من الألف إلى الياء
لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وما تفشل في إنجازه خيارات الدبلوماسية والتفاوض في سنوات تحسمه طلقات الرصاص وأصوات المدافع في أسابيع وربما في شهور ،وتدخل الآلة الإعلامية طرفا أصيلا في ساحة القتال لتغيير الواقع علي الأرض، حيث تبرر الغاية الوسيلة ،ولا عزاء لأصحاب الضمائر والقيم الإنسانية ،فنحن في عالم مغاير ونظام عالمي يتشكل من جديد.
كل شواهد الأحداث في ميادين المعركة الإعلامية الداعمة ،تؤكد بما لا يدع موضعا للجدل أن صراعات العصر الأممية تخلع رداء المبادئ الأخلاقية السامية ،ومعها تختفي قيم الصدق وحقوق الإنسان والموضوعية والفروسية والخصومة الشريفة ،وترتدي صنوفا من الأثواب المتلونة الخادعة لتحقيق مكاسب وإنجاز أهداف بكافة الوسائل والسبل والأدوات!
لقد كشفت الحرب الأوكرانية الروسية المستعرة عن صنوف عديدة من الحرب الإعلامية قبل وبعد إشتعال الأزمة.
وأتصور أنه من القراءة الأولية،ثم التحليل المتعمق لمضمون الرسائل الإعلامية الموجهة بين طرفي الأزمة وحلفاءالمعسكرين
،سنجد الكثير والكثير من التجاوزات والممارسات الإعلامية الخاطئة، وقد يتطلب هذا الأمر دراسات بحثية متعمقة ربما يفسح المجال لها في معاهد وكليات الإعلام بعد أن تضع الحرب أوزارها.
لقد تورات تدريجيا كل قيم وضوابط لغة الخطاب الإعلامي المتوازن، وتدور رحي الحرب الإعلامية مابين التلوين والاجتزاء والتضليل والكذب ، وتزييف الوعي ،
فهل يتصور أحد ،ووفقا لإعلام الغرب أن يقتل 12 ألف جندي روسي خلال الأسبوع الأول من الحرب، أو كما قالتنيويورك بوست: أن "جيمس فاسكيز"أحد الجنود الأمريكيين المتطوعيين في أوكرانيا تمكن من تدمير 7 دبابات وأسر 159 جنديًا روسيًا،بمفرده.
كما أكدت محطات غربية أخري أن هناك مقاومة أوكرانية عنيفة وصمودا لا مثيل له ، في محاول لإطالة أمد الحرب واستنزاف مقدرات موسكو كما حدث من قبل في أفغانستان ، وكانت سببا في سقوط إمبراطورية الاتحاد السوفيتي عام 1990من القرن الماضي.
وبينما يتحاكي إعلام الغرب عن بطولات وهمية، نجد الحقائق علي الواقع مغايرة تماما حيث تتحكم موسكو في مقاليد الأمور وفي كافة مسارات الحرب!
وقد كشف هذه الحقائق مؤخرا رئيس الأركان البحرية التركى السابق ،مؤكدا أن الحرب الأوكرانية هي حرب إعلامية مفبركة، تقف ورائها الولايات المتحدة الأمريكية بهدف دعم الناتو وإقناع أوروبا بأهميته وتمويل أنشطته.
وأوضح أن وسائل الإعلام الغربية تحدثت مرارا عن المقاومة الأوكرانية ووصفتها بأنها هائلة، بالرغم من عدم عرض صورة واحدة لدبابات جيش كييف وأسلحته، ونرى الشباب الأوكراني يهرب مع النساء إلى الدول المجاورة، وطالب بعرض مشهد واحد لمعركة روسية مع الجيش الأوكراني.
وتساءل الجنرال التركى عما صوره الغرب لرتل الدبابات والعربات العسكرية الروسية وبطول ٦٠ كيلومتر، وعلى مسار طويل من بيلاروسيا حتى كييف، فأين كانت المقاومة الشرسة والهائلة؟! .
وعلي الجانب الآخر للمعالجة الإعلامية للأحداث ، بالغت أجهزة الإعلام لدي موسكو ولدي الجهات والدول الموالية لها في تقديم مبررات لغزو أوكرانيا وبأنها تمتلك أسلحة بيولوجية، علاوة علي السلاح النووي في محاولة لتبييض وجه الدب الروسي ، كما حاولت التهوين من شأن وآثار العقوبات الاقتصادية المفروضة علي روسيا وتداعيات الحرب علي مختلف دول العالم.
كما عملت الآلة الإعلامية الضخمة علي تضخيم الحشد العسكري تجاه أوكرانيا قبيل الاشتباكات وطمأنة كييف، وكأنها أصبحت بالفعل دولة من دول الناتو، ولحاجة في نفس يعقوب، وتمهيدا للأجواء علي كافة المستويات والمحاور لإشعال فتيل الحرب ثم سكب المزيد من الوقود علي النيران المستعرة دون أية اعتبارات للكارثة الإنسانية، والتي تهدد ملايين الأوكرانيين بالتشرد واللجوء والهجرة.
وبات جليا أن الأهم هو تحقيق هدف الناتو بأية وسيلة وجر روسيا لحرب إستنزاف طويلة بغية إضعافها، ثم عادت أوربا للخلف ،واكتفت بمجرد الدعم المدفوع مسبقا ، وتولت أجهزة الإعلام إدارة الحرب من بعيد!
وجاء الحصاد مرا علي كافة الأصعدة ، والمحصلة رسائل إعلامية منقوصة ومشوهه،تفتقد عناصر عديدة وأبسط القواعد المهنية في المعالجة الخبرية والتحليلية ، ومضامين إعلامية موجهة بصورة حادة ومفتضحة.
كما أسقطت الممارسات الإعلامية المعاصرة، كافة المنطلقات العلمية والقواعد والضوابط المنظمة لفكرة الإعلام، ومعها سقطت كافة نظريات الإتصال الجماهيري المثالية التي تشدق بها الغرب طويلا ، ولم يعد هناك أية صورة من صور الموضوعية ، والحيادية والتوازن الذي يمنح الاتصال الإنساني مصداقية وثقة وأطرا دلالية مشتركة تضمن نجاح الرسالة الإعلامية، التي أرسي دعائمها علماء الاتصال مثل العالم الأمريكي "ولبرشرام" ورفاقه من أهل الغرب.
ويبدو أن لعبة السياسة الأممية وصراع المصالح ستلقي بظلال سلبية وموجعة علي واقع الممارسات المهنية الإعلامية المدعومة بتقنيات الاتصال المعاصر ومنصات التواصل الاجتماعي ، وفجأة صنع الإعلام أجندة جديدة للاهتمام وتناسي العالم أو نسي قسرا، وفي لحظات قضايا حقوق الإنسان والتغير المناخي وجائحة كورونا ، وظهرت أولويات أخري بآليات جديدة تتواءم وطبيعة المتغيرات المتلاحقة والقادمة!!