لوجه الله
الدراما.. ليست مجرد أعمال فنية للترفيه والتسلية، بل لها وظائف أخرى أهم وأرقى من الترفيه والتسلية يجب أن تقوم بها فى حياة كل الأمم والشعوب، وإلا أصبحت ضربا من ضروب العبث، وإهدار الأموال فيما يضر بالمجتمع، بدلا من المساهمة فى حل مشكلاته والتعامل مع أزماته.
المشكلة السكانية التى تعانى منها مصر على مدى عقود والتى عالجتها الدراما قديما من خلال أعمال فنية متميزة مثل"أفواه وأرانب، وسواق الأتوبيس" وغير ذلك من الأعمال التى جذبت المشاهدين ولعبت دورا لا بأس به فى معركة الوعى للتنبية بمخاطر الانجاب العشوائى على الأسرة والمجتمع.. هذه الدراما غابت –للأسف- عن رمضان رغم كثافة المشاهدة فى هذا الشهر بالذات، ووجود عشرات من المسلسلات التى تتناول قضايا أخرى بعضها لا يمثل مشكلة حقيقية للمجتمع وتكلف انتاجه عشرات الملايين، بل أثار بعضها إشكاليات وجدلا دينيا واجتماعيا واسعا كنا فى غنى عنه لانحيازه لرؤى دينية بعيدة عن إجماع الفقهاء.
والتساؤلات التى تفرض نفسها هنا: لماذا غابت المشكلة السكانية عن دراما رمضان الحالى مع أن المشكلة تمثل محورا أساسيا فى حل مشكلات مصر الحالية والمستقبلية وتحظى باهتمام بالغ من المسئولين فى الدولة على كل المستويات؟
حفاوة المصريين بالدراما فى رمضان كانت فرصة مهمة لطرح المشكلة السكانية من خلال أعمال فنية تحظى بكثافة المشاهدة، فالمشكلة لها أبعاد اجتماعية أكثر من أبعادها الدينية، وتحتاج الى وعى اجتماعى أكثر من الوعى الدينى، خاصة وأن معظم الأسر الفقيرة تدخل فى سباق محموم لانجاب الأطفال بشكل عشوائى دون وعى بخطورة ما يفعلون عليهم وعلى مستقبل أولادهم وعلى المجتمع كله.
**
كان من المهم طرح المشكلة السكانية فى مصر من خلال أكثر من عمل فنى فى رمضان، فهناك مفاهيم دينية خاطئة تقف خلف هذه المشكلة كان من المهم إبراز الرؤى الصحيحة لها من خلال عمل فنى يبرز الموقف الدينى الصحيح فى هذه المشكلة التى تؤرق مصر منذ عقود، فالدين – إسلامى أو مسيحى- لا يحض على الانجاب العشوائى، وليس ضد التنظيم الرشيد للأسرة، كما أنه يلزم كل أسرة بتوفير مقومات الحياة الكريمة لأطفالها، وليس من الدين إنجاب أطفال بشكل عشوائى وتركهم عالة على المجتمع.
أيضا.. هناك العديد من المفاهيم الإجتماعية الخاطئة حول الانجاب كان ينبغى معالجتها من خلال الدرما لتصحيح وعى الأسر فى المناطق الريفية والحضرية لوضع حد لإنجاب الأطفال بشكل عشوائى حيث لا تكفى المواجهة الدينية مع أسر لا تزال ترى فى كثرة الأولاد "عزوة وقوة" مع أن أولادها فى الميزان الصحيح يفتقدون الرعاية الصحيحة وهم "غثاء كغثاء السيل" تجرفه قدرات تلك الأسر المحدودة على التربية والتعليم والرعاية الأسرية والاجتماعية.
كنا نتطلع- أيضا- لمشاهدة عمل درامى مؤثر يعرض مشكلة تفضيل كثير من الأسر للذكور على الاناث، وهى ثقافة بدوية أو "جاهلية" لا تزال تدفع كثير من الأسرة محدودة الامكانات الى انجاب كتيبة من البنات بحثا عن الولد الذكر الذى قد يأتى بعد عناء شديد كأخر العنقود الطويل، وقد لا يأتى ثم تجد الأسرة نفسها أمام عدد هائل من البنات مطلوب منها تربيتهن وتعليمهن ورعايتهن صحيا وأسريا وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهن ثم تجهيزهن للزواج بعد ذلك.. وإمكانات الأسرة لا تسمح، وتكون النتيجة الحتمية لذلك ترك هذه البنات بدون تعليم ورعاية ليضافوا الى طوابير الأميات ويتحولن الى عبء كبير على المجتمع.
**
الدراما الهادفة تستطيع أن تغير الكثير من المفاهيم الخاطئة، وكما نجح مسلسل (الاختيار) فى جذب المشاهدين وكشف الحقائق أمام من لا يعلم، نحن فى أمس الحاجة الى أعمال درامية اجتماعية تصحح المفاهيم المغلوطة- دينية كانت أو اجتماعية- وتسهم فى معركة الوعى وتسهم فى نشر الثقافة الاجتماعية والأخلاقية الصحيحة، وتواجه السلوكيات الخاطئة التى تنتشر بين شبابنا.
الدراما الهادفة تستطيع أن تسهم بدور كبير فى نهضة المجتمع ومحاربة التجاوزات السلوكية والأخلاقية.. وهذه الدراما ليست صعبة أو مملة كما يتوهم البعض ليسوق لنا دراما العنف والمخدرات والتحرش الجنسى التى لا تزال تهد فى البنيان الأخلاقى للمجتمع المصرى، وعلينا أن نشجع العناصر المثقفة الواعية من المؤلفين والمخرجين بدلا من الانصياع لعناصر منفلتة لا تزال تؤمن بأن الدراما التى تكسب هى التى تضخم عورات المجتمع وتعريه.