رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

"الطب".. في الأصل رسالة تعكس صوت الحكمة وتجسد الشعور بالرحمة وتخفيف معاناة البشر من آلام المرض وأوجاعه ومخاوفه..وله في تراثنا العربي مكانة لا تُنازع وللطبيب كرامة لا تُمس.. و للإمام الشافعي مقولة أثيرة :" لا أعلم بعد الحلال والحرام علماً أنبل من الطب".. وفي تاريخنا ما يجسد تلك الرسالة بمعناها الواسع؛ فابن سينا العالم والفيلسوف والطبيب العربي العظيم لما نبغ في الطب قام بعلاج المرضى تأدبا وبالمجَان، لا تكسُبا ولا لجمع المال كما يفعل جمهرة أهل الطب في زماننا.

وكان حرياً بالأطباء، وهم ظلال الرحمة أو ملائكتها كما يقال، لو كانوا صوتاً للعمل الإنساني يتدفق كمياه دافئة تسكب في الحقول اليابسة لتحيل يباسها إلى خضرة زاهية فتتفتح أزهارها في قلوب المكدودين من المرضى فيعودوا للحياة السوية بلا خوف ولا متاعب ولا شقاء..صار بعضهم أو أكثرهم لاسيما كبراؤهم وأساتذة الطب جزءا من هذا الشقاء بما وضعوه من "فيزيتا" عالية لا يقدر عليها السواد الأعظم من المبتلين بالأمراض!

ومن ثم تتعالى الأصوات فرحاً وربما دهشة بما يصنع "طبيب الغلابة" أيا كان اسمه وتخصصه ومكانه؛ لندرة هذا النوع في زماننا حتى بات السؤال: لما تراجع الشعور بالرحمة والرفق في قلوب أكثر الأطباء..لما استغل مشاهيرهم أزمة كورونا ومن بعدها أزمة روسيا وأوكرانيا ليضاعفوا قيمة الكشف حتى أن أحد أساتذة الصدر كما يروي صديقي زاد كشفه من 600 جنيه إلى 700 بالتمام والكمال وحين همس صديقي في أذن طبيبه "المغالي في كشفه": لماذا هذه الزيادة فجاء جوابه بلا تردد : أعمل إيه الأسعار زادت..ولا أدري ما علاقة كشف الطبيب بتلك الزيادة..ثم هل كان مبلغ ال600 جنيه مقابل فحص مريض في عيادة الأخير في دقائق معدودة ..هل كان قليلاً حتى يزيده..وأين الرحمة بالمرضى..وكم مريضاً يمكنه دفع قيمة هذا الكشف دون أن يتضرر أو يضطر للاقتراض أو حرمان نفسه وأسرته من ضرورات الحياة ..الغريب أن صديقي ذهب بعدها لطبيب "مسالك بولية" زاد هو الآخر "الفيزيتا" من 400 إلى 500 جنيه..وقس على ذلك أطباءً آخرين في مجالات شتى تعدت "كشوفهم" الألف جنيه بلا مبالغة ولا يكتفون بذلك بل يفرضون مبالغ أخرى على مرضاهم إذا ما جاءوا ل"الاستشارة" التي ربما تقارب نصف قيمة فيزيتا الكشف..ناهيك عن أن هناك ما يسمى ب"الكشف المستعجل" وهو قطعاً بسعر أعلى..والأعجب أن أحد من هؤلاء الأطباء لا يعطيك فاتورة تثبت ما يتقاضاه في يده كشفاً أو جراحة تهرباً من أداء حق الدولة في الضريبة..فكيف يؤتمن مثل هؤلاء على أرواح المرضى؟!

"طبيب الغلابة" مصطلح تردد في الآونة الأخيرة وتلقفته وسائل التواصل لتجعل منه "تريندًا" يجسد إلى أي حد يتعطش الناس في ظل قسوة الظروف الاقتصادية لطبيب يشعر بمتاعبهم ويخفف عنهم آلام المرض وكلفته الباهظة نفسياً ومادياً..!!

وجود مثل هذا الطبيب الإنسان يمنح للناس أملاً أن الدنيا لا تزال بخير وهو نوع قليل لكنه موجود في حياتنا بدرجة أو بأخرى بل إنني أعرف أطباء يقدمون خدماتهم بالمجان لغير القادرين وبأسعار معقولة لعموم الناس ومن هؤلاء مثلاً طبيب الفيوم استشاري العظام والعمود الفقري الذي صار حديث الأهالي حين قرر- رغم الظروف العصيبة- خفض قيمة الكشف من 110 جنيهات إلى 60 جنيهاً فقط دعماً للغلابة..وهو ما نتمنى أن يقتدي به الأطباء على الأقل بعدم رفع أسعار الكشف التي باتت مشكلة حقيقية لقطاع كبير من المرضى الذين تضطرهم ظروف المرض للذهاب لعيادات كبار الأطباء القادرين – دون صغارهم الذين ليس لهم عيادات أصلا- على التعامل مع أخطر الحالات المرضية وأدقها وأكثرها صعوبة..وهو ما دفع مجلس النواب للتحرك لوضع حد لهذا السعار "الطبي" الذي حول "الطب" من رسالة سامية إلى بيزنس لا ينظر بعين الرحمة للظروف الإنسانية الصعبة.

فهل ينكر أحد أن ثمة "مستشفيات خاصة" لا يقدر على دخولها إلا الأغنياء والأغنياء جداً..وهي بهذا المعنى مجرد مشروع استثماري لا هم لأصحابه إلا جنى الأرباح ومضاعفة ثرواتهم تحت أي ظرف.

ربما يقول قائل إن الأطباء لاسيما كبارهم ومشاهيرهم تعلموا بالخارج وتعبوا واجتهدوا وأنفقوا على تعليمهم أموالاً كثيرة حتى وصلوا لما هم فيه، كما أنهم يبذلون جهودا وأموالاً لمتابعة كل ما هو جديد في الطب وحضور مؤتمرات وتقديم أبحاث جديدة في تخصصاتهم..أليس من حقهم أن يجنوا ثمار تعبهم..؟!..نقول: من حقهم..لكن من حق وطنهم عليهم أيضاً أن يردوا له الجميل في أبنائه..وألا يغالوا في أتعابهم وكفى المرضى ما يلقونه من مشقة وعناء في تدبير نفقات الأشعات والتحاليل والدواء الذي صعدت أسعاره لعنان السماء..من حق الأطباء أن يتقاضوا ما يكافيء تعبهم لكن ليس من حقهم أن يحولوا المهنة لتجارة وجشع يرهق المرضى ويزيدهم تعباً أو يحرمهم من الحصول على أبسط حقوقهم في الرعاية الصحية والدواء..وكفى جشع التجار والمحتكرين الذين رفعوا السلع والخدمات بلا مبرر.

السوق الطبية إن صح التعبير في حاجة لإعادة نظر وتنظيم حتى يتم تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل الذي تبناه الرئيس السيسي ويجاهد لأجل جعله واقعاً يجنى المصريون ثماره في كل شبر على أرض مصر.

وإلى أن يتم تعميم هذا المشروع الوطني الطموح الذي جرى تطبيقه في بعض المحافظات.. فإن هناك حاجة ماسة للتوسع في عيادات مستشفيات وزارة الصحة والجامعية والمعاهد التعليمية المتخصصة حتى يتأتى تطبيق هذا النظام الشامل في جميع مناطق الجمهورية، وأن يكون ذلك بأسعار معقولة تنافس العيادات الخاصة وتقضي على جشع بعض الأطباء ..وألا تكتفي العيادات الحكومية كما يحدث الآن بعدد معين من المرضى في أوقات محددة بل تمدد ساعات العمل لتغطي أغلب ساعات اليوم حتى لا تقتصر الحالات الحرجة في غير أوقات الدوام الحكومي على عيادات الطواريء فقط.

ولا أدري لماذا لا يتم تفعيل قانون يتجاوز عمره 39 عاماً يلزم العيادات والمستشفيات الخاصة بوضع لافتة بقيمة الكشف والخدمة الطبية..وحسناً فعل د.خالد عبد الغفار القائم بأعمال وزير الصحة حين أصدر قرارًا يلزمها بتلك اللافتة سعياً في وقف فوضى الأسعار ومنع المغالاة وضبط الساحة الطبية وبالفعل جرى توزيع منشور دوري منذ عدة أشهر بإلزام أكثر من 38 ألف عيادة بإعلان تسعيرة الكشف والعمليات الجراحية مع إعطاء فواتير للمرضى بقيمة ما دفعوه فعلياً لقاء هذه الخدمات..تُرى هل التزم الوسط الطبي بهذا القرار أو ذلك المنشور..الإجابة ليست خافية على أحد قطعاً.

فإلى متى يستمر جشع بعض كبار الأطباء الذين يواصلون رفع "فيزيتا" الكشف بلا رحمة ولا مراعاة لظروف الناس محدودي الدخل..وإلى متى يستمر استنزاف المرضى الفقراء في المستشفيات الخاصة التي تسحق بأسعارها الباهظة من يقع في براثنها لائذاً بها لإجراء عملية جراحية تحتاجها حالته بشدة..إلى متى نترك تلك المشكلة بلا حل..؟!

الأزمات والمحن ينبغي لها أن توحد الناس، وتدفعهم على اختلاف فئاتهم وطوائفهم للتعاون والإيثار، وجدير بالأطباء وهم ملائكة الرحمة أن ترق قلوبهم لظروف الفقراء بوضع تسعيرة تراعي أحوالهم المالية وألا يكونوا هم والمرض عليهم.

فهل قرأ الأطباء كلهم أو أكثرهم قانون نقابتهم الذي يلزمهم بوضع حد أقصى لأتعاب وكشف الطبيب ..وماذا فعلت النقابة لتفعيله..ولماذا هذا التراخي في ضبط أسعار الفيزيتا وتفعيل الرقابة على المنشآت الطبية..؟!

رأيي أن الحل يكمن أولاً في الاهتمام أكثر بالمستشفيات الحكومية وعياداتها التي إذا ما نجحت في توفير خدمة طبية معقولة تضمن علاج البسطاء وتغنيهم عن اللجوء للقطاع الخاص والاستدانة أو بيع ما يملكون للحصول على خدماته.

لقد تفتح وعينا على مقولة إن الطبيب إنسان تفرض عليه طبيعة عمله تعاملاً نبيلاً مع مرضاه يختلف عن سائر المهن الأخرى لأنه يتعامل مع مشاعر الناس وحياتهم التي قد تتعرض للخطر إذا لم يحسن الطبيب التعامل مع مرضاه؛ فنصف العلاج يتوقف على ارتياح المريض لطبيبه الذي يحسن معاملته ويدخل الطمأنة إلى قلبه ويرفع روحه المعنوية ومن ثم فلا عجب والحال هكذا أن يطلق على الأطباء ومعاونيهم من الأطقم الطبية "ملائكة الرحمة"..فهم بما يقدمونه من تعامل نبيل مع من يقصدونهم طلباً للعلاج وما ينزلونه من سياج الألفة والمودة حول المرضى يساعدهم تماما في خروجهم من دهاليز (المرض).

الجميع يقدرون الأطباء لأنهم في الحقيقة رسل الإنسانية حيث يلوذون بهم وبعد عون الله سبحانه وتعالى في استرداد العافية وما أغلى العافية..وهذا الصنف من الأطباء هم من يراعون الله في عملهم ويملكون حساً إنسانياً يحكم عملهم الذي ينبغي أن يتقدم على أي مطالب مادية بمعني أن يكسب الطبيب دون مغالاة أو جشع.

الطبيب يتعامل مع روح الإنسان أكرم مخلوقات الله؛ وهو مؤتمن على صحته وحاضره ومستقبله ..ويكفي هذه المهنة شرفاً أن الله تعالى جعلها إحدى معجزات نبيه عيسى عليه السلام الذي جاء على لسانه في القرآن الكريم :" وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ" ..وهو ما يعني أن هناك حساً إنسانياً يحكم عمل الأطباء ويخلق علاقة تواصل جيدة مع مرضاهم لما لذلك من آثار نفسية حسنة في قلوب المرضى وهي مقومات لا تُكتسب إلا بالعلم وسمو الأخلاق؛ فالجهل لا يأتي أبداً بخير ..فمن عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح كما قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز.

العلم روح الطب كما هو روح التخصصات كافة والطب صناعة ثقيلة ورسالة أثقل؛ فمهمة الطبيب هي الأهم لأنه مسئول عن الحفاظ على أرواح أصحاب المهن الأخرى، وهي رسالة تقتضيه أن يصل الليل بالنهار في الاطلاع والبحث الذي تيسرت أدواته وتوفرت مقوماته من أحدث التكنولوجيات والمعلومات التي باتت في متناول أهل المهنة والتخصص وهي مهنة تفرض على حاملها أن يقدم خدماتها لكل من يحتاج إليها صديقاً كان أو عدواً.

الطب يحوي أسراراً دفينة عن المرض والمرضى تحتاج إلى فارس مغوار على خلق فاضل يخوض غمار معركة شرسة مع المرض ليصل بمريضه لبر الأمان ومن ثم فالأخلاق والمثل الطبية العليا هي أساس تلك المهنة في كل زمان ومكان..كما تفرض أخلاقيات المهنة ضوابط وقيوداً وواجبات على الطبيب أكثر مما تفرضه النصوص القانونية واللوائح الحكومية.

ما أشد حاجتنا لاستنهاض همم أهل الطب للتمسك بتلك القيم النبيلة وتفعيلها وتسليط الضوء على النماذج القدوة ليكونوا نبراساً يضيء الطريق لمن معهم أو من يأتي بعدهم.

أما غلاء أسعار الكشف الطبي والعلاج فقد قال الأزهر ودار الإفتاء كلمتهم فيه بوضوح؛ فإذا كانت هناك صفات كريمة وأخلاق حسنة ينبغي للناس أن يتحلوا بها بالأطباء هم بها؛ لأنهم يتعاملون من أناس داهمهم المرض واستشرى فيهم الداء؛ ومن ثم فالأمانة أوجب الصفات التي ينبغي للطبيب أن يتحلى بها بعد الرحمة ورقة القلب وسعة الصدر؛ لأنه أدرى الناس بأحوال المريض ووسائل علاجه؛ وعليه أن يرشده إلى ما ينفعه بكل أمانة ودقة وألا يفشي سره وعدم المغالاة عليه والوصول به إلى طريق الشفاء"..فإذا فقد الطبيب هذه الصفات فقد أهم خصائص مهنته".

نقول لكل طبيب ونحن على عتبات الشهر الكريم: ارحموا من في الأرض يرحمكم من السماء..لا تكونوا أنتم وقسوة المرض على الضعفاء..والأمل كل الأمل أن تسارع الحكومة بإتمام أهم مشروع قومي وهو تعميم التأمين الصحي الشامل على كل المواطنين؛ فهو قادر على التصدي لكل جشع أو مغالاة في الكشف أو العلاج وهو يتكفل بالفقراء ويرحم آلامهم وينقذهم من براثن الفقر والمرض.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة