لوجه الله
كل عام والأمهات كلهن بخير وصحة وسعادة.. ما أجمل الاحتفاء بالأم فى كل وقت وفى كل لحظة من لحظات عمر الأبناء، فما قدمته الأم لأولادها من حمل وتربية ورعاية وعطف وحنان ونفقة لا يوافيه مكافأة أو إحسان مهما قدم الأبناء لأمهاتهم.. ومن هنا جاءت الوصية النبوية الكريمة بالأم عندما جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله: "من أحق الناس بحسن صحبتى يا رسول الله؟ فقال: أمك.. قال: ثم من؟ قال أمك.. قال: ثم من؟ قال: أمك.. قال: ثم من؟ قال: أبوك".. وتكرار ذكر الأم هنا تكريم من الرسول صلى الله عليه وسلم لها وتقدير لما تقوم به من دور فى التربية والتعليم ورعاية الأبناء طوال رحلة حياتهم.
والاحتفاء الدائم بالأمهات لا يمنع- كما أكد علماء الإسلام- من تخصيص يوم للاحتفاء بالأم فيه وتكريمها.. فذلك من السنن المحمودة التى أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: "من سنً سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سنً سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا".
لذلك يكون تكريم الأمهات والاحتفاء بهن عن طريق أولادهن وأزواجهن من الأمور المشروعة والسنن المحمودة، فالأم عطاؤها الأسرى والاجتماعى والإنسانى متواصل من أجل الجميع، وهناك قصص تضحيات لأمهات قدمن كل شىء من أجل أولادهن، وهؤلاء ينبغى تكريمهن على ما قدمن من تضحيات، وهذا سلوك يحث عليه الدين ويكافىء عليه.. أما الجاحدون لدور المرأة ورسالتها فى المجتمع فهم من الذين توارثوا تهميش رسالتها فى الحياة ويزعجهم تكريم المرأة والاحتفاء بها.
**
لقد أكدت دراسات نفسية أن المرأة تحتاج دائما الى من يرعاها نفسيا ويشجعها على أداء رسالتها الأسرية والاجتماعية وأيضا رسالتها فى الحياة بصفة عامة خاصة بعد أن اقتحمت مجالات عمل متعددة، وأصبح لها نشاط واضح فى الحياة العامة.. وإذا كان نشاط المرأة يزعج أصحاب الفكر الدينى المتشدد فلا ينبغى الاستماع لهم وترويج آرائهم المتشددة حول يوم الأم أو غيره، لأنهم لا يفهمون من الإسلام إلا ما هو حرام وبدعة، أما مظاهر التسامح والرحمة فى شريعة الإسلام، وما جاء به لتنظيم العلاقات بين كل أفراد المجتمع ومن تكريم وحفاوة بالمرأة فليس لها وزن فى عقول هؤلاء.
الباحث المدقق فى القرآن الكريم يجد أن الكتاب السماوى الخاتم والخالد احتفى بالمرأة أكثر من احتفائه بالرجل، لما تقوم به المرأة من جهد يفوق جهد الرجل فى الحمل والإرضاع والتربية والرعاية النفسية والاجتماعية للأبناء، ولذلكأوصى القرآن الكريمبالأم، وكرر تلكالوصية لفضل الأمومكانتها فقال سبحانه"ووصّينا الإنسان بوالديه حَملتهأمه وَهْناً علىوهن، وفِصاله فيعامين أنْ اشكرلي ولوالديك إليّالمصير"، وجعل الحق سبحانه الأممسئولة عن تربيةولدها، فهي راعيةومسئولة عن رعيتها.
هذه الأم التى تضحى من أجل إسعاد الآخرين لابد من إسعادها، ولابد من الاحتفاء بها طوال العام وليس فى يوم واحد فقط، وعلينا أن نقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد احتفى بالمرأة وكان حريصا على إبراز دورها ورسالتها فى المجتمع، وكان يفتخر بها ويستشيرها فى كل أمور حياته، وعلاقته المعلنة بزوجاته وخاصة السيدة خديجة، والسيدة عائشة، وأيضا علاقته بإبنته فاطمة تؤكد أن رسول الله لم يكن يخجل من استشارة المرأة أو تهميش دورها كما يفعل دعاة التشدد والغلو الدينى اليوم.
**
تكريم الأم فى يومها السنوى لا ينبغى أن يقتصر على أولادها فقط.. بل واجب الأزواج أن يتسابقوا فى إسعادها والبر بها والإحسان إليها، فهذا من حسن العشرة الذى حث عليه الإسلام خاصة فى هذا الوقت الذى كثرت فيه صور العقوق التى تتعرض بعض النساء حيث تعانى المرأة من العنف وهى تحتاج الى من يعيد لها توازنها النفسى والاجتماعى ويشعرها بحماية الأسرة بكل أفرادها وتكريمها وتقدير جهودها.
تذكروا دائما أن ديننا كفل للمرأة وخاصة الأم حياة كريمة كلها رحمة وعفو وتكريم وتقدير لدورها ورسالتها، فالمرأة أول مؤمنة فى الإسلام (السيدة خديجة أول زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم)، وأول شهيدة (السيدة سمية رضي الله عنها)، وأول مهاجرة (السيدة رقية مع زوجها سيدنا عثمان رضي الله عنهما).
فى حوار سابق سألت د.آمنة نصير العميدة السابقة: كيف تنظرين الى ما يردده بعض المتشددين عن أن الاحتفاء بالأم فى يوم معين بدعة؟
قالت: الاحتفاء بالأم والبر بها مطلوب من الأبناء فى كل وقت، وتخصيص يوم محدد لتكريم الأمهات فيه لا يحمل أية مخالفة شرعية، وما هى البدعة فى تكريم الأم والاحتفاء بها؟ لا ينبغى أن نستمع لأصحاب العقول المغلقة الذين حولوا حياتنا كلها الى بدع ومسميات غريبة لا يقرها شرع ولا عرف.
وتتساءل: هل ساوى أحد بين عيد الفطر وعيد الأم مثلا؟ هل قال أحد بأن هذا يوم احتفال رسمى بالأم ومنحوا الناس فيه عطلة رسمية مثل الأعياد الرسمية؟ هذا مجرد يوم تعارف الناس على الاحتفاء بأمهاتهم فيه وإدخال البهجة على نفوسهن.. فلماذا يضيق دعاة البدع ما وسعه الله علينا؟
حتى ولو سلمنا بأن الاحتفال بالأم فى يوم محدد بدعة، فهو بدعة "محمودة" وقد قسم الإمام الشافعي البدعة الى نوعين: محمودة.. ومذمومة، والبدعة المذمومة هى التى تكون فى أمور الدين، والاحتفاء بالأم وتكريمها والبر بها ليس من أمور الدين التى تتعلق بالعقائد والعبادات .. أما ما يتعلق بأمور الحياة وما يحقق للناس السعادة فيها فهو من البدع المحمودة والمرغوبة شرعا وعرفا.