
40 عاماً مرت على عودة سيناء لحضن الوطن .. وقد بدأت فى السنوات الأخيرة اقامة مشروعات تنموية غير مسبوقة لتعويض سنوات طويلة من الاهمال والتباطؤ فى تعميرها واستثمار كنوزها التى لم يتم اكتشافها حتى الآن .. والأهم الاهتمام بأهلها الذين لاقوا معاناة شديدة سواء خـلال سنوات احتلال أرض الفيروز لمـدة 15 عاماً .. أو من العمليات الإرهابية التى تعرضوا لها
منذ يناير 2011 .
فـى أبـريـل 2016 فكرت عندما كنت رئيساً للتحرير فـى انـشـاء صـالـون ثقافى لجريدة الجمهورية يـتـنـاول قضية مهمة كــل مرة ويستضيف كبار المسئولين إلى جانب مواطنين لهم اهتمام بالقضية المطروحة ثـم نخرج بتوصيات ننشرها ونعمل على تنفيذها.. وبـعـد الـتـشـاور مـع الــزمــلاء الأســاتــذة مؤمن ماجد مستشار التحرير وحمدى حنضل مدير التحرير وعـبـد الـرازق توفيق مدير تحرير العدد الأسبوعى «وقتها» لم نجد أفضل من «سيناء» لتكون موضوع أول صالون ثقافى فى تاريخ «الجمهورية».. وتـم عـرض الأمــر على الكاتب الصحفى الأستاذ جلاء جاب الله رئيس مجلس الإدارة الـذى أيد الفكرة ووافـق عليها وتحمس لها وتم اختيار عنوان «سيناء.. إرادة وطن» ليكون باكورة القضايا التى يناقشها الصالون الثقافى " الذى لنا عودة بإذن الله لقصة اطلاقه " خاصة وأن الكاتب الصحفى الأستاذ عبدالرازق توفيق رئيس التحرير حافظ على استمراره ويتم عقده بصفة دوريـة لمناقشة قضايا تهم مصر و المصريين والأمة العربية وكذلك ما يدور فى العالم ويؤثر على أمتنا ومنطقتنا .
حضر مناقشات الصالون يومها كل عشاق سيناء من مختلف أطياف المجتمع حتى ضاقت بهم قاعة الاجتماعات وكـان على رأسهم الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف واللواء شوقى رشوان رئيس الجهاز الوطنى لتنمية سيناء وقتها والشيخ عبدالله جهامة رئيس جمعية مجاهدى سيناء والخبير الاستراتيجى اللواء نصر الدين ناصر مرسى «رحمه الله» الذى خدم بسيناء لسنوات طويلة ويعرف كل شبر على أرضها ؛ كما شارك الأنبا أرميا الأسقف العام و رئيس المركز الثقافى القبطى ممثلاً عن البابا تواضروس والكنيسة والأستاذة وداد حجاب عن مجاهدات سيناء وإبراهيم رفيع عن مجاهدى سيناء ود . حسن راتب عن مستثمرى سيناء إضافة إلى العديد من الضيوف ومن الزملاء الصحفيين وعلى رأسهم الكاتب الصحفى الأستاذ يحيى قلاش نقيب الصحفيين«وقتها».
اتفق الجميع على أن سيناء هى المستقبل .. وكنز مليء بالثروات لم يتم اكتشافه حتى الآن سواء فى مجالات التعدين أو السياحة أو الزراعة والصناعة .. وأن أى تنمية لابـد أن تستهدف الإنسان فى المقام الأول وليس الأرض والمكان فقط .
ناقش الحضور الأزمـــات التى تمر بها سيناء بمحافظتيها الشمالية والجنوبية وعبقرية المكان وكيفية تحويلها إلى مركز سياحى عالمى لوجود مختلف المقاصد بها من سياحة دينية وتـاريـخـيـة وثـقـافـيـة وريـاضـيـة وترفيهية وعلاجية مما يجعلها ترضى كـل الأذواق.. وطالبوا بزيادة عـدد الأنفاق التى تصل إلى أرض الفيروز " وكان هذا مطلباً أساسياً لكل أبناء سيناء " .. مع ضرورة بناء مجمتعات عمرانية جديدة تستوعب أعداداً من المواطنين .. حيث إن التنمية الشاملة المستديمة التى تضمن عـدم المساس بسيناء فى المستقبل تقوم على 3 محاور أسميتها «الـتـاءات الثلاث» تعمير.. توطين .. تأمين .. لو تم تحقيقها لأصبحت سيناء بحق هى أرض المستقبل بل أرض الأحلام لكل مصرى وعربى بل لكل المستثمرين فى العالم !! .
مــا يـحـدث فــى سـيـنـاء الــيــوم مــن مـشـروعـات تنموية وانشاء 4 أنفاق جديدة وبناء مجتمعات عمرانية وبشرية جديدة حول آلاف الأفدنة المستصلحة وعشرات المصانع والمـزارع السمكية لن نكون متجاوزين إذا قلنا إنه فاق ما طالب به الحاضرون لصالون «الجمهورية» فى عام 2016 .. بالطبع اذا تم ضمان استمراره وعــدم التوقف عن حل مشاكل الأهالي !! .
بالتأكيد مازال هناك الكثير لانجازه على هذه الأرض المباركة .. وإن كان بدء اقامة جامعات حديثة يعنى أن الدولًة مهتمة ببناء الإنسان قبل المكان وأن سيناء أصبحت فعلاً «إرادة وطن» خاصة وأن الرئيس عبدالفتاح السيسى قـال فى كلمته منذ أيام فى الاحتفال بعيد سيناء : «تلك البقعة الغالية من أرض الوطن التى يحمل لها المصريون جميعاً فى قلوبهم تقديراً لا ينقضى مع تقادم الزمن وتعاقب الأجيال وينظرون إليها على أنها درة التاج المصرى ومصدر فخر واعتزاز هذه الأمة».
مـازال أهالى سيناء ينتظرون منا الكثير وهم يستحقون أن يشعروا بالأمن والأمان بعد كل ما قدموه للوطن من تضحيات .. كما يستحق كل من دافعوا عن أرض الفيروز ودفعوا أرواحهم راضين فداء كل ذرة من ترابها وسقطوا شهداء أن نتذكرهم ونعتنى بأسرهم ونقص حكاياتهم للأجيال ونطلب من الله لهم الرحمة وأن يظلوا أحياء يرزقون إلى يوم القيامة !! .
هل يمكن للبشرية أن تعرف موضعاً على وجه الكرة الأرضية أشـرف وأطهر من المكان الذى تجلى فيه خالق الكون ليكلم فيه سيدنا موسى عليه السلام .. وهل هناك سوى أرض الفيروز معبراً للرسل والأنبياء ؟!.. وكان من عبقرية جغرافيتها أنها على امتداد التاريخ خط الدفاع الأول عن مصر ضـد المعتدين .. فهى البوابة الشرقية وحبات رمالها سقتها دماء الشهداء الذين ضحوا بحياتهم فــداء للوطن فتحية لهم فـى عيد تحريرها.. وهذا سر عشق المصريين لسيناء !! .
*************
وداعاً .. « عم سعد » !!
يوجد فى كل مكان أشخاص لا تشعر بهم ولكن لا يسير العمل بدونهم مع أنهم لا يشغلون أى مناصب قيادية .. تمتليء بهم المصالح والوزارات والمـؤسـسـات العامة والخاصة .. و نطلق عليهم «الجنود المجهولون».. وهؤلاء لا تعرف قيمتهم الحقيقية إلا عندما يتغيبون يوماً عن العمل حيث يرتبك كل شىء وربما أصاب الشلل المكان فى عدم وجودهم .. فنبحث عنهم وننتظر عودتهم فى اليم التالى بفارغ الصبر .
هؤلاء الأشخاص يقومون بعملهم باخلاص وتفان .. ويؤدون كل المهام المطلوبة منهم بكفاءة .. ويبتكرون فى مواقعهم .. وهم الذين يعطون للمكان شكلاً مختلفاً عن مثيله فى الهيئات والمؤسسات الأخرى .. وغالباً ما يعتقد من لا يتعاملون معهم انهم غير مؤثرين فى العمل رغم ان العكس هو الصحيح تماماً .. وأمثاالهم الكثير فى المؤسسات الصحفية تراهم فى أقسام المطابع والتجهيزات الفنية والجراج والسكرتارية العامة والخدمات المعاونة أى بعيداً عن أقسام التحرير والاعلانات الذين يستحوذون على الاهتمام والشهرة .
كـان الزميل سعد الشحات واحــداً من هـؤلاء .. وكنت أسميه رجل «المهام الصعبة».. فلم يتم تكليفه بمهمة إلا ويؤديها على أفضل وجه ولا يوجد عنده مستحيل .. عرفته منذ أكثر من 30 عاماً عندما عدت من الخارج لادارة مجلة «آدم» التى كانت ستصدرها المؤسسة وسيرأس تحريرها الأستاذ السيد البابلى ومن المفترض أن أكون سكرتير تحريرها وللأسف لم يكتب لها الصدور.. المهم وضعونا أنا والأستاذ البابلى فى غرفة فى الدور الأخير بالمبنى القديم للجمهورية ومعنا الزميل سعد الشحات كخدمات معاونة .. وبعدها سافر الأستاذ البابلى للخارج وبقيت فى هذه الغرفة المنعزلة ومعى «عم سعد» ولم أجد غيره فى صباح كل يوم .. وأصبح صديقى الذى يلازمنى وكنا نتجاذب الحديث فى مختلف الموضوعات وكانت له آراء صائبة ووطنية فى الشأن العام وأيضاً فى السياسة .. تنقلت بعدها فى عدة أقسام وهو ذهب الى الاعلانات لكنه ظل يسأل عنى ولم يتركنى وحتى عندما أصبحت رئيساً للتحرير كنا نكلفه بمهام للمؤسسة يؤديها بنجاح ودون كلل .. وبقينا على اتصال حتى بعد تركى المنصب وخروجة للمعاش مؤخراً وتعرضة لأزمة صحية عانى منها بشدة وكنت أطمئن عليه هاتفياً .
منذ أيـام كلمنى ابنه شريف وأخبرنى بوفاة والــده فتلقيت الخبر فى صدمة كبيرة دون اعتراض على إرادة الله .
رحـم الله صديقى «عـم سعد» وألهم أسرته وأولاده وكــل محبيه " و أنـــا منهم " الصبر والسلوان .. وستظل سيرته العطرة كأحد الجنود المجهولين فى دار التحرير .