المفاوضات النووية بين إيران والغرب باتت تقترب من اتفاق جيد لطهران، لكن ما هو جيد لإيران لن يكون جيدا لمجمل المنطقة العربية والشرق أوسطية..الواقع أن هناك 30 في المئة من نقاط الاتفاق لا تزال بلا حل، فملالي ايران يصرون على "الضمانات والتحقق، لأن عدم إلتزام أميركا الموثق يهدد أي اتفاق"، وهذا ما لا تستطيع إدارة الرئيس جو بايدن تقديمه على الرغم من إصرارها على الاتفاق، لأن الكونجرس لم يمنحه حتى الان الضوء الأخضر لتمرير مثل هذا الاتفاق.
لذلك فان طهران تعيش في مأزق بين الحاجة إلى رفع العقوبات والإصرار على السقف العالي الذي فرضه المرشد الأعلى علي خامنئي على المفاوض، كما ان إدارة بايدن هي الاخرى في ورطة مزدوجة، من جانب هناك الانقسام السياسي في الداخل وتنامي الاعتراض على تنازلات الإدارة الكبيرة من أجل الاتفاق، ليس فقط لدى الحزب الجمهوري بل أيضاً في أوساط الحزب الديمقراطي الحاكم، من جانب اخر هناك استياء الحلفاء والأصدقاء في الشرق الأوسط من رضوخ واشنطن لإملاءات الملالي الذين رفضوا التفاوض المباشر معها والبحث في أي موضوع خارج الملف النووي.
الازمة شرحتها مستشارة الأمن القومي أيام الرئيس بوش الابن كوندوليزا رايس، عندما قالت إن "الغرب أخطأ في قبول الاتحاد السوفياتي بشروطه في الحرب الباردة، ويجب ألا يرتكب الغلطة نفسها مع إيران".
وليس هناك اتفاق جيد بالنسبة إلى الغرب الأميركي والأوروبي، أولاً لأن الغرب تنازل عن التفاوض في شأن ملفات الصواريخ البالستية والنفوذ الإقليمي لإيران و"السلوك المزعزع للاستقرار"، وثانياً لأن مبرر السرعة هو أن مدة تأخير طهران عن الحصول على المواد الضرورية لصنع قنبلة بعد حصولها على المعرفة، هو مجرد "تسعة شهور" بحسب الخبراء و"خمسة أسابيع" بحسب إدارة بايدن، ولم يكن أمراً بسيطاً إجراء الملالي تجربة على صاروخ "خيبرشكن" الذي يعني "تدمير خيبر" ومداه 1450 كيلومتراً.
أما بالنسبة إلى إيران فإن "الاتفاق الجيد" هو الاتفاق الذي تحصل فيه على عودة أميركا للاتفاق، رفع العقوبات، الاستمرار في البرنامج الصاروخي والتمدد في الشرق الأوسط وتمويل الميليشيات التي تقاتل عنها، ثم القنبلة، فلا شيء يمنعها من الاستمرار في الشق العسكري من برنامجها النووي بشكل سري كما فعلت حتى الآن، على الرغم من رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا معنى لتكرار الكلام عن فتوى بتحريم السلاح النووي، لأنه لا دولة تنفق مئات المليارات من الدولارات وتتحمل أقسى العقوبات من أجل برنامج نووي للأغراض السلمية يستعد العالم كله لمساعدتها فيه، والكل يعرف أن مثل هذا الاتفاق النووي سيدخل المنطقة في مرحلة فوضى واضطراب أخطر مما نراه الآن، ومن الوهم أن يكون فرصة لما تريده أميركا من تخفيف التزاماتها في الشرق الأوسط للتركيز على الشرق الأقصى.
اذا تم توقيع الاتفاق قريبا فان الأيام المقبلة ستكون مفصلية على المنطقة العربية التي تعانى من هشاشة سياسية وامنية.