رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

إلى أين تتجه البشرية..وماذا ينتظر العالم بعد أزمتين عاصفتين هما الأكثر خطورة بعد الحرب العالمية الثانية..ألم تكن محنة كورونا كافية لتعود الدول الكبرى إلى رشدها وتعلم أن للكون رباً يدبره وأياماً يداولها بين الناس والقوى العظمى..أليس من المفترض أن المحن ترقق القلوب وتجعل البشر أكثر استعدادًا للعطاء والإيثار و نبذ صراعات النفوذ والهيمنة على العالم والأطماع التي تجر البشرية للحروب والخراب والدمار والتشريد والجوع وتبديد الأمل وزرع الخوف في قلوب الناس..ألم تكن محنة بحجم كورونا كافية للعودة للإنسانية وأنسنة العلاقات الدولية والتقارب والتراحم والعطاء عن طيب خاطر وتوجيه مزيد من الأموال للأبحاث الطبية للتوصل لعقار ناجع لكورونا..بعد أن ذاقت البشرية ويلات الفقد والمرض بفيروس ضعيف لا يُرى حتى بالعين المجردة..؟!!

ألم تكن جائحة كورونا كافية ليتذكر البشر دولاً وشعوباً، رؤساء ومرءوسين أن الكل أمام قدرة الخالق ضعيف لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً..ألم تكن فرصةً سانحة لتحقيق العدالة الدولية وأن تستجيب شركات الدواء لنداء الإنسانية أولاً ثم لدعوة منظمة الصحة العالمية بمد يد العون للدول والشعوب الفقيرة وتحقيق العدالة في توزيع اللقاحات ومن ثم الأدوية الضرورية لتخفيف آلام ملايين المرضى حول العالم الذي بات قرية صغيرة بدلاً من جرجرته لحروب سوف تعقبها مخاطر اقتصادية هائلة تسبب مزيداً من الفقر والمجاعات وسوء التغذية في مناطق شتى حول العالم..فما ذنب الأبرياء أن يؤخذوا بجريرة الكبراء..؟!

وماذا فعل العالم إزاء تحذير تلك المنظمة الدولية بضرورة الاستعداد الجيد بمزيد من الأبحاث والدراسات وأخذ الحيطة والحذر لمواجهة تحدٍ جديد يتمثل في هجوم فيروس شرس وخطير سوف يتسبب في موت ملايين البشر..ذلك أنه كلما تقدمت البشرية وارتقت علومها ظهرت فيروسات جديدة أكثر قدرة على التحور والفتك بصورة غير معهودة مثل فيروس الإيدز وإيبولا وسارس وأخيرا وليس آخراً كورونا المستجد.

كم كانت كورونا كاشفة لهشاشة هذا العالم وخصوصاً دوله الكبرى بكل ما أوتيت من تقنيات وقوة وما تمارسه من استعلاء وجبروت لم يصمد أمام كائن أكثر هشاشة لكنه أسرع انتشاراً وفتكاً، كما كشفت تلك الجائحة عن عدم جاهزية هذا العالم في مواجهة تلك الفيروسات على اختلاف أشكالها ودرجة شراستها.

وفي رأيي أن النتائج النهائية لتداعيات كورونا لم تتضح بعد، ولن تكون كذلك إلا بعد إحصاء العدد النهائي للضحايا وإن كانت دراسة نشرتها مجلة "لانسيت" العلمية ترفع العدد "الحقيقي" لوفيات كورونا لما يعادل 3 أمثال الأعداد المعلنة على مستوى العالم..وفي المقابل لن يُعرف الحجم الفعلي للخسائر الاقتصادية عالمياً إلا بعد تحديد المدة التي تمكن فيها هذا الوباء من وقف عجلة الاقتصاد العالمي ..فكلما طالت مدة المعركة مع الوباء خصوصاً في الدول الصناعية الكبرى كان حجم التغيير والتداعيات أكبر وإن كانت النتائج الأولية تقول بوضوح إننا أمام أزمة غذاء عالمية وموجات تضخم تسبب فيها تعثر سلاسل الإمداد العالمية جراء الوباء ناهيك عن تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية التي لم تظهر بعد نتائجها الكارثية على العالم أجمع.

أما كورونا فلابد من قراءة بعض المؤشرات الواضحة؛ فقد كانت نظرية الوباء القاتل أسيرة كتب التاريخ وأفلام هوليود، كما كانت مقصورة على كثير من الأبحاث الطبية لفهم سرعة تطور الفيروسات ومدى مناعتها المتجددة تجاه العلاجات وقدرة البكتيريا على الصمود أمام المضادات الحيوية ..لكن هذه النظرية لم تعبر حاجز البحث العلمي إلى نطاق الأمن القومي الواسع؛ فرغم ما واجهه العالم من أوبئة وجائحات عبر التاريخ استمرت القوى العظمى في التعامل مع العدو المرئي تطبيقاً لنظرية السيطرة فقط دون أن تتمكن من تطوير قناعة بضرورة حشد موارد ضخمة لمواجهة عدو غير مرئي كالفيروسات وغيرها.

ورغم ما قد يبدو من خطورة داهمة لوباء كورونا لكن البشرية عانت فيما مضى جائحات أشد تدميراً من كورونا؛ ذلك أن الأنفلونزا الإسبانية مثلاً أودت بحياة أكثر من 50 مليون إنسان في العقد الثاني من القرن المنصرم، وهو رقم يتجاوز ضحايا الحرب العالمية الأولى بكثير ناهيك عن ضحايا الطاعون الثالث(1855-1955) والذين جاوزوا ال12 مليوناً..لكن يبقى أن تداعيات كورونا اقتصادياً واجتماعياً قد تماثل وربما تتخطى الأثر الذي أحدثته كل الجوائح السابقة حيث لا يعلم إلا الله متى تنقشع هذه الغمة.

وفي كل الأحوال فإن الحقيقة الماثلة أمامنا الآن أن الأمن الصحى بات على رأس أولويات وإستراتيجيات دول عظمى بنفس مستوى اهتمامها بتكنولوجيا الأمن الدفاعي؛ فقد ثبت أن الأنظمة الصحية القائمة حتى في أعتى الدول عجزت عن التعامل الاحتوائي الفوري والحاسم مع كورونا؛ ومن ثم فلا غرابة أن تخرج علينا تقارير مراكز أبحاث أمريكية لتؤكد الحاجة لمزيد من الأمن الصحي على قاعدة ثابتة وقوية وسياسة وقائية استباقية للحماية من الأوبئة فضلاً عن تحقيق الصمود والمرونة اللازمة فوق ما تسمح به السياسات المتبعة الآن القائمة على رد الفعل فقط.

لقد خرجت أمريكا من الحرب العالمية الثانية بمكاسب جعلتها قوى عظمى؛ فنيران الحرب لم تطل أراضيها..لكن لا يخالجنى شك أن من سيخرج أولاً من جائحة كورونا فسوف يتمكن من تحقيق نقاط هائلة على سلم السيطرة على النظام العالمي..والصين هي أكبر المرشحين للعب دور أكبر قد يغير التحالفات وموازين القوى العالمية؛ ذلك أن لديها إمكانيات إنتاجية هائلة سوف تحتاجها دول منكوبة لا تزال تواجه هذا الوباء وتداعياته..سوف تتبدل تحالفات وتولد تجمعات اقتصادية وسياسية جديدة.

جائحة كورونا شأنها شأن الجوائح كافة قد تدفع أيضاً إلى تغييرات تؤثر كثيراً في مسارات الفكر والفلسفة والدين؛ بحسبان الجوائح عقاباً إلهيا على فساد إنساني وقد شهدت الأفكار الدينية نقاشات كثيرة أفرزت تفسيرات ومدارس أكثر براجماتية جاوزت الحدود القصوى في الخروج على الدين بدلاً من أن تعود إلى رشدها ..كما قطعت تلك الأفكار شوطاً كبيراً في القرن الماضي ..ونأمل أن تدفع كورونا في اتجاه مغاير لتكريس أفكار وأيديولوجيات جديدة تعود بالإنسانية إلى صفائها وتعميق مفاهيم التعاون البشري انطلاقاً من قضايا أساسية مثل مواجهة تغير المناخ ومكافحة الفقر ونقص الغذاء والكوارث الطبيعية.

ولا يخفي ما تتركه الجوائح من بصمات على الثقافة والشعر والرسم والفنون كافة ..وقد بدأت إرهاصات الأثر الثقافي المباشر لكورونا على مواقع التواصل الاجتماعي التي تمور وتتفاعل بأفكار وفيديوهات وتدوينات ترسم مساحة كبيرة للتغير المتوقع في المجتمعات ما يعني أننا على موعد مع تغيير كبير سيطال العالم أجمع.

وليت الأمر وقف عند حدود كورونا وتداعياتها الأليمة بل إن أزمة روسيا وأكرانيا أشد وأنكى فقد زادت الطين بلة وسوف تغير العالم قطعاً للأسوأ فالكل خاسر حتى ولو لم يكن طرفاً مباشراً في الصراع الجيوسياسي وتعقيداته الدولية والإقليمية التي ضاعفت حالة الضبابية واللايقين في مقاربات المتابعين والمراقبين بشأن مآلاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية بصورة أفدح ..وحيال شكل وطبيعة العلاقات الدولية مستقبلاً ورغم وضوح أهداف ودوافع الجانبين بقيت مسألة تطور النزاع وتوسعه المحتمل ككرة الثلج خارج حدود سيطرة أطر التفكير المنطقي.

لقد نزعت الأزمة بتداعياتها الخطيرة اهتمام وقلق العالم أجمع ولأول مرة يجري الحديث عن إمكانية استخدام السلاح النووي لحسم المعركة يستشهد بعض المحللين بمقولة خطيرة نسبوها للرئيس بوتين مفادها: "ما جدوى العالم إذا لم تكن فيه روسيا"..وحتى لو كان مثل هذا الكلام ضرباً من اللامعقول وحتى لو نجا العالم من شفا الهاوية النووية فكيف سيكون شكل العالم الذي سيولد من رحم تلك الأزمة وما محددات العلاقات الدولية المترتبة عليها..وإلى أين تصير معالم القوة الحقيقية بين الأطراف المنخرطة في الحرب بصورة مباشرة أو بينها وبين تلك التى تقود وتوجه مجرياتها من وراء الكواليس..وما طبيعة التحالفات التي ستنبثق عنها دولياً وإقليمياً..وماذا عن عالمنا العربية وشرقنا الأوسطى..؟!

ليس سهلاً التنبؤ بما ستفصح عنه الأيام والأشهر التي ستعقب انقشاع غبار المعركة ..ولا موازين القوى الدولية والأسس التي ستنهض عليها..إنه مخاض صعب لم تشهد البشرية منذ عقود طويلة.

روسيا لم تترد في الكشف عن أهدافها من خوض تلك الحرب من وحي الحفاظ على أمنها القومي الذي رأت في تمدد الناتو ووصوله لحدودها في أوكرانيا تحديداً تهديداً مباشراً لوجودها..وفي ظل غياب النتائج الحاسمة للنزاع من ناحية وتصعيد الغرب ضد موسكو من ناحية ثانية يصبح من المبكر الحديث عن أي استقرار دولي أو ملامح للعلاقات الدولية أو النظام العالمي الجديد..لكن المؤكد أن تلك الأزمة ستخلق اضطراباً سياسياً دولياً واسعاً لا يقل جسامة وتعقيداً عن تداعياته الاقتصادية والتجارية.

أما الأكثر تضرراً من تلك الأزمة حاضراً ومستقبلاً فهي كالعادة الشعوب المستضعفة والدول التي تجاهد لتعيش تماما كما دفعت ولا تزال الثمن باهظاً في أزمة كورونا التي ينبغي ألا يخدعنا انحساره الظاهري فنتخلى عن حذرنا ونترك الإجراءات الوقائية والاحترازية.

أزمة عالمنا اليوم أن دوله الكبرى تخلت عن إنسانيتها فلم ترحم الضعفاء بتحقيق عدالة اللقاحات ولا رحمتها بالبعد عن الاستفزازات والجلوس إلى طاولة المفاوضات لوضع الحلول بدلاً من إذكاء نيران الحروب التي تأتي على الأخضر واليابس وتدفع بالبشرية إلى مصير مظلم ومستقبل بائس.

وكفانا ما لقيناه من عناء في مجابهة كوفيد 19 الذي تنبأ به وبغيره من الفيروسات الفتاكة علماء كثيرون من بينهم عالمنا الفذ د.مصطفى محمود والأمريكي جو شو ليدبرد صاحب نوبل ..كما توقع دافيد نابارو مدير الصحة بجامعة كولدج البريطانية أننا أمام سيناريوهين لا ثالث لهما إما التوصل إلى لقاح ناجع لكورونا أو التعايش معه بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر على حياة البشرية جميعاً.

كنا نتوقع أن تسارع الدول الكبرى والشركات عابرة الحدود ذات الميزانيات العملاقة بتخصيص جزء من ميزانياتها لدعم الأبحاث الطبية الخاصة بمجابهة الأوبئة والفيروسات وعلى رأسها كورونا التي لا تزال جاثمة فوق صدور العالمين والتأهب لمجابهة ن فيروسات متوقع ظهورها ما دامت البشرية سادرة في غيها وصراعاتها..فمثل وباء كان كفيلاً باستعادة الوجه المشرق للإنسانية إلا أنه لم يحدث بل وقع العالم في شراك الأزمة الروسية الأوكرانية التي لا يعلم إلا الله إلى أين ستأخذنا بعد أن اهتزت الاقتصاديات واضطربت الأسواق وارتفعت الأسعار وازداد الفقراء فقراً حول العالم..ما أحوج العالم كله للتعاون وترك الأحقاد والأطماع لتنفض البشرية عن كاهلها عناء الصراعات وتعود للتراحم والتسامح ..ويحدونا الأمل أن تتغير خريطة العالم للأفضل وأن تغير المنظمات الدولية من آلية عملها لتصبح أكثر عدالة وإنصافاً للمظلومين والمقهورين دولاً وشعوباً ليعود السلم والأمن الدوليان وتتوقف شريعة الغاب وتتحقق المصداقية للنظام الدولي ومنظماته وعلى رأسها مجلس الأمن الذي آن له أن يراجع نفسه ويوسع عضويته ويفسح المجال للشفافية والعدالة وعدم الكيل بمكيالين.

إن ما يشهده عالمنا من كوارث وحروب متزايدة تبعث برسائل عديدة أهمها أنه لا سلام ولا أمان إلا بالرجوع للحوار والتعاون الدولي الذي بات ضرورة حياة وطوق نجاة للإنسانية من دمار تطال شظاياه الجميع شاء من شاء وأبى من أبى..ونحمد الله أن حكومتنا لا تزال تبذل جهوداً كبيرة للسيطرة على التداعيات السلبية سواء لكورونا أو الأزمة الروسية الأوكرانية واتخذت من الإجراءات ما ينتصر للمواطنين من جشع التجار ورفع الأسعار بلا مبرر وهو ما يحتاج منا جميعا أن تتضافر جهودنا خلف الدولة لنعبر أزمات لا يد لنا فيها بل إن البشرية كلها سوف تدفع الثمن إذا لم توقف تلك الحرب وتوجه مزيداً من الأموال لتوفير علاجات ولقاحات تمنع الأضرار الناجمة عن كورونا وغيره من الفيروسات المتوقعة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة