رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

ساعات معدودات ونودع شهر الصيام الفضيل الذي هو مناسبة لإحياء الضمير والشعور بالفقير ومغالبة الشهوات والزهد في المباحات وترك المنكرات..هكذا أراده الله شهراً للتجرد والتقوى والتكافل والتراحم والعودة لصحيح الدين والإقلاع عن قبيح العادات وشر الموبقات ومكروه السلوكيات.. جعل الله صيام نهاره فريضة وقيام ليله تطوعاً..من أراد أن يقيس مقدار استفادته من رمضان فليسأل نفسه : بأي حال خرج من رمضان..هل خرج منه بحال أفضل من تلك التي دخل بها فيه..هل تخلص من شح نفسه فتصدق وأنفق على المحتاجين خصوصاً في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع الأسعار بصورة غير مبررة في أحايين كثيرة.. هل تفقد أحوال جيرانه وسأل عنهم وجبر بخاطر المنكسرين منهم..هل وصلنا الأرحام وارتفعنا فوق أنفسنا وتناسينا الخصومات وأصلحنا ذات البين وأقلعنا عن مرذول العادات وسييء الأخلاق ..؟!

فإن كانت الإجابة بنعم فقد أحسنا استقبال الضيف المبارك وحقق غاية ربنا منه..وإن لم تكن كذلك فتلك خسارة ما أفدحها ..لكن هل انقضت الفرصة أم بقي منها ما يمكن أن نستدركه..

من حسن حظنا أن الله لا يغلق بابه في وجه من قصده ومن رحمته تعالى أنه أمرنا بالدعاء .. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَيَقُولُ: «أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»..فلنراجع أنفسنا فلا تزال الفرصة قائمة والرجوع إلى الله واجب بل إن الله تعالى يفرح بعودة العبد إليه تائباً طائعاً، وهو سبحانه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.

ما أعظم فائدة هذا الشهر للأمة، إذا فهمت غايته وطبقت روحه واتبعت نهج نبيها فيه فقد كان صلى الله عليه وسلم أجود من الريح المرسل وكان أجود ما يكون في رمضان..فالغاية من الصيام هي التقوى قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" (البقرة: 183).

نودع بعد ساعات شهر النفحات والبركات والخيرات فهل نحسن استثمار ما بقي من أوقاته ونفحاته أم نستمر في التفريط والخسران وإهدار ما بقى منه في مشاهدة برامج تافهة ومسلسلات هابطة باستثناء ثلاثة أو أربعة مسلسلات على رأسها "الاختيار 3" الذي يعد دراما وطنية لاقت قبولاً كبيراً نرجو له أن يستمر ويبقى.

ورغم أن شهر رمضان جُعل أساسًا للاقتصاد في الطعام والشراب لكن ما نفعله به هو العكس تماماً، فأكثر استهلاكنا يقع في هذا الشهر الكريم من طعام يذهب كثير منه إلى سلال القمامة رغم ما تعانيه البشرية من ظروف غذائية صعبة وقاسية وأكثر سهرنا وإهدار أوقاتنا فيما لا طائل منه يكون في هذا الشهر..أما الأكثر استفزازاً وإثارة للأسى فهو ما تمارسه شركات المحمول من سفه في الإنفاق على إعلانات لا طائل منها.. وكان الأولى لو وفرت تلك النفقات لتحسين خدمة الإنترنت والاتصالات التي يشكو المستهلكون من رداءتها وغلائها وبطئها وانقطاعها مر الشكوى دون مغيث ولا مجيب.. تتسابق تلك الشركات بصورة محمومة للأسف للفوز بإعلان نجوم الفن والكرة وتجزل لهم العطاء بملايين الجنيهات ولو أنها اهتمت بتحسين الخدمة بطول البلاد وعرضها لكان أفضل لها وللمستهلك ألف مرة ..فهل لا يلفت ذلك نظر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات فيحاسب ويصوب المسار..وإلى متى يترك مقدمي الخدمة دون رقابة ولا مساءلة ولا حتى تقييم أداء يدخل بالضرورة ضمن أوجب اختصاصاته الأصيلة..؟!

وما يضاعف الأسى أن "البريد" دخل هو الآخر على خط المنافسة الإعلانية وهو ما يثير سؤالاً لن يجيبنا عنه أحد: هل كان البريد رغم نجاحه وتطوره المستمر في حاجة لإنفاق كل هذه الملايين على إعلان كهذا..وهل الفائدة المتحققة منه –إن كان ثمة فائدة أصلاً- تكافيء كل هذا المبلغ المدفوع..هل قيس مردود الأثر بطريقة علمية؟!!

نودع شهر الصيام..وفي الحلق غصة من تردي سلوكيات أكثر أبناء أمتنا وهي سلوكيات تجافي روح رمضان وما أراده الله لنا فيه من ترشيد وتهذيب وتربية للنفس وتغييرها للأفضل..هل نرطب ألستنا بكلمة طيبة ونتخلى عن الكلمة الخبيثة فبين الكلمتين ما بين السماء والأرض..الكلمة الطيبة تزيل الجفاء وتذهب البغضاء والشحناء وتدخل إلى النفوس السرور و المحبة والهناء..الكلمة الطيبة هداية من الله وفضل كبير على عباده :" وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ (الحج: 24)..وتلك رسالة المرسلين وسمة المؤمنين دعا إليها رب العالمين فقال:" وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا (الإسراء:53).

القرآن الكريم يبين لنا الأثر الطيب للكلمة الطيبة وخطورة الكلمة الخبيثة وجسيم ضررها وضرورة اجتثاثها يقول جل وعلا : " أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ( إبراهيم :24)..ويقول أيضاً: "وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (إبراهيم: 26).

الكلمة الطيبة هي كلمة حق ثابتة الجذور لا تزعزعها أعاصير الباطل ولا تحطمها معاول الهدم والطغيان، تقارع الكلمة الطيبة كلمة الباطل؛ فهي حية نابضة لا تموت ولا تذوي ..وهي صدقة كما يقول نبينا الكريم :" اتَّقوا النَّار ولو بشِقِّ تمرةٍ فإنْ لم تجِدوا فبكلمةٍ طيِّبةٍ" وقال أيضاً:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت".

بالكلمة الطيبة تتحقق المغفرة لقوله صلى الله عليه وسلم:" " إِنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ بَذْلَ السَّلَامِ ، وَحُسْنَ الْكَلَامِ " بل إن الكلمة الطيبة سبب في دخول الجنة يقول صلى الله عليه وسلم: " " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، أعدها الله لمن أطعم الطعام ، وأدام الصيام ، وصلى بالليل والناس نيام "".

الكلمة الطيبة معيار سعادة الإنسان أو شقائه؛ فبكلمة ينال الله رضوان العبد رضوان الله فيرفعه بها إلى أعلى الدرجات، وبكلمة يسخط الله عليه فيهوي بها إلى أسفل الدرجات:" إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم"..وكم من كلمة طيبة كتب الله بها الرضوان والعفو..والأمر سعة لا تضييق فيه ما دامت النية خالصة لله ؛ فإن ترفع عن مسلم أذى أو تنصر مظلوماً، أو تفرج عنه كربة ، أو تعلم جاهلاً أو تذكّر غافلاً أو تهدي ضالاً أو تغيث ملهوفاً أو ترأب صدعاً أو تطفيء فتنة، أو تجير مستجيراً بك ابتغاء وجه الله ..كل ذلك من أبواب الخير التي تقربك من رضوانه وعفوه ..وكم من مشاكل حُلت وكم صلات قويت وكم من عداوات زالت بكلمة طيبة صادقة أريد بها وجه الحق سبحانه.

وكم من كلمة خبيثة هدمت مجتمعات وشردت أبرياء وفرقت بين القلوب وأشعلت نار الشقاق وجلبت الفتن وزرعت الأحقاد والضغائن في النفوس وخربت كثيراً من البيوت التي كانت ناعمة بالاستقرار ودفء المودة ..والحق أقول إن من ألجم لسانه بلجام الإيمان وعطّره بطيب الأقوال قاده ذلك إلى الرحمة والرضوان وأعالي الجنان..وفي المقابل من لوّث لسانه بقبيح الكلام من زور وبهتان وفُحش وكذب هوى في النار في أسفل الدركات.

ومعظم النار كما يقولون من مستصغر الشر، وقد يستهين بعضنا بما تنطق به الألسنة لكنه في الحقيقة خطر عظيم ويكفينا ما قاله نبينا للصحابي الجليل معاذ بن جبل " ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه قال: كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.

هذا جرس إنذار خطير لا يلتفت إليه كثير من الناس؛ ذلك أنهم يتكلمون بإسراف في كل أمر دون أن يعوا أنهم محاسبون ومسئولون عما يتكلمون به يقول الله تعالى: "ما يلفظ من قول إلا لديه عتيد رقيب" (ق: 18).

والحق أننا محاسبون على كل ما يصدر عنا قولا أو فعلاً ونحن محاسبون كذلك على ما تسطره أقلامنا :" ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ" (القلم:1) ومن ثم فإن مولاة أهل الباطل نفاق وخداع الجمهور وغشه نفاق..والكذب وإخلاف الوعد ونقض العهد نفاق..يقول صلى الله عليه وسلم:" أربع من كن فيه كان منافقا، ومن كانت خصلة منهن فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر"..ولا عجب والحال هكذا أن يجعل الله جزاء المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وأن يجعل في القرآن سورة باسمهم تنبيهاً لخطرهم الذي هو أشد فتكاً وتدميراً لأي مجتمع من أعدائه المعروفين؛ فهذا الصنف من الناس يبطن خلاف ما يظهر ويقول ما لا يفعل، ولا نأمن شرهم..يعطونك من طرف اللسان حلاوة كاذبة بينما قلوبهم تنطوي على حقد دفين وعداوة مستحكمة ويتلونون كالحرباء، ولهم ألف وجه ووجه..وقد رأينا خطورة هذا الصنف من الناس بعد أحداث يناير 2011 وفي العام الذي حكم فيه الإخوان مصر؛ رأينا مذيعين وإعلاميين متلونين نافقوا الجميع وداهنوا كل ك الأنظمة ونسوا أن الله شهيد عليهم وأن المجتمع يراقب أفعالهم ويوثقها بالتسجيلات صوتاً وصورة ولو افترضنا جدلاً أنهم أفلتوا من حساب الناس فكيف يفلتون من عقاب الله.

وكم عبّر الرئيس السيسي مراراً وتكراراً بصراحته المعهودة عن خطورة الكلمة ودورها في تشكيل الوعي؛ إذ يقول:" إن الكلمة أمانة" بل ذهب لأبعد من ذلك حين دعا إلى عدم التورط في الإساءة للغير في خطابنا مشيراً إلى أنه كان حريصاً منذ توليه منصبه على ألا يقول لفظاً خادشاً أو مسيئاً لأحد مهما يكن عدواً حتى في أحلك اللحظات وأشدها صعوبة، حتى إن الفهم الصحيح لمدلول الآية الكريمة "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً" لا يقف عند حدود الحفاظ على حياة الإنسان فقط بل يتسع معناها ليشمل كل ما له صلة بالحفاظ على تلك الحياة من قريب أو من بعيد..هذا هو رئيسنا الذي ينشد دائماً الكلمة الطيبة التي تحمل الناس على التعايش السليم والنهج المستقيم؛ هذه الكلمة الطيبة التي بُعث بها الأنبياء والمرسلين عليهم السلام والتي يكاد نورها يخفت في عالم اليوم ولا مخرج مما نعانيه إلا إذا أحسنا الكلام وحافظنا على اللسان وتركنا اللغو والخوض في الأعراض واغتيال سمعة الأبرياء بكلمات هي غائلة لا تبقي ولا تذر.

شرف الكلمة في كلمة ودين الإنسان في كلمة وبداية الخلق كانت بكلمة وأبواب السماء تفتح بكلمة وأقفال القلوب تفتح بكلمة وترقى العقول بكلمة وتقوى الهمم وتشتد العزائم بكلمة ..وكلامنا يجسد شخصياتنا وما تنطوي عليه نفوسنا من حب أوكره وعمق أو سطحية ومروءة أو خسة ونذالة ورقي أو انحطاط ..فلنجعل كلامنا عنواناً لشخصياتنا ..وفي الحديث الشريف: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".

ونردد مع مفتي الجمهورية قوله:" إن مسئولية الكلمة مشتركة والأساس فيها يرجع للبيت لذا ينبغي للآباء أن يتحروا الصدق سلوكاً ولفظاً أمام أبنائهم لأن التربية بالأفعال والقدوة الحسنة هي الأساس وكذلك للمدرسة دور كبير في الجانب التربوي من ناحية غرس الصدق في نفوس الطلاب والتحذير من الكذب ونقل الشائعات ف نفوس الطلاب والتحذير من الكذب ونقل الشائعات فإذا وجد المعلم أن طالباً يقوم بنقل الكلام والشائعات فعليه أن يبين له خطورة ذلك في الدنيا والآخرة..كما يتحمل الإعلام والمسجد والكنيسة ومؤسسات الثقافة والشباب دوراً مهما في بناء وتصحيح الوعي.

نصيحة المفتي للشباب والمتعاملين مع مواقع التواصل الاجتماعي ألا يتناقلوا شائعات مكذوبة ومعلومات مضللة دون التأكد من صحتها ومعرفة أثرها التدمير للمجتمع وأن يستشعروا خطورة ما يكتبون على مجتمعهم ..وأن يتحروا الصدق فيما يكتبون وأن ينطوى كلامهم على عمق ورقي يعكس صدق ما تربوا عليه من مباديء وقيم أصيلة بعيداً عن الإسفاف والكذب الذي يكاد يغرق تلك المواقع ويهوي بها أسفل سافلين..رمضان فرصة لتصحيح السلوك والعادات فلا تضيعوها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة