رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلي الياء

كافة مؤشرات الواقع المر الذي نعيشه تؤكد أن أزمات العصر وبلاياه، صناعة بشرية في المقام الأول ،وضحاياها بشر ويحصد مكاسبها ويجني ثمارها بنو البشر.

ولعل النموذج الأبرز خلال لهذه الأزمات الأممية كانت جائحة كورونا وتداعياتها السلبية وتنافس الشركات الدولية المحموم في إنتاج اللقاحات والأدوية المساعدة، وانتشار تجارة و"بيزنس" التطعيمات مع بقاء علامات إستفهام كثيرة دون إجابات شافية، وحتي إشعار آخر تتعلق بأسباب تفشي الفيروس ومتحوراته، كالنار في الهشيم ،والعجز عن حصاره والقضاء عليه!

وأيضا تفاقم كارثة العدوان علي البيئة ،وإهدار الموارد نتيجة إستمرار الأنشطة الصناعية للدول الكبري وتزايد الإنبعاثات الغازية ومخلفات الوقود الأحفوري وما تبعها من تغيرات مناخية متباينة، واحتباس حراري وتأثيراته السلبية علي الإنسان والحيوان والنبات، والإخلال بالتوازن البيئي الطبيعي.

ثم جاءت الحرب الأوكرانية والتي تدور رحاها وتكتوي المعمورة بأصدائها، ومعها جاء من جديد صنوف فئات وتجار المحن والأزمات ، ومع طغيان الجموح المادي والتراجع القيمي والتراحم الإنساني ، فلا سلطان علي هؤلاء الطامعين ومستغلي الأزمات إلا القوانين واللوائح والضوابط الحاكمة وسلطة الدولة كرمانة الميزان في المراقبة والمتابعة وفرض العقوبات علي المخالفين.
ولذا تضطر بعض الدول إبان الحروب والنزاعات لفرض الأحكام العرفية الخاصة وحالات طوارئ لمحاصرة هذه التجاوزات التي تهدد كيان وإستقرار الدولة.

وعلي المستوي المحلي ولتشخيص أزمة الغلاء التي إجتاحت بلادنا وما تبعها من دعوات للاستغناء والمقاطعة ،أتصور أنه من الحكمة وضع النقاط علي الحروف وتحديد مواطن الخلل وأسباب الأزمة.
بداية لابد أن نعترف أن التداعيات الحاضرة للحرب وآثارها المباشرة وفرض حصار إقتصاد علي روسيا، هيأ بلا شك المناخ الملائم لبعض المتاجرين بأقوات الناس ولصنع أزمات جديدة.
كما كشفت الأزمة عن هؤلاء الذين تفننوا في زيادة أسعار السلع الغذائية بقصد ،وبدون قصد لتحقيق أرباح طائلة ، وفي إخفاء واحتكار منتجات بعينها بغرض رفع أسعارها.

ولايزال بعض المستغلين من التجار والوسطاء يوظفون آليات العرض والطلب وفقا لأهوائهم لتحقيق مكاسب كبيرة ،كما حدث من قبل إبان انتشار وباء كورونا في مراحلها الأولى.

إن المفهوم المثالي لآليات السوق الحر تتيح
زيادة تنافسية بين أصحاب المصانع والشركات لتقديم سلع ومنتجات وعروض تصب في صالح المستهلك ،ولاتعرف الإحتكار والإستغلال والإتفاقيات اللإنسانية بين المنتجين للإستثمار الخبيث ومضاعفة الأرباح والمكاسب.
ومن أهم أسباب الأزمة أيضا تزايد الحلقات الوسيطة كالموزعين وتجار الجملة
وبعض أصحاب شركات النقل والتخزين.

وتبقي الحقيقة أن غياب الوعي لدي قطاع عريض من المواطنين والسلوكيات الخاطئة بالإقدام علي تخزين السلع خوفا لما هو قادم ،أسهم بطريق مباشر في زيادة الطلب علي السلع
ومن ثم هناك ضرورة لتغيير هذه الثقافة ،وهو أمر منوط بمختلف أجهزة الإعلام ووسائل التوعية المجتمعية.

وعلي الجانب الآخر ، أعتقد أنه من العبث تعميم فكرة المقاطعة والاستغتاء فهي تسبب شللا في الأسواق وفي دورة رأس المال وقطع أرزاق بعض البسطاء،
وأتصور أن البديل هو الترشيد وتحديد الأولويات، وعدم التكالب علي شراء وتخزين السلع وقصر فكرة المقاطعة علي بعض المحلات التي إعتادت المبالغة في تحصيل نسب الأرباح ،وبما يفوق السعر الحقيقي للسلع مع دون قناعة بهامش الربح المنطقي المقبول،مع ضرورة إبلاغ الأجهزة المعنية عن هؤلاء المستغلين.
والحق يقال إنها معادلة صعبة تتطلب من الجميع التكاتف والإحتكام للضمير الوطني والذي يغيب أحيانا لدي الكثيرين.

وفي هذا السياق أرسل لي أحد المواطنين راويا أن عن واقعة يندي لها الجبين وتعطي مؤشرات سلبية ومريبة ،
مؤكدا أنه إشتري زجاجة زيت عادي900م من أحد منافذ صرف التموين بالموقف الجديد بمحافظة الإسماعيلية بقيمة 35 جنيها بزيادة أكثر من عشرة جنيهات عن سعرها العادي، وكيلو الأرز ب 13 جنيها ،ولما سأل البدال صاحب البقالة قال له: "كل حاجة غليت" والغريب أن الوزارة حددت السعر فيما لا يتجاوز 25 جنيها وسعر الأرز 8 جنيهات.
والأمثلة لا تعد ولا تحصى في العديد من المحافظات ، ولولا يقظة أجهزة الدولة الرقابية لحدث ما لا يحمد عقباه.
ولذا كان القرار الحكيم من الدولة بالتدخل العاجل لضبط هذه المنظومة المنفلته وفرملة هذا الجموح وإنشاء آلاف المعارض الغذائية بأسعار مخفضة وأحيانا بأسعار الجملة وبجميع أنحاء محافظات الجمهورية لمواجهة هذه الأزمة المصطعنة، والتي تواكبت مع قرب حلول شهر رمضان المبارك، مع تكثيف الحملات الأمنية والتي نجحت في مصادرة عشرات الآلاف من أطنان السلع الغذائية الاستراتيجية ،وأيضا ضبط كميات كبيرة من السلع المنتهية الصلاحية والفاسدة وسلع آخري غير مطابقة للمواصفات الصحية.

وأتصور أنه من الحكمة في هذه الظروف تنحية فكرة السوق الحر، وآليات العرض والطلب مؤقتا ،وتعظيم سلطة الدولة في ضبط وتحديد جميع الأسعار وفقا لبورصات سلعية، وأيضا تفعيل فكرة مراقبة الأفران السياحية وإخضاعها للأجهزة الرقابية وتحديد عدة أحجام متنوعة لرغيف الخب وتحديد أوزانها وأسعارها، حيث شهدت انفلاتا غير مسبوق، وزيادات غير مبررة!.

مصر الآمنة القوية تستطيع تجاوز كل الصعاب والأزمات، ولو كره الكارهون!.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة