لوجه الله
لا شك أن مساعدة الغارمين على سداد ديونهم وفك كرب أسرهم عمل إنسانى وسلوك أخلاقى يؤكد سمو نفس صاحبه ورغبته فى عمل الخير عن طريق كفالة هؤلاء الذين اضطرتهم ظروف معيشية صعبة الى الاستدانة والتعرض للعقوبات نتيجة العجر عن الوفاء بما عليهم من ديون.. لكنه قبل كل ذلك حق شرعى للغارم، حيث جعلهم الحق سبحانه وتعالى أحد مصارف الزكاة الشرعية الذى يغفل عنه كثير من القادرين الذين لا يتذكرون من أصحاب الحق فى الزكاة سوى الفقراء والمساكين.
والغارم الذى أمرنا القرآن بمساعدته على الخروج من عثرته هو من استدان وعجز عن الوفاء بالدين، ويندرج تحت هذا المفهوم الآلاف من المواطنين البسطاء الذين تورطوا فى ديون ثم عجزوا عن الوفاء بها فكان مصيرهم السجن، سواء قل حجم الدين أو كثر، وهناك من يعيش خلف القضبان بسبب ديون بسيطة عجز عن الوفاء بها.
الدولة المصرية تبنت نهجا سنويا وخاصة فى رمضان بفك كرب آلاف الغارمين والغارمات والرئيس عبدالفتاح السيسى يصدر توجيهاته فى رمضان من كل عام بحصر الغارمين والمساعدة فى فك كربهم ومساعدة أسرهم على بدء حياة جديدة بلا ديون أو عقوبات قانونية مع قدوم عيد الفطر المبارك.. وقد أشار تقرير لوزارة التضامن قيام الدولة بسداد 196.2 مليون جنيه استفاد منها أكثر من 11 ألف غارم وغارمة خلال السنوات الماضية، لكن تظل مشكلة الغارمين والغارمات موجودة نتيجة حاجة بعض الأسر ذات الموارد المحدودة الى المال لقضاء مصالحها الضرورية، أو عدم وعى كثير من الأسر لخطورة الاستدانة وإدمان الشراء بالتقسيط دون قدرة على الوفاء بما ألزمت نفسها به.
والواقع أن مساعدة الغارمين على إنهاء مأساتهم ليس مسئولية الدولة وحدها، بل هو فى الأساس مسئولية القادرين ماديا فى المجتمع وهم كثيرون والحمد لله، وفى أموال هؤلاء (حق معلوم) وهو الزكاة التى تنفق شرعا فى مصارف حددها الخالق سبحانه فى القرآن الكريم ومن بينهم (الغارمين) .. ومن هنا أصبح من الواجب على كل قادر ماديا أن يسهم فى حل هذه المشكلة فالله سبحانه وتعالى جعل للغارم نصيبا من الزكاة، وهذا حق شرعى لا ينبغى أن يغفل عنه هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالخير الوفير، وما أجمل أن يسهم إنسان فى فك كرب أخ له، فيسدد عنه ديونه، وينقذه من العقوبة المقررة عليه، أو إنقاذه من دخول السجن، وإنقاذ الغارمين من غياهب السجون واجب على المجتمع كله.
****
تفاقم مشكلات الغارمين فى مجتمع مزدحم بأصحاب المليارات والملايين أمر يسىء لنا جميعا، ولذلك لا ينبغى أن يكف علماء ودعاة الإسلام عن تذكير الأثرياء ورجال الأعمال بهذا الواجب الدينى والإنسانى.. أيضا ينبغى تكثيف حملات نشر الوعى الشرعى والاقتصادى بخطورة الاستدانة، لأنها تخلق مشكلات اجتماعية واقتصادية كثيرة لدى كثير من الأسر خاصة محدودة الدخل وكثير من الغارمين والغارمات كانوا ضحايا لشركات وتجار وأيضا بنوك أغرتهم بالشراء بالأجل ويسرت لهم الأمر دون التأكد من قدراتهم على الوفاء بما عليهم من التزامات مالية.. هذا فضلا عن جهل كثير من البسطاء بتداعيات الاستدانة الاقتصادية وضوابطها الشرعية.. الى جانب ما تقدمه شركات البيع بالتقسيط من تسهيلات وإغراءات وأساليب خداع وتضليل للبسطاء للتورط فى شراء سلع يتطلعون إليها وظروفهم الاقتصادية وموارد دخلهم لا تسمح بها ثم تكون النتيجة تعثر فى السداد وملاحقات قضائية تنتهى غالبا بالسجن لعدم الوفاء بالدين.
وهنا ينبغى أن تتضاعف حملات التوعية للبسطاء بخطورة الاستدانة دون ضرورة، فالدين خطر في ذاته حتي انه ليحول دون براءة الشهيد فقد صح عن النبي صلي الله عليه وسلم قوله: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين" كما يحول دون شفاعة النبي فقد روى أنه صلي الله عليه وسلم أتي بجنازة فقالوا: صل عليها فقال عليه الصلاة والسلام: "هل ترك شيئا" قالوا: لا.. قال: "فهل عليه دين"؟ قالوا: ثلاثة دنانير.. فقال صلي الله عليه وسلم "صلوا علي صاحبكم".
****
صحيح أن علماء الإسلام أكدوا أن الشراء بالأجل جائز عند الضرورة، وهو عبارة عن مبادلة السلعة أو الخدمة بثمن مؤجل كله أو بعضه على حصص معلومة تؤدى في أوقات معينة، ولا بأس فى لجوء الانسان لذلك إذا ما كان فى حاجة الى مسكن أو سلعة ضرورية أو غير ذلك.. فيجوز للإنسان أن يشترى بالأجل ما يحتاج إليه (حاجة فعلية)، أما السلع الترفيهية التى تعود كثير من غير القادرين على شرائها بالتقسيط فلا يجوز، لأن الشراء بالأجل استدانة وهى لا تجوز شرعا إلا عند الضرورة.. والإنسان مطالب بالوفاء بالدين عند حلول أجله دون مماطلة أو تسويف.. وتوجيهات الإسلام هنا واضحة.
لذلك نحن فى أمس الحاجة الى مواجهة شاملة لمشكلة الغارمين حيث تؤدى استهانة كثير من الناس وخاصة البسطاء بالاستدانة والتورط فيها دون ضرورة حقيقية والتوقيع على ضمانات عرفية فيها الى استمرار هذه المشكلة، وهناك محترفون لاستغلال حاجات هؤلاء من تجار ومرابين يحترفون إقراض الفقراء والبيع لهم بالتقسيط وتكبيلهم بضمانات مبالغ فيها تعجل بحبسهم مع أول تعثر.