معاً للمستقبل
يعتقد البعض أن السعادة أن تأخذ فقط ما تحبه في هذه الدنيا ..لكن هل جربت مثلاُ لذة أن تعطي وترى ابتسامة على وجه محتاج ساعدته أو مكروب فرجت عنه كربته أو معسر يسرت له أمره أو طالب مصلحة قضيتها له دون أن تؤذي مشاعره، أو تمنّ عليه..في العطاء لذة لن يدركها إلا من تجرد من نوازع الأنانية وشهوة التملك ونهم الاستهلاك.
مد يد العون للآخرين ولاسيما المحتاجون باب واسع لرضا الله ومحبة الخلق..فخير الناس أنفعهم للناس..وما كثرت المشاكل وقلّت البركة في الوقت والمال والولد إلا لانشغال كل فرد بنفسه وتكالبنا على الدنيا دون اكتراث بأوجاع الفقراء ومتاعب المحتاجين ..وما أكثرهم اليوم..
وقد أحسن الشاعر بقوله: “الناس للناس ما دام الوفاء بهم ﻭﺍﻟﻌﺴﺮ ﻭﺍﻟﻴﺴﺮ ﺃﻭﻗﺎﺕ ﻭﺳﺎﻋﺎﺕ”..حاجة الناس لبعضهم البعض ثابتة بحكم الواقع؛ فالكل في حاجة للكل؛ هذه سنة ربانية وقانون من قوانين الحضارة يقول تعالى: “أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا" ..هذا ترسيخ لمبدأ إنسانى وهو كيفية قسمة الأرزاق والمواهب والفتوح والعطايا بين الناس..ولفظ “سخريا” (بضم السين) ليست بمعنى السخرية والاستهزاء والتهكم ولكن بمعنى التسخير، وهو معنى مقصود ومطلوب وليس منهيًا عنه، فالله تعالى سخر بعضهم لبعض، وهذا شيء نافع -كما يقول د.اسامة الأزهري - فكل شريحة خادمة لبقية شرائح المجتمع ومخدومة منها، بما يشعل المنافسة بين هذه الشرائح ويفتح طاقة إيجابية عند الناس.
لكن ذلك التسخيروالنفع المتبادل لا يمنع أن هناك فئة من الناس أنعم الله عليها بنعمة المال أو المنصب والنفوذ والجاه الذي يمكنهم من التوسط أو الشفاعة الحسنة لدى مسئول أو جهة هنا أو هناك لقضاء خدمة يحتاجها بسطاء الناس أو تمكينهم من حق هم أولى به لكنهم لا يستطيعون الحصول عليه بالطرق العادية، و من ثم يتطلعون لمساعدة تلك الفئة القادرة على قضاء حوائج الناس..وهذه الفئة لو قامت بواجبها نحو هؤلاء المحتاجين لتحقق السلام الاجتماعي ..فما جاع فقير إلا ببخل غني.
لكن مثل هذا الدور الاجتماعي لرأس المال أو لأصحاب المناصب والنفوذ يجهله كثير من الناس؛ أو يعرفونه ويتجاهلونه تقصيراً أو إنكاراً وينسون حقيقة مهمة وهي أن استقرار المجتمع لن يتحقق إلا بتكافل أفراده وتراحمهم و مد يد العون لفقرائه الذين برضاهم تستقر الحياة وتخلو من الحقد الطبقي على الأغنياء..كما يجهلون مقدار الثواب العظيم الذي أعده الله تعالى للمحسنين المنفقين والذين يسعون في قضاء حوائج الناس..ويكفيهم قول النبي الكريم:(من قضى حاجة أخيه المسلم كنت واقفا عند ميزانه، فإن رجح وإلا شفعت له)..فأي شيء أعظم من شفاعة رسولنا الكريم..؟!
من رحمة الله بعباده أن جعل منهم أناساً يسارعون في الخيرات بنفوس راضية ويبذلون المعروف للمحتاج ويفرجون عن المكروب كربته..وتلك نعمة تستحق شكر المنعم جل في علاه..كما أن إسداء المعروف والبر للآخرين فن لا يجيده كل الناس ومن ثم فقد كره الله سبحانه المنّ على الفقراء بعد الإنفاق عليهم لأنه أذى لهم فقال تعالى “قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى”.
وفي القرآن والسنة النبوية الكثير والكثير من النصوص الداعية لبذل المعروف والإنفاق في سبيل الله ومد يد العون للناس يقول نبينا الكريم” المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة”.
وفي سيرة المصطفى وحياته العملية دروس عظيمة على العطاء وإعانة المحتاجين وليس هناك أصدق وصفاً من قول أم المؤمنين خديجة رضى الله عنها للرسول صلى الله عليه وسلم :” فوالله لا يخزيك الله أبدا والله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق”.
وقد يسأل المرء نفسه: ما أحب الأعمال إلى الله..أهي كثرة الذكر والصلاة أم كثرة الصيام والاعتكاف..والجواب هي أعمال مستحبة، ولها ثواب عظيم لكن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس.. وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد ـ يعني مسجد المدينة ـ شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ـ ولو شاء أن يمضيه أمضاه ـ ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة ـ حتى يثبتها له ـ أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام. (رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وغيرهما).
أبواب الخير كثيرة لكن تبقى قضاء مصالح العباد أوسعها رحمة، وأقربها لصالح المجتمع؛ ومن ثم فهي مقدمة ومحببة إلى الله تعالى يقول صلى الله عليه وسلم، والحديث رواه أبو هريرة، عن النبي قال: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر”.
أمرنا الله تعالى بفعل الخيرات والتعاون على البر والتقوى ، وقد تكررت دعوته إلى التعاون على الخير بين الناس والنهي عن التعاون على الشر والعدوان يقول تعالى: “ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" ( المائدة: آية 2)..ويقول تعالى :”وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (الحج:77)
السعي في قضاء حوائج الناس سبب في بركة الرزق كما أن صلة الأرحام تمنح صاحبها بركة في العمر..كما أن منع الخير عن الناس سبب في زوال النعم عنهم وقد يكون سبباً في هلكتهم حيث توعدهم الله بالويل في قوله تعالى: “ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون”..ويقول صلى الله عليه وسلم: “إن لله أقواماً اختصهم بالنعم لمنافع العباد، يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم”..ويقول الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ( رضي الله عنه ): "اعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فَلَا تَمَلُّوا النِّعَمَ فَتَتَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِكُم" .
ما أحوجنا في هذه الأيام من شهر رمضان؛ شهر المواساة والصبر والعطاء والبذل والتراحم أن نبادر بقضاء حوائج المحتاجين والزهد في متاع الدنيا والشعور بمتاعب الفقراء لا أن نغرق في مشاهدة البرامج والمسلسلات والملذات حتى ولو كانت من المباحات؛ حتى لا نفرغ الشهر الكريم من حكمته ونجافي غايته فمن سعى في قضاء حوائج الناس على اختلافهم قضى الله حوائجه وثبته على الصراط ففي صحيح مسلم ومسند أحمد وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
البر مفهوم جامع لكل خير؛ فمواساة الناس في أتراحهم وأحزانهم من البر وإصلاح ذات البين وصلة الأرحام والرحمة بالمسكين والضعيف والرفق بالمريض من البر، وتسهيل مصالح العباد وقضاؤها في يسر من أعظم أبواب البر.
تماسك المجتمع وعافيته رهن بتماسكه ومساندة أفراده بعضهم بعضاً في الشدائد والملمات وتلك من أهم خصائص المجتمع المسلم ومن أسباب خيرية هذه الأمة يقول تعالى :”كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ” (آل عمران:110).. كما أنه لن يكتمل إيمان المرء إلا إذا أحب لأخيه ما يحبه لنفسه يقول صلى الله عليه وسلم “ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”..أرأيتم أعظم من ذلك حرصاً على إشاعة الحب بين الناس وتوطيد صلاتهم ببعضهم البعض..؟!
من علامات رضا الله عن العبد أن يوفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات..يقول رسولنا الكريم:” إنَّ هذا الخيرَ خزائنُ ، ولتلكَ الخزائنُ مفاتيحَ ، فطوبَى لعبدٍ جعلهُ اللهُ مِفتاحًا للخيرِ مِغلاقًا للشرِّ ، وويلٌ لعبدٍ جعله اللهُ مِفتاحًا للشرِّ مِغلاقًا للخيرِ”.
إن حوائج الناس كثيرة ومتنوعة لا تقتصر على الجوانب المادية فحسب، بل تشمل الأمور الحسية والمعنوية أيضاً ومنها النفع بالعلم وإسداء النصح واستثمارالعلاقات والجاه والشفعة الحسنة في خدمة الناس وتمكينهم من نيل حقوقهم الطبيعية في الصحة والعلاج والوعي والتعليم والعمل وغيرها من أبواب البر.
الامتناع عن مساعدة الآخرين هي خيانة للإنسانية وخطيئة لا تغتفر وبخل لا يليق بأصحاب النفوس الكريمة وأنانية لا يرجى من صاحبها خيراً..فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
تُرى كم من الناس من يمتنع عن مساعدة الآخرين وهو عليها قادر.. وهناك من يحتجب عن المحتاجين ويعرض عنهم ولا يكلف نفسه حتى الرد على اتصالاتهم تجاهلاً لرجائهم وانصرافاً عن التماسهم..فلا تكن مانعاً للخير بل حافظ على النعم بشكرها وإتمام لوزامها وتذكر دائماً قول الله تعالى:” وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (آل عمران :133،134)..وهي آية تدل على عظم أجر المحسنين والمنفقين في سبيل الله ..وتلك ولا شك رسالة لكل ميسور ومقتدر أن يتخلى عن شح النفس والبخل وأن ينفق مما استخلفه الله عليه من المال؛ فالمال مال الله ونحن مستخلفون فيه يقول الله تعالى: “آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) ..فمن يأبى أن ينال الأجر العظيم..؟!!
رسالات السماء كافة جاءت لتحقيق مقاصد أساسية وهي الحفاظ على الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال، وهذه الكليات هي التي اتفقت الأديان السماوية وأصحاب العقول السليمة على احترامها وصيانتها بطرق شتى، ولعل مد العون للناس ولاسيما الفقراء هو وسيلة لحفظ النفس وصيانتها من الجوع والهلاك وتعزيز لقيمة الدين في نفوس هؤلاء الفقراء حتى لا يهوي بهم بغض الأغنياء إذا بخلوا عليهم في مهاوي الشقاق والحقد وتفسخ العلاقات وتفكك المجتمعات.
وكما أن الصدقات والزكوات وسيلة للتكافل والتلاحم بين نسيج المجتمع الواحد فهي أيضاً وسيلة لتطهير المال والنفس لقوله تعالى:” خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا” (التوبة:103).
وإذا كان العالم مشغولاً بصراعاته وحروبه وقد نسي التعاون من أجل إسعاد البشرية وتخفيف معاناتها ولم يكفه ما سببته كورونا من فقد لملايين الأرواح وما خلفته من رعب وفزع وتوقف للإنتاج والعمل وتراجع الاقتصادات على اختلافها ..فلا أقل من أن تتنادى أمتنا العربية والإسلامية لمساعدة الفقراء والمحتاجين وأن يتبارى القادرون فيها لقضاء حوائج الناس ولو بالشفاعة الحسنة يقول الله تعالى: “ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً} [النساء: 85].
مشكلة الغارمين والغارمات من القضايا الاجتماعية الجديرة بالاهتمام في هذه الأيام المباركة وهي تدخل في باب قضاء حوائج الناس ..وقد بادر الرئيس السيسي كعادته لحل مشكلتهم موجهاً بسرعة حصر أعداد المسجونين الفعليين من الغارمين والغارمات ودراسة حالاتهم تمهيداً للإفراج عن دفعة منهم مع حلول عيد الفطر المبارك وقد عقد لهذا اجتماعاً مع رئيس الوزراء قبل 3 أيام لمتابعة جهود اللجنة الوطنية للحد من تلك الظاهرة في إطار المبادرة الرئاسية "مصر بلا غارمين".
وقد قامت تلك اللجنة بجهود لتوفير حزم متنوعة من أدوات التوعية للغارمين والغارمات واستشارات مالية بسيطة، وكذا صياغة آليات آمنة للإقراض الميسر، ودراسة المشروعات المتعثرة وتوفير الدعم المهني والتقني والتدريب اللازم على كيفية إدارتها، إلى جانب مد مظلة برامج الحماية الاجتماعية للمستحقين من أسر الغارمين والغارمات، ووضع ضوابط وإجراءات لمتابعة مؤسسات الإقراض..وهي إجراءات محمودة للدولة نرجو أن يتلقف رجال الأعمال الوطنيون الخيط ليمدوا يد العون لكل فقير ومحتاج وغارم لتتحقق الغاية المنشودة التي تسعى الدولة لتحقيقها لتصبح مصر ليس بلا غارمين فقط بل بلا فقراء أو على الأقل تقليل نسبة الفقراء لأقل حد ممكن.