لوجه الله
كل عام وأنتم بخير.. هلً علينا شهر الخير والبركة.. شهر العطاء والتكافل الإنسانى والاجتماعى بين الأغنياء وأصحاب الحاجات فى كل مكان.. هلً شهر الجود والكرم، ونحن نواجه موجات متتالية من الغلاء الذى يضرب العالم نتيجة الحرب الروسية فى أوكرانيا وما نتج عنها من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة فى كل دول العالم، الأمر الذى ألحق الأذى بالفقراء ومحدوى الدخل أكثر من غيرهم، كما أشارت إحصاءات الى تضاعف أعداد الغارمين بسبب انفاق معظم دخولهم على الطعام والشراب، واحتياجاتهم اليومية، وعجزهم عن الوفاء بالتزاماتهم المادية وسداد ما عليهم من ديون.
هذه الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة التى يعيشها مئات الملايين فى عالمنا الإسلامى، يجب أن تستنفر القادرين فى كل المجتمعات الإسلامية، خاصة ونحن فى رمضان شهر الجود والكرم، لتفعيل واجب التكافل الإنسانى الذى حثنا عليه ديننا، وتجسيد نموذجه الفريد فى حياتنا المعاصرة.. فما أعظم العطاء الإنسانى والتكافل الاجتماعى والسباق فى أعمال الخير خلال هذا الشهر الفضيل، وسوف يجنى المنفق أضعاف ما أنفق، وما أكثر عطاء الخالق لعباده المنفقين، حيث يقول سبحانه:" مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون".. كما يقول عز وجل فى كتابه الحكيم:" يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة" فمن ينفق على الفقراء والمساكين وغيرهم من أصحاب الحاجات كمن يقرض الله، وهنا يقول الحق عز وجل:" من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون".
****
رمضان كله خيرات وبركات وعطايا إلهية، والعطاء فى أوقات الشدة- كما أكد علماء الدين- له أجر وثواب مضاعف، لذلك يجب أن يكون السباق فى ميادين العطاء محموما فى رمضان، خاصة وقد جاء الشهر الفضيل وهناك حالة غلاء غير مسبوقة نتيجة ما خلفته الحرب من تداعيات اقتصادية واجتماعية وإنسانية، تستوجب مضاعفة عطايا رمضان ونفحاته وبركاته التى ينبغى أن تعم كل الفقراء، وأصحاب الحاجات منهم أينما وجدوا، وكيفما كانت حاجاتهم، وفى حوزة القادرين- ولله الحمد- من النعم والخيرات ما يمكنهم من كفالة كل صاحب حاجة، ومن إعادة الطمأنينة الى نفوس كل المكروبين فى كل المجتمعات.
القادرون فى كل دول العالم يتسابقون على العطاء الإنسانى فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التى يعيشها غير القادرين، فما بالنا بالقادرين فى الدول الإسلامية، حيث يلزم ديننا القادر ماديا بمضاعفة عطائه الخيرى لتلبية احتياجات غير القادرين ماديا، وعلى الجميع أن يعلم أن توفير مقومات الحياة الكريمة ليس مسئولية الحكومات وحدها، بل هى مسئولية مشتركة بين مؤسسات الدولة المختلفة وبين القادرين ماديا، ومن هنا يجب أن تكون هناك مبادرات طيبة لإغاثة منكوبى الغلاء وهم- للأسف- كثيرون ويحتاجون الى من يأخذ بأياديهم؛ ليعيشوا فى استقرار، ويتجاوزا المحنة التى يعيشونها.
يقول العالم الأزهرى د.أحمد عمر هاشم عضو هيئة كبار العلماء: ندعو القادرين الى مضاعفة عطائهم الخيرى فى رمضان فهو ساحة للسباق فى كل صنوف الخير فالأعباء الآن أصبحت كثيرة على خزائن كثير من الدول ذات الموارد المحدودة، ولذلك ينبغى أن ينشط القادرون بالعطاء الإنسانى الذى أمرنا به الإسلام، ولدينا من الأدوات الشرعية ما يساعدنا على ذلك ولله الحمد، فالزكاة تفى بحاجات فئات كثيرة من خلال تنوع المستحقين لها، والزكوات لها مواردها المتجددة والمتنوعة، ولو ألتزمنا بإخراجها كما يأمرنا ديننا ما بقى فى البلاد الإسلامية فقير أو محتاج.. ولدينا أيضا الصدقات التطوعية، وهى باب متسع يطرقه دائما أهل الخير والعطاء، هؤلاء الذين أنار الله بصيرتهم، وأدركوا أن المال مال الله، وأنه سبحانه وتعالى استخلفهم عليه لانفاقه حيث يكون الانفاق واجبا، وايضا جالبا للرزق والبركة، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى:"... وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه وهو خير الرازقين"، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "قال الله تبارك وتعالى : يا ابن آدم أنفق أنفق عليك"، وهو ما يعني أن الإنفاق على الفقراء وأصحاب الحاجات يعود على الإنسان بالرزق الوفير، ويبارك الله فيه.
****
ما نعيشه من ظروف معيشية صعبة لا ينبغى أن يفرض علينا حالة من الكآبة والتفكير فى الهموم والمشكلات، بل ينبغى أن نبتهج بقدوم رمضان، فنحن- كم بشرنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه- نعيش فى أجواء شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير؛ كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد رزق المؤمن فيه، من فطر صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، قالوا: يا رسول الله أليس كلنا لا يجد ما يفطر الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطي الله عز وجل هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء، أو مذقة لبن، وهذا شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.
نسأل الله أن يجعله شهر تفريج للكروب ومحو للذنوب، وخلاص من الأوبئة والأمراض الخطيرة، وأن يهيىء لنا مفاتيح الخير فيه، ويعيننا على الإكثار من العبادة، والاستغفار والكرم في شهر الجود والكرم، وأن يوفقنا لنجنى ثمار رمضان.