رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلي الياء

قبل ثورة التقنيات العصرية ومنذ سنوات كان الناس في بلادي يتحاكون بدراما رمضان الاجتماعية والدينية والتاريخية، وكانت تتخللها إعلانات علي السلع والمنتجات بمعدلات متوازنة ،لا تعوق سلالة المتابعة ومتعة المشاهدة للأعمال الرمضانية.

وكانت الإعلانات كفنون الزمن الجميل يتم تصميمها وابتكار أفكارها بدقة وتلقائية ودون تكلف،مع توظيف فنون الرسوم المتحركة، مع كادرات التصوير السينمائي والفوتوغرافي،لتجسد ذكريات رمضان وروحانياته التراثية ،مع إضفاء لمسات إبداعية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وعلقت بالأذهان كما تعلق الناس بدراما رمضان المبارك.

وكان المصريون يتابعونها بشغف وترقب دون ضجر أو ملل، لما تتمتع به من عناصر جذب وواقعية في العرض.

وحتي سنوات قلائل أنتجت شركات ووكالات الدعاية إعلانات عن شركات الاتصال والخدمات بصورة تجمع ما بين اللحن الجميل والأغنية التي تحتوي قيم الترابط والألفة والمودة،وغرس روح الإنتماء في إطار قيمي إجتماعي شيق.

واللافت للنظر في معظم إعلانات رمضان 2020 ، أنها خلعت برقع الحياء والمبادئ الأخلاقية ،ولم يلتفت منتجوها إلي حرمة الشهر الفضيل ،فجاء الحصاد غريبا ومستهجنا،

وظهرت هذا العام بصورة ملفتة ومقززة تقنية الإعلانات الراقصة،كأحد مفرزات الفن المعاصر، وتفتقد لجمال الكلمات،ودقة الشعارات وغياب الإيقاع والألحان الجميلة ،والأهم هو كثرة التنطيط وتقديم وصلات من الرقص بكافة صوره التقليدية والمستحدثة!.

ولا أدري لماذا استمرار هذا العبث، الخارج عن اللياقة والأخلاق ومراعاة قدسية المشاعر الدينية ،وفي بلادي تكثر علامات الإستفهام عن الأسباب ولامجيب ..هل هو نوع من الإفلاس الإبداعي، أم رسائل مقصودة لترسيخ دعوات التنوير الوهمي والتحرر، أم ضعف مهني وتردي،وتراجع،مثلما هو حال أعمال درامية كثيرة ،والتي تتشابه قصصها ،وكأنها مكررة بنسخ الكربون؟!

في تقديري أن الرسائل الإعلانية تسهم جنبا إلى جنب مع الرسائل الإعلامية المتنوعة ،في البناء المعنوي والمعرفي، علاوة علي الإرتقاء بالذوق الرفيع وتنمية السلوكيات الإيجابية، علاوة علي دعم الإطار القيمي والأخلاقي للمجتمع.

كما أن الإعلام والإعلان وجهان لعملة واحدة ورافدان متكاملان لمعين واحد، والدليل علي ذلك نجاح الرسائل الإعلانية التوعوية والوطنية التي تعتمد علي توظيف قيم الإنتماء والولاء وحب الوطن.

وبعيدا عن الجانب الأخلاقي هناك ظاهرة سلبية في إعلانات هذا العصر ، تعتمد علي كثرة تكرار الرسالة الدعائية وعرض الحجج والبراهين العاطفية وأحيانا العقلية والمنطقى،لكن بمنهجية الإلحاح في العرض، وإختراق خصوصية الناس فيضطر المشاهد أو الجمهور المستهدف للرد سريعا بالإعراض ورفض الإستجابة وتغيير المحطة وفقا لآليات التعرض الإنتقائي،ومن ثم تفشل هذه الإعلانات في تحقيق هدفها، وهو المعروف علميا بالتأثير المضاد للإعلام .

ومن مسالب الإعلانات الجامحة خلق الاحتياجات وتعظيم السلوك الاستهلاكي، وتكريس الحقد الطبقي والإجتماعي وخاصة الإعلانات المبالغ فيها عن مزايا وسجايا المنتجعات العمرانية الفاخرة والتي لا تتناسب مع الغالبية العظمى من طبقات الشعب.

وتبقي ظاهرة المتاجرة بجراح الناس في الإعلانات والأعمال الخيرية وإعلانات جمع التبرعات ،بما تحويه من مشاهد إختراق خصوصية البسطاء وخدش مشاعرهم،

ولو صدق ما يشاع عن دفع مئات الملايين تحت ستار التبرع ، فهذه معادلة سخيفة ينبغي إعادة النظر فيها وإيجاد آلية لضبط عرض مثل الإعلانات، تحت إشراف أجهزة الدولة المختصة والمجلس الأعلى للإعلام بدون مبالغة، وإعداد برامج خاصة في هذا السياق بعيدا عن هذا الأسلوب الفج.

إن إعادة الضوابط الأخلاقية والإنسانية للإعلان أمسي ضرورة عصرية في زمن الإعلام الرقمي الجامح، وفوضي المنصات، حيث أصبحت الحملات والرسائل الإعلانية صناعة شاملة تنتج آلاف الإعلانات الدعائية عن المنتجات والخدمات ،وهذا يحتم علي القائمين عليها ضرورة إعدادها وصياغتها وفق أسس مهنية وعلمية، ومهارية وتدريب مصممي الحملات الإعلامية، لإنتاج إعلانات سلعية وخدمية تضارع الابداع في إعلانات المشروعات القومية والدراما الوطنية التي اتخذت خطوات جادة نحو تصحيح مسار الفن وعودة الدراما المصرية بكافة ألوانها الإجتماعية والتاريخية والدينية.

وكما تدخلت الجهات الرقابية والمجلس الأعلى للإعلام من قبل لوقف عرض بعض الإعلانات والحلقات الدرامية المخالفة للأكواد الإعلامية ، أتصور أننا في حاجة إلى مزيد من الرقابة والمتابعة الدقيقة لما يبث عبر الفضائيات ومنصات التواصل،حفاظا علي قيم وهوية الوطن.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة