من الألف إلي الياء
التنمية الحقيقية منظومة متكاملة لها شقان ، أحدهما مادي والآخر وجداني ،والتوازن بينهما يقودنا لأسهل الطرق والمحاور لتحقيق الأهداف والمبتغيات والإستراتيجيات العليا.
ومع تنامي متغيرات العصر وتسارع الأحداث وتشابك المصالح الأممية هناك إشكالية مجتمعية أصابت الكثيرين بالإحباط والقلق من المستقبل ،بعد التراجع التدريجي في القيم الأخلاقية، وتنامي القيم المادية والنفعية والتوحش المادي،كحصاد طبيعي ،ونتاج النفوذ والتسلط الرأسمالي ،والذي تسلل تدريجيا من مستويات الدولة والسياسات الأممية إلي نطاق الفرد والجماعة وأصبح لدي كثيرين منهج حياة وأمست حسابات المصلحة والورقة والقلم هي سيد الموقف.
ومع هذه الحالة العصرية المؤلمة ،وتنامي هموم وأوجاع أبناء المعمورة تورات تدريجيا قيم التراحم والنزاهة والشرف والشفافية، والتعددية وقبول الآخر وبدأت تأخذ طريقها للرحيل ، وحلت مكانها حالة أشبه بالفراغ القيمي وغياب فكرة المباديء الإنسانية أو تلونها ، والتي حددت أطرها كافة الشرائع السماوية والفطرة الإنسانية السوية.
والحصاد الأسوأ لهذا الرحيل القيمي ، الاستقطاب الحاد ،وانتصار لغة القوة والهيمنة وتفشي الإستغلال والإحتكار والعراك المادي المحموم، وهو ما انعكس سلبا علي الترابط والإستقرار المجتمعي.
ومن الآثار السلبية أيضا نشوء طبقة من الرأسمالية الصغيرة الحانقة أشد شراسة من الكبار، وتسعي بكل السبل للوثوب والوصول إلي القمة علي حساب البسطاء وعبر رقاب متوسطي الدخل والحال.
وبالنظر لتجارب الدول التي حققت نجاحات وقفزات تنموية عملاقة ستجد أن القاسم المشترك هو دعم قيم الترابط والتعاون والإنتماء الوطني ونكران الذات لتحقيق الأهداف والإستراتيجيات العليا.
لذا تظل المنظومة القيمية بما تحويه من ضوابط وضمائر حيه رشيدة، وإحترام للآخرين ، هي رمانة الميزان التي تحفظ كيان المجتمع وتحكم العلاقات في رحلته للنمو والنهوض والإصلاح وصناعة التنمية الشاملة.
إن قضية ضبط الإطار القيمي كانت ولاتزال هي أساس مفهوم التنمية المجتمعية المستدامة التي تسمح بالإستغلال الأمثل للموارد دون هدر ودون إستنزاف ،حفاظا علي حق ونصيب الأجيال القادمة ، وتلك هي المعادلة الصعبة العادلة التي تضمن تحقيق الرقي والنمو المتوازن.
وأتصور أن مؤسسات التوعية والإعلام والتربية النظامية وغير النظامية،بما تملكه من آليات ووسائل وأدوات وروافد يجب أن يكون لها دور أساسي في ضبط أداء منظومة الضمير الإنساني وبناء جدار المفهوم القيمي باعتباره المبادئ العامة التي توافق عليها الناس، وهي مسئولة عن تحديد ما هو سيئ أو جيّد بناءً على وجود قاعدة ثقافية أو اجتماعية مشتركة.
،فلاريب أن غرس القيم الايجابية لها مردود يؤثر تأثيرا شاملا على الأفراد ضمن البيئة الاجتماعية أو الاقتصادية لأنها تمثل المركز العام للسلوك الإنساني على الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية.
وفي ظل هذه المستجدات محليا وإقليميا ما أحوجنا لعودة قيم النزاهة والتعاون والتشارك الاجتماعي، والتكاتف الوطني لتجاوز كافة الأزمات.
وأتصور أن إعادة بناء وتشكيل القيم الذاتية لدى الأفراد ،هو الخطوة الأولى في تدشين المجتمع الصالح.
واتصور أن أهم مراحل بناء القيم الذاتية الصدق مع الذات ومع الآخرين وتقويم بعض السلوكيات وتنمية بعض المهارات المفيدة التي تجعل الفرد قادرًا على الإحساس بذاته وتحمل المسئولية الأقوال والأفعال جميع القرارات الشخصية، هذا علاوة على الاهتمام بالأخلاقيات الحميدة، وتحويلها إلى سلوكيات يومية تعكس الشخصية الإنسانية الإيجابية،وبناء ثقافة الإعتذار، وتحمُّل المسئولية المترتبة عن ارتكاب الأخطاء وإحداث التأثير الإيجابي في الآخرين، وتجنب الأثر السيئ الناتج عن سلوكيات بعض الأشخاص في البيئة المحيطة.
وأيضا التخطيط للحياة بشكل ملائم، والأخذ بزمام المبادرة من أجل تحقيق الأهداف.
أما بناء القيم تجاه الآخرين فيبدأ بإحترام فكرة التعدد والإختلاف وعادات الآخرين وتقاليدهم ومعتقداتهم والاستماع إليهم بصدر رحب،
وتقبل الآراء المخالفة والسماح لهم بالتعبير عنها بالشكل المُناسب، وإن لم تتفق وجهات النظر بين الأطراف، إضافة إلى تقدير الفروقات الفردية وبعض الاعتبارات الأخرى.
وسيظل الغرس القيمي بما يحمله من مبادئ وضوابط، هو الأمل واول خطوات الإصلاح النفسي والاجتماعي ورمانة الميزان في بناء وطن قوي ومجتمع أكثر أمنا وإستقرارا وترابطا،. واتقاء شرور ومفرزات العصر المادي.