رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالحسنى


من يتأمل الآيات الكريمات التي نزلت في تحويل القبلة لا يتوقف عند الحادثة وإيحاءاتها بمسئولية المسلمين عن القبلتين وقدسيتهما فقط ، وإنما يتوقف أيضًاعند عبقرية النص القرآني في التبليغ بتحويل القبلة الذي لم يكن هدفه النبي أو المسلمين وحدهم وانما كان خطابًا للكافة من كل القوى المختلفة في المدينة وفي كل زمان ومكان بعد ذلك إلى أن تقوم الساعة في إعجاز لا يكون إلا لكلام خالق السماوات والأرض .

أقول من يقرأ الآيات من سورة البقرة و التي تبدأ بقوله تعالى : "سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.. ". قد يتساءل عن سر تأخير حكم تحويل القبلة إلى وسط الحديث عن القضية وليس في أولها والذي جاء في قوله تعالى :"قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ .." كما ينتبه إلى ما يحدثه سياق الكلام مما يمكن تسميته بضجيج الحدث وإلى ما فيه من التحدي والإعلام والإعلان المدوي الذي يريد إن يبلغ خبره كل كائن في انتظار مردوده على كل من يصل إليه وفي انتظار تحقيق النبوءة.

فالمتامل يجد أن الآيات تبدأ بحديث عما سيحدث من عدو متيقظ في عدائه ومنطق الأشياء هذا العدو يمتنع عن كل ما يدل على صدق من يعاديه وبالتالي عندما يجد عدوه وهو النبي صلوات الله وسلامه عليه يعلن أمرًا سيحدث في المستقبل ..وممن ؟ من المكذبين له والمتمثل في أنهم سيقولون كذا وكذا .فابسط الأمور أنهم لا يقولونه ويسرونه في أنفسهم ويعلنون أن النبي ادعى أنهم سيقولون وهاهم لم يقولوا. أما أن الآيات تتنزل بهذا الوضوح والإعلان ووصف المكذبين بالسفهاء لتكون الآيات أشد وقعًا في التنبية وبعد ذلك يقولون بما أنبأت به الآيات وهو قولهم: "ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها" . إذن فإن هذا النبي وما جاء به هو الصدق وهو الحق فيستيقن الذين في شك من أمره ويفتضح عناد المكذبين العارفين بالحقيقة ولا يصبح لدي مدعي الشك حجة يسوقوها لمن يخدعوه بمثل هذه التساؤلات ثم يظل الأمر إلى يوم القيامة يؤكد هذه المعجزة فنجد من يأتي ليشكك فنعود نحن المؤمنين إلى قرآننا مذكرين المشككين بما أخبر عنه وعنهم القرآن الكريم فلا نجهد أنفسنا في جدالهم وإنما نحاور الباحثين صدقًا عن الحق من عند علام العيوب

وقد شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يخبر نبيه والمؤمنين وكذالك الكافرين والمنافقين وضعاف الإيمان بما يخبئوه اليهود في المدينة من كيد للدين الجديد مهما قدم من أدلة وبراهين في وضوح الشمس ومهما كان لدى اليهود من علم بحقيقته ولتكون هذه الحقيقة رسالة أبدية للمسلمين ينتبهون إليها إلى قيام الساعة ألا وهي العداوة المطلقة من اليهود لهذا الدين "وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ "

وقد استخدم القران الكريم أسلوبًا في الإعلام بتوابع تحويل القبله ليحمي المسلم من ضجيج الإعلام المعارض الذي يكذب ويتحرى الكذب فاستخدم السين التي تدخل على الفعل المضارع ليفيد الإستقبال، كما أن السين من الحروف ذات الجرس المؤثر في الأذن لذا تحمل في ذاتها صوتًا حادًا منبهًا للسامع .كما بدأ بذكر رد الفعل وليس بالفعل وفي ذلك ما فيه من دهشه وانتباه لدي المتلقي الذي يشعر بالتحدي ويندفع إلى التساؤل والتفكير ثم تنتهي الآيات بتقرير حقائق محددة على المسلم أن يتيقن بها ويظل المسلمون على وعي بها إلى قيام الساعة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة