معاً للمستقبل
غياب الأخلاق الكريمة عن معاملاتنا وأسواقنا وعلاقاتنا الإنسانية أخطر آفات هذا العصر الذي يشهد تطورات تكنولوجية هائلة تساعد بعض معدومي الضمير على ممارسة الغش التجاري الذي يقود إلى خسائر رهيبة يدفعها المستهلك من صحته وموارده الاقتصادية.
والسؤال هنا: هل تكفي الرقابة والعقوبة وحدها لوقف نزيف الخسائر الصحية والاقتصادية المترتبة على سلوك الغش (قدرتها أحدث الإحصائيات بنحو 50 مليار دولار على مستوى العالم)..أم أن الأمر يحتاج لجهد مجتمعي متكامل للتوعية بخطورة هذا المسلك الشائن الذي تحرّمه كل الأديان والشرائع..؟!
ربما يقول قائل إن أزمة كورونا تسببت في قطع سلاسل التوريد وإنقاص المعروض من المنتجات خلال الأشهر الماضية وترافق ذلك مع ارتفاع الطلب والأسعار إلى أعلى المستويات، مما سهل للمنتجات المزيفة والمغشوشة التسلل إلى الأسواق مستفيدةً من تهافت الكثيرين على الشراء ..ثم جاءت الأزمة الروسية الأوكرانية لتضاعف حجم المشكلة ..قد يكون هذا صحيحاً لكن يبقى غياب الضمير والقيم بحسبانه العلة الأساسية في انتشار مثل هذا السلوك البغيض الذي يقتضي من الإعلام لاسيما الدراما والمؤسسات الدينية والثقافية أن تضاعف الجهد لتبيان مخاطر الغش وتداعياته على الفرد والمجتمع معاً.
الغش حرام بالإجماع سواء كان هذا الغش في الامتحانات أو في التجارة أو في أي عمل أو حتى في نصحك لأخيك.. وقد اتفق الفقهاء على أن الغش حرام سواء أكان بالقول أو بالفعل، وقد ورد في تحريمه ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فابتلت أصابعه فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس منا».
الغش آفة اجتماعية خطيرة يأباه الدين والعقل السليم والطباع السوية والنفوس الشريفة وهو نقيض النصح، فإذا زين شخص لآخر غير المصلحة، وأظهر له غير ما أضمر فهو غاش له، غير ناصح ولا أمين.
ومن ثم فلا عجب والحال هكذا أن يكون الغش قضية تربوية اجتماعية وشرعية واقتصادية، تحتاج لتفعيل دور الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة وكل ما له علاقة بصناعة الوعي والعقل والوجدان مع رقابة الوالدين والاهتمام التربوي بالأبناء وتهذيبهم وتدريبهم على الحلال والحرام والخوف من الله تعالى وحسن مراقبته.
وللغش صور مختلفة كالغش بالتدليس والخيانة والكذب وغيرها..فالمستشار مؤتمن، وكما قال رسولنا الكريم: «من استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه».
الغش من أكبر المحرمات في الإسلام وهو خيانة للأمانة التي أمر الله تعالى بها في قوله تعالى(إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، وقد يحدث الغش في كل أمر من أمور الحياة، ففي التجارة يكون الغش لترويج سلعة فاسدة وزيادة الربح، وفي المظاهر الاجتماعية لرفع منزلة إنسان وضيع أو تزكيته، حيث لا يستحق التزكية، وفي العمل بألا يؤدي الإنسان ما هو مطلوب منه أو يكذب على صاحب العمل، أو يفشي سره وكلها مظاهر دالة على ضعف إيمان العباد وطغيان الحياة المادية وسيطرتها على أهوائهم.
الأمانة إذن هي كلمة السر في انضباط السلوك الفردي والجمعي لأي مجتمع؛وهي فضيلة شبه غائبة رغم أهميتها القصوى التي جعلتها صنواً للدين وعلامة على الإيمان.. وفي الحديث الذي أخرجه البزار عن علي رضي الله عنه قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلع علينا رجل من أهل العالية فقال: يا رسول الله أخبرني بأشد شيء في هذا الدين وألينه، فقال ألينه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأشده يا أخا العالية الأمانة إنه لا دين لمن لا أمانة له، ولا صلاة له ولا زكاة له. وهذا الحديث الشريف وإن كان ضعيفاً فهو يعكس أهمية الأمانة التى قال كبار علماء الأزهر إن خيانتها من علامات النفاق كما ورد في الحديث "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".
خيانة الأمانة تجر في ذيلها رذائل عديدة تحط من قدر الإنسان أمام نفسه وأمام الله وأمام الناس، وهو ما نراه كثيراً في أيامنا هذه حتى باتت الأمانة ذكرى من تراث الزمن الجميل.. ألا ترى في واقعنا اليومي عمليات لتقليد ماركات عالمية تباع على أنها أصلية..ألا ترى غشًا فى قطع غيار سيارات أو زيوت مستخدمة بها تؤدى لحوادث أو كوارث طرق تزهق الأرواح وتبدد الممتلكات العامة والخاصة.. ألا ترى سلعًا غذائية يجري تصنيعها فى بير السلم وتعمل على انتشار الأمراض والأوبئة الخطيرة، ألا ترى غشًا دوائيًا، رغم خطورته التي تصل إلى الوفاة أو الإصابات المختلفة المهددة للحياة..هناك أمثلة كثيرة للغش ومضاره والتي ندفع جميعاً ثمنها غالياً وخصوصاً الفقراء.
المعركة مع الغش هي معركة وعي بالأساس لحماية المجتمع كله من مشكلات وأزمات هو في غنى عنها.. فإذا تحققت الأمانة فلا مكان للغش في الإنتاج أو التجارة أو التطفيف في الكيل والميزان أو التلاعب في المواصفات التي حددها العلم والقانون وارتضاها الشرع الحنيف ومكارم الأخلاق ومن ثم فقد أصبح غرس خلق الأمانة في النفوس لاسيما الأجيال الجديدة ضرورة إذا أردنا الارتقاء بالمجتمع أخلاقياً واجتماعياً واقتصادياً فإذا تحقق لنا ذلك استقرت الأسواق والمعاملات الاقتصادية التي تمثل عصب الحياة لأي مجتمع.
فأين دراما رمضان وبرامجه الكثيرة من التوعية بخطورة الغش والاحتكار والجشع الذي خلق موجة غلاء غير مبررة تصدت لها الدولة بحسم لكن غياب الضمير يلحق بنا ضرراً في جميع المجالات حتى بات الغش وباء لا يقل خطورة عن كورونا وهو سلوك لا يوجد في مصر وحدها بل ابتليت به بلاد عربية وإسلامية عديدة.
شيوع الغش والفهلوة هو نتيجة طبيعية لغياب الأمانة وهو أيضاً مقدمة لانتشار السرطان والاختلاسات والعدوان على المال العام والإتجار في الممنوعات كالمخدرات والآثار وحتى الأعضاء البشرية وهو ما انتقل إلى صغارنا وشبابنا فاستحلوا هم أيضاً الغش في الامتحانات حتى بات ظاهرة مزعجة تدق الرءوس بأسئلة أكثر إزعاجاً: فكيف يؤمن طالب نجح بالغش على مستقبل هذا البلد..كيف يؤتمن على المرضى إن أصبح طبيباً أو على المنشآت والمساكن إن صار مهندساً..أو ..أو..إلخ..؟!
وبنظرة فاحصة لما تشهده مجتمعاتنا من ظواهر سلبية متزايدة سواء شيوع العنف أو الاحتكار أو الغش أو التدليس..وكلها تجاوزات خطيرة لا عاصم منها إلا بعودة التحلي بخلق الأمانة التي توفر مناخاً آمناً في الشارع والأسواق، مناخاً اقتصادياً محفزاً للإنتاج والاستثمار حتى ولو كان المجتمع محدود الإمكانيات.
ما أحوج مجتمعاتنا في هذه الأيام لاستنهاض الهمم للتحلي بخلق الأمانة الذي يفرض على كل فرد أن يقوم بواجبه في مواجهة الغش والتدليس جنباً إلى جنب جمعيات ومنظمات حماية المستهلك لكن يبقى الدور الشعبي مهماً لا غنى عنه؛ فهذا الخلق النبيل يحمي بلادنا من أي تجاوزات أو سلوكيات خطيرة وهو القادر على ضبط المعاملات ؛ فالأمانة مصدر الثقة بين الناس بعضهم بعضاً وعن طريقها تأتي المكاسب الحلال والأرباح ..وهي أساس كل الفضائل ومن يتربى على الأمانة يعيش حياة سعيدة لما يلقاه من ثقة الناس فيه وحبهم له فلا يشكك أحد في سلوكياته ولا يرتاب في مقاصده ونواياه.
إن وجود الأمانة يعني تنظيف الأسواق من المعاملات المحرمة والمشبوهة وردع كل من تسول له نفسه ممارسة أي فساد اقتصادي، وكما قلت سلفا لا تكفي الرقابة وحدها لخلق أسواق ومعاملات نظيفة بل لابد أن يسبقها ويتوازى معها أخلاق صالحة تجعل المواطن المستهلك يقظاً لا يفرط في حقوقه ويمارس دوره بوعي ورشد في مجابهة المحتكرين والمتلاعبين بالسوق فلا ينساق مثلاً وراء شائعات يرددها بعض الخبثاء بأن هناك موجة غلاء قادمة فيسارع الناس لشراء سلع لا حاجة لهم إليها بقصد التخزين فيزداد الطلب وترتفع الأسعار فعلياً في ظل وجود معيار حاكم للسوق وهو العرض والطلب.
ما رأيناه في الأيام الأخيرة بعد اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية ومن قبلها جائحة كورونا اللتين أساء البعض استغلالهما اقتصادياً يجعلنا نردد مع مفتي الجمهورية د.شوقي علام قوله: إن عودة منظومة القيم والأخلاق إلى وجهها المضيء في المجتمع هي شغله الشاغل وأن شهر رمضان جعله الله للطاعة والزهد والتحرر من الملذات والشهوات وليس للإسراف في الطعام والشراب والاستهلاك، وأن هناك انفلاتاً أخلاقياً في المجتمع لأسباب عديدة ، وأنه من دون الجانب الأخلاقي يخسر المجتمع كثيراً؛ ذلك أن الأخلاق تبني الضمير الإنساني مصداقاً لقول المصطفى: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"؛ فإذا وُجدت القيم والأخلاق وتربى الضمير الإنساني على نحو صحيح وُجد الالتزام الطوعي التام بالقوانين وربح المجتمع كثيراً وهو ما ينبغي أن نسعى لتحقيقه عبر وسائل عديدة كالتعليم والإعلام وزيادة التوعية بحرمة وخطورة تفشي الظواهر السلبية اجتماعياً واقتصادياً عبر دروس العلم والندوات في دور العبادة والأندية وعبر وسائل الميديا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر الإيجابيات والتنفير من السلبيات.
ما أحوجنا لثورة أخلاقية تهدم السلبيات وتبني على أنقاضها صورة أخلاقية رفيعة تعلى من شأن فعل الخيرات وترك المنكرات ونشر قيم الحق والعدل والجمال والعدل والتسامح وقبول الآخر وهي قيم تربت عليها أمتنا وكانت سبباً في خيريتها التي امتدحها الله عز وجل من فوق سبع سماوات" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"(آل عمران:110).
ضبط السلوك الاجتماعي بالقدوة الحسنة ومحاكاة النماذج الرشيدة بما تنطوي عليه من رفعة وسمو.. وإيقاظ الوازع الأخلاقي في مجتمعنا أهم ما يجب أن تسعى إليه الدراما والإعلام ومؤسسات بناء الإنسان على نحو سليم تطمح إليه الجمهورية الجديدة وتسعى فعلياً لتحقيقه عبر إستراتيجية علمية وحركة مجتمعية موحدة ومتناسقة ومنسجمة تنهض بها جهات عديدة، حكومية وغير حكومية لصياغة وعي جديد، وصولاً لمجتمع خالٍ من العنف والفساد والغش والمرض، مجتمع الترابط الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؛ مجتمع متجانس بفضائله وقيمه الحضارية الموروثة وتعليمه المثمر الجيد الذي جعله الرئيس السيسي ولا يزال في صدارة أولوياته.
استعادة روحنا الأخلاقية ورونقها الحضاري ودورها الفعال في تصحيح مسار المجتمع الذي اعترته آفات أخلاقية هو رسالة ينبغي لصناع الدراما أن يعملوا على تحقيقها وتنميتها في أعمالهم لغرس قيم الانتماء للوطن والتعايش والترابط والاجتهاد وإتقان العمل وحب العلم وصولاً لمجتمع خال من العنف والفتنة والكراهية حتى يصبح الوطن هو رداء الجميع والحفاظ عليه هو غاية الجميع.
نريدها دراما تحقق ما يصبو إليه الرئيس السيسي لتنشيط ذاكرتنا القومية ومناعتنا الوطنية بإصلاح الأخلاق والضرب بيد من حديد لكل مفسد وفاسد ومستهتر ومتجريء على الثوابت وعابث وراغب في نشر الرذيلة والبلبلة وصرف الأمة عن قضاياها الحقيقية وهي التخلص من الفقر والجهل والمرض وتوفير حياة كريمة لكل مواطن على أرضنا الطيبة.