لوجه الله
انطلقت فى العالم كله دعوات مكثفة لترشيد الانفاق السفهى وخاصة فى الطعام والشراب، ورغم مواكبة هذه الدعوات لتداعيات الحرب فى أوكرانيا وتأثيرها الكبير على ارتفاع أسعار الغذاء فى العالم كله، وما نتج عن ذلك من معاناة حقيقية لمحدودى الدخل والفقراء إلا أن الدعوة الى ترشيد الانفاق التى أتحدث عنها هنا لها أبعاد دينية واقتصادية وصحية وينبغى أن نفكر فيها فى كل الظروف والأحوال، سواء استمرت تداعيات الحرب وتزايدت أسعار وتكلفة معيشة الإنسان، أو خلصنا الله منها وعادت الأمور طبيعية، وإن كان معظم خبراء الاقتصاد فى العالم يؤكدون استحالة عودة أسعار الغذاء وتكلفة المعيشة الى ما كانت عليه قبل الحرب فى أوكرانيا.
دينيا.. لا تتوقف الدعوات والنصائح والتوجيهات والفتاوى التى يطلقها علماء الدين لترشيد الانفاق ووقف السفه الاستهلاكى خاصة ونحن مقبلون على شهر الصيام الذى حولته كثير من الأسر الى موسم سنوى للإسراف والسفه الاستهلاكى.. فالاعتدال مطلب شرعى، والإسراف مذموم في كل الأحوال بصرف النظر عن حالة الإنسان المادية، فليس معنى أنك تمتلك الكثير من الأموال أن تنفق على نفسك ومن تعول بسفه، هذا سلوك يرفضه الشرع ويدينه وينبذ فاعله.. فديننا يأمرنا بالاعتدال فى كل شىء وخاصة فى الطعام والشراب، والله سبحانه وتعالى يمتدح عباده المؤمنين الذين يتبعون طريقا وسطا في كل تصرفات حياتهم، وفي إنفاقهم للأموال التي استخلفهم الله عز وجل عليها، فيقول سبحانه: "وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً".. أى أنهم فى إنفاقهم يتبعون طريقا وسطا من غير إفراط ولا تفريط، فلا يميلون إلى الإسراف في نفقاتهم حتى ولو كان ذلك على أهليهم وأولادهم، ولا يبخلون بما أتاهم الله من فضله، لأن البخل مذموم شرعا، كما أن السفه مذموم.. يقول الله تعالى عن البخلاء: "وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، ومن وصايا الخالق سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم قوله سبحانه: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا".. وبذلك يحدد الدين طريق الانفاق السوى، وهو أن يكون الإنسان وسطا في جميع تصرفاته، لقوله تعالى:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً".
****
اقتصاديا.. يؤكد خبراء الاقتصاد فى العالم على ضرورة مراجعة السلوك الاستهلاكى، فقد نقلت الحرب فى أوكرانيا وما نتج عنها من تداعيات العالم من مرحلة الى مرحلة أخرى أكثر صعوبة، حيث شح الغذاء عالميا وارتفعت تكلفة انتاجه ونقله وتداوله، وبالتالى لم يعد هناك بدا من ترشيد الاستهلاك، فالسفه الاستهلاكى له تأثير كبير على الحالة الاقتصادية للأسرة والمجتمع والدولة، وأصبح أكثر من 70% من المواطنين وخاصة فى المجتمعات العربية كثيفة السكان وفى مقدمتها مصر داخل منطقة المعاناة المعيشية، حيث يصعب أن تفى دخولهم بالتزاماتهم المعيشية، وخزائن الدول أصبحت مثقلة بالأعباء ومهما تنوعت الحزم الاقتصادية للمواجهة فسوف تنعكس حتما على مستوى معيشة معظم مواطنيها.
من هنا فسوف تعانى حتما تلك الأسر التى تعودت على نمط معين من الاستهلاك إذا لم ترشد نفقاتها، وفى مجتمعات كثيرة الآن تمتلك بعض الأسر المال، ولكنها لا تجد فى محلات بيع الطعام ما يلبى احتياجاتهم التى تعودوا عليها، ومن هنا أصبح الاعتدال فى الاستهلاك وتعويد النفس على تلبية احتياجاتها الغذائية دون سفه هو الموقف الصحيح والمفيد للإنسان فى كل الأحوال.
ونحن فى مصر والبلاد العربية يجب أن نتخذ من شهر الصوم فرصة لترشيد السلوك الاقتصادى، حيث يجب اغتنام هذا الشهر الفضيل لترشيد نفقاتنا وتصحيح سلوكياتنا الاقتصادية الخاطئة التى تؤدى الى إهدار نعم الله، كما تلحق بنا الأذى النفسى والبدنى عند عدم توفر ما تعودنا عليه.
وهنا أناشد الأسر التى تمتلك القدرة المادية أن تكف عن السباق المحموم فى الانفاق الترفى المستفز، وأن تتخذ من الشهر الفضيل فرصة لسباق أهم وأعظم عند الله وعند الناس وهو السباق فى وجوه الخير الكثيرة والمتنوعة، والقيام بواجب التكافل الاجتماعى والانسانى مع الفقراء، حتى نجسد المعانى الحقيقية للصوم وما يحمل من تقوى وإصلاح للنفوس وتطهير لها من الذنوب والمعاصى.. وتذكروا أن رمضان شهر سخاء وعطاء وأن الله سبحانه وتعالى يجزل العطاء لعباده المنفقين بسخاء وإخلاص.
****
صحيا.. أكد الأطباء وخبراء التغذية والصحة العامة أن الإسراف فى الطعام يجلب كما هائلا من الأمراض الخطيرة للإنسان، حيث تبارى أطباء القلب والأوعية الدموية والجهاز الهضمى والكبد والكلى وغيرهم فى رصد الأمراض الناتجة عن الإسراف فى الطعام والشراب.
لقد أكد الأطباء أن تقليل كميات الطعام التى يتناولها الإنسان يوميا يؤدى لاستعادة حيوية الجسم، والتخلص من كثير من الأمراض والمشكلات الصحية الناجمة عن الإسراف، فالحقائق الطبية تؤكد أن الصيام المتقطع- أى لساعات محددة كل يوم- يساعد فى التخلص من كثير من المشكلات الصحية، ويزداد مستوى الجلوكاجون للحفاظ على مستوى الجلكوز فى الدم حتى يتم استهلاك كمية الجليكوجين المخزنة كمصدر للطاقة، ومع استمرار الصيام واقتراب وقت تناول الطعام يلجا الجسم الى مصدر آخر للطاقة من خلال أكسدة الأحماض الدهنية..هذه العملية ينتج عنها فوائد كثيرة لجسم الانسان حسب الأبحاث العلمية، من أبرزها: نقص مستوى الدهون الضارة منخفضة الكتلة، والثلاثية فى الدم؛ مما يحسن وظائف القلب، ويحسن مباشرة الدورة الدموية، الى جانب انخفاض معدل ضغط الدم، وزيادة فى عدد كرات الدم الحمراء والصفائح الدموية وخلايا الدم البيضاء المناعية، ومن ضمنها الخلايا الليمفاوية والتى لها تاثير دفاعى مباشر ضد الفيروسات مما يحسن مستوى المناعة بشكل مباشر.
وفى شهر رمضان علينا أن نصحح المسيرة ونتوب عن السفه الاستهلاكى للطعام فالصيام- كما أكد أساتذة الصحة العامة- يحسن حالة الجسم الصحية العامة، ويحسن من حالة المناعة على وجه التحديد، وهى خط الدفاع الاول لكل الأمراض والفيروسات.. كما يحسن الصيام حالة مرضى الأمراض المزمنة بشكل مؤكد بالأدلة العلمية مما ينعكس بوجه عام على صحة الجسم ومقاومته للامراض.