رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

ما إن أخذ العالم يتعافى شيئاً فشيئاً من آثار كورونا وتداعياتها الصحية والاقتصادية وهي بالطبع ثقيلة ومريرة وربما كارثية على البعض ..حتى فوجيء بنشوب الأزمة الروسية الأوكرانية التي ألقت بظلال كثيفة وغموض كبير على مستقبل هذا العالم؛ فأسعار السلع والطاقة والخدمات تتضاعف بصورة غير مسبوقة.. وأرقام التضخم العالمي تقول إن العالم تنتظره أيام صعبة إذا ما طال أمد الأزمة الأوكرانية واحتدم الصراع واتسع نطاقه الجغرافي أكثر وأكثر..فكيف للإنسانية أن تتحمل "خبطتين في الرأس" دفعة واحدة..؟!!

أما الخاسر الأكبر في تلك الأزمة فهي الدول الأكثر فقراً، والشعوب هي من تدفع ثمن الحروب والنزاعات والصراعات بين القوى الكبرى على النفوذ والثروة و الانفراد بقيادة هذا العالم البائس..وكأنه لم يكفهم ما حل بالبشرية من ويلات الفقد والموت بسبب كوفيد 19 الذي كبّد الدول خسائر تقدر ببضعة تريليونات من الدولار فانخرطوا في حرب لا يعلم إلا الله متى وكيف تضع أوزارها..ولا كم سيتحمل الفقراء من تبعاتها وما أشدها وأصعبها.

ومن الطبيعي أن يتولد على هامش الحروب والأوبئة انتهازيون -على كل شكل ولون- يتربحون من الأزمات ويتاجرون بالحروب ويستغلون الناس ويسمى هؤلاء أثرياء الحرب وهم من يتاجرون في السلاح والموت وملابس الجند ومأكلهم ومخلفات الحرب في كل عصر سواءٌ أكانوا دولاً أو أفراداً وهؤلاء أثروا ولا يزالون ثراءً فاحشاً من الحروب تارة ومن الوباء تارة أخرى..في سباق رهيب بلا رحمة ولا ضمير للتربح من تصنيع أدوات الدمار في الحروب تارة .. ومن السبق في إنتاج الفاكسين أو اللقاح في الأوبئة تارة أخرى.

وهناك من يتربح من حالة الخوف والذعر التي تنتاب العالم من وباء فرض على البشرية سباقاً محموما للحصول على مستلزمات الوقاية الطبية من مطهرات وكمامات وأدوية ولقاحات وهي متطلبات ستبقى مطلباً للناس ما عاش بينه الوباء..وهي مستلزمات أثرى من ورائها أفراد وشركات كثيرة وجنت ولا تزال عشرات المليارات من الدولارات دون أن يعرف أحد حتى هذه اللحظة أسباب هذا الوباء ولا متى سوف يختفي..ولا لماذا تراجعت مخاوف الدول والأفراد بشأنه مع اندلاع الأزمة الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا حتى أن دولاً بعينها رفعت القيود وفتحت الحدود وتخلت عن الإجراءات الاحترازية المشددة..كما أن وزارة الصحة أعلنت منذ أيام عن انتهاء ذروة الموجة الخامسة لفيروس كورونا..؟!

أما الأكثر إيلاماً ومرارة وقبحاً أن يأتي أناس من بني جلدتنا يتربصون بشعبنا الدوائر ويسارعون حتى قبل أن تصل إلينا شظايا تلك الحرب وتداعياتها الاقتصادية فيرفعون أسعار السلع الغذائية بلا مبرر ولا سبب واضح اللهم إلا مص دماء الشعب والمتاجرة بأقوات الغلابة..هؤلاء هم أشد خطراً وضرراً لمصر وشعبها؛ هؤلاء هم المستغلون والمحتكرون الذين يعطِّشون الأسواق ويحجبون السلع حتى يشتد الطلب عليها فترتفع أسعارها بصورة لا يتحملها السواد الأعظم من الناس لاسيما مع اقتراب شهر رمضان الذي يعرف الجميع أن معدلات الاستهلاك تتضاعف فيه بصورة تفوق ما يستهلكه المصريون طيلة العام..والأكثر إيلاماً أن بعض الأطباء والمحامين استغلوا الظروف برفع "الفيزيتا" بقيم تتراوح بين 100 و200 جنيه دون أن يعطوا زبائنهم إيصالاً أو فاتورة بذلك تهرباً من الضرائب..فما علاقة هؤلاء بالأزمة..وأين ذهب ضمير من يفترض أنهم "ملائكة الرحمة" أو رجال العدالة أو القضاء الواقف..؟!

إن ما يحدث في أسواقنا ليس رد فعل للحرب الدائرة في أوكرانيا قولاً واحداً؛ ذلك أن الحكومة صرحت على لسان رئيسها د.مدبولي بأنه لا خوف على رصيد السلع الإستراتيجية فهو يكفي لأكثر من 5 أشهر ..فماذا حدث وأشعل الأسعار..؟!

إنه جشع البعض واحتكارهم وانعدام الضمير ولا عجب والحال هكذا أن تتحرك الحكومة بقوة لمواجهة عمليات الاحتكار المنظمة التي قام بها البعض لينالو عقوبات رادعة ..فما جزاء الذين يعبثون بقوت الناس إلا الضرب على أيديهم بيد من حديد..وتطبيق أقصى العقوبات القانونية لتجعلهم عبرة لغيرهم.

أما أهم الدروس المستفادة من نشوب الصراعات والحروب سواء أكانت عالمية أم إقليمية فهي ضرورة التنبه والتعلم منها وأخذ الحذر من تداعياتها التي ستطال العالم أجمع بدرجات متفاوتة؛ فإن من يملك إنتاج غذائه ودوائه وسلاحه يملك إرادته وقراره..وأن من يتلاعب بأقوات الشعب فليس له ذمة ولا عهد ولا يعرف للوطن حرمة ولا قيمة وهؤلاء لا ينفع معهم إلا الأخذ على أيديهم بمنتهى الحسم .

المثير للعجب والغثيان حقاً أن هؤلاء الذين يحتكرون السلع ويحبسونها عن الناس ويبالغون في رفع أسعاها يتبجحون ويتذرعون بأنهم يتصدقون بالفارق المتحقق من زيادة أسعار السلع على الفقراء والمحتاجين..منتهى الاستخفاف والانحطاط والجهل..ألا يعلم هؤلاء أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً..وحسناً فعلت دار الإفتاء حين بادرت بالرد عليهم بصورة قاطعة مؤكدة أن استغلال هذه الظروف العصيبة لتحقيق مكاسب مادية عن طريق احتكار السلع ورفع أسعارها حرام شرعًا وخيانة للأمانة، مؤكدة أن الشريعة الإسلامية حرمت الاحتكار بكل صوره وأشكاله، وأن التضييق على الناس، وحبس ما يحتاجون إليه في حياتهم من الطعام وغيره، من أجل زيادة الأسعار وتحصيل مكاسب مادية، يعد غشًّا واعتداءً وإضرارًا بالناس وأكلًا لأموالهم بالباطل. إن التضييق على الناس، وحبس ما يحتاجون إليه في حياتهم من الطعام وغيره، من أجل زيادة الأسعار وتحصيل مكاسب مادية، يعد غشًّا واعتداءً وإضرارًا بالناس وأكلًا لأموالهم بالباطل.

كما حذرت "الإفتاء" التجار والمحال التجارية من حبس السلع الضرورية والأساسية ومواد الوقاية الطبية عن الناس، واستغلال الظروف الراهنة من انتشار (وباء كورونا أو حرب أوكرانيا) بقصد الاحتكار ورفع الأسعار.

وأوضحت الدار أن الشريعة الإسلامية قد منحت وليَّ الأمر ومؤسسات الدولة الحقَّ في مكافحة الاحتكار والقضاء عليه بالوسائل اللازمة؛ لكونه من الجرائم الاقتصادية التي تهدد حياة الناس.

دار الإفتاء ذهبت إلى مدى أبعد حين حذرت الناس جميعًا من أن يكون واحدٌ منهم سببًا في تضييق معيشة الخلق حتى لا يدخل في زمرة المفسدين في الأرض، ويندرج تحت قول الله عز وجل: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا المِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾[هود: 85]، ووعيده صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَقْذِفَهُ فِي مُعْظَمٍ مِنَ النَّارِ». .مؤكدة أن الشريعة الإسلامية منحت الحق لولي الأمر ومؤسسات الدولة في اتخاذ الوسائل اللازمة لمكافحة الاحتكار والقضاء عليه لكونه من الجرائم الاقتصادية.

والسؤال هنا: ألا يعدّ هؤلاء من المفسدين في الأرض الذين يفجرون الأزمات ويشعلون النار في ثوب الوطن ..ألا يتحقق فيهم قول الله عز وجل :" إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ"..؟!

أما دور الحكومة في مواجهة الجشع والاحتكار فهي تعرفه وتحركت بالفعل لمنع انفلات الأسعار بإجراءات فعالة لابد أن تستمر حتى تستقر الأسعار ويترجع هذا الغلاء غير المبرر..ويبقى دور المواطن وواجبه وهو دور لو تعلمون عظيم؛ فالوعي أهم سلاح في معركة الاحتكار وتقلبات الأسواق..ولعل الخطوة الأولى هي التريث وعدم التكالب على شراء السلع والاكتفاء بالاحتياجات اليومية والتخلي عن مشاعر القلق والخوف التي تدفع البعض لتخزين السلع تحسباً لارتفاع سعرها..فمثل هذا السلوك يضاعف أثمانها دون أن نقصد أو ندري ويأتي بنتائج عكسية ويفرغ جهود الحكومة في الرقابة والتشديد من مضمونها؛ فاقتصاد السوق مبني على مبدأ العرض والطلب.

كم أن الامتناع ولو قليلاً قدر المستطاع عن شراء السلع مرتفعة الأسعار والبحث عن بديل أوفر وأرخص وسيلة ناجعة تضطر المحتكرين للتخلي عن احتكارهم وطرح ما لديهم من منتجات ولو بسعر التكلفة.

ولا يفوتنا أن نبلغ الجهات الرقابية وحماية المستهلك بما نراه من ممارسات احتكارية ضارة بالأسواق حتى نقضي على هذه الطاهرة الخطيرة التي تتعدد أطرافها وتتشابك حتى لا يمكن فصل أحد عناصرها عن الآخر.

كما أن التزام المواطن بهذه الإجراءات لا يغني قطعاً عن دور الحكومة في مراقبة الأسواق وفرض الانضباط بعصا القانون وروحه معاً لكف أيدي الفاسدين والعابثين والجشعين عنها لتظل السلع والمستلزمات الأساسية في متناول البسطاء..ويجب أن تدرك الحكومة وهي قطعاً تدرك أن للرأسمالية ضوابط والتزامات أهم الشفافية والمنافسة العادلة ومنع الممارسات الاحتكارية والمغالاة في الأسعار التي يتسبب فيها ترك السوق للقطاع الخاص يتحكم فيه بمنطق العرض والطلب فقط دون بقية المعايير لاسيما زمن الحروب والأوبئة.

وينسى المحتكرون أنهم إنما يهدمون استقرار بلدهم حين يرفعون الأسعار بدرجة تفوق قدرة الناس على الشراء ليزداد الأغنياء غنى والفقراء فقراً وتزداد الفجوة بين الطبقات وتشتعل معها نار الأحقاد والغضب الذي يهدد السلام الاجتماعي وهو ما تنبهت له الحكومة وأعلنت انخراطها بالفعل في مواجهة المحتكرين ومنع تخزين السلع بمنتهى القوة وتطبيق القانون بأقصى درجات الحسم..فلا مجال للتهاون في أمن الوطن الذي يعد استقرار الأسواق أهم مقوماته.

لاشك أن للحروب تداعيات قاسية يتحملها الجميع دولا وشعوباً وتزداد المعاناة كلما ازدادت فاتورة الاستيراد من الخارج لاسيما استيراد الغذاء والطاقة وهو ما يفرض على تلك الدول المستوردة أن تبدأ فور في زيادة إنتاجها من الغذاء بمزيد من مشروعات التوسع الزراعي أو استئجار أو تملك أراضٍ زراعية في دول الوفرة لتحقيق التنوع كما هو الحال في السلاح.

الاعتماد على بلد أو اثنين في توفير الغذاء قد يكلف الكثير حال نشوب الحروب أو موجات الجفاف وغيرها من موانع تدفق السلع من تلك البلدان لذلك فقد أحسن مجلس الوزراء صنعا حين قرر تنويع جهات توريد القمح والحبوب وعدم الاعتماد على جهة واحدة حيث تعتمد مصر ومعظم الدول العربية في استيراد 80% من احتياجاتها من القمح والذرة والأعلاف والزيوت على روسيا وأوكرانيا.

الأجهزة الحكومية والجهات المعنية بضبط الأسواق نشطت في الأيام الأخيرة وأثمرت جهودها عن ضبط آلاف الأطنان المخزنة من السلع الغذائية لدى "لصوص الأقوات" في محافظات عديدة وهو ما ينبغي أن يستمر بلا هوادة جنباً إلى جنب جهود التوعية من علماء الأزهر الشريف في شتى المنابر والتجمعات ووسائل الإعلام لتربية مواطن صالح يحب بلده ولا يتاجر في قوت أهله.

يجب أن يرتدع المحتكرون وتجار الأزمة حتى لا تتضاعف الآثار السلبية وتزداد فاتورة الأزمة الروسية الأوكرانية على شعبنا؛ فثمة تحذيرات أطلقها صندوق النقد الدولي تؤكد أن عواقب تلك الأزمة بالغة الخطورة ولن يتم تداويها في القريب حيث ستحدث طفرة في أسعار السلع الأولية والطاقة بما في ذلك القمح وسيكون لصدمة الأسعار تأثيرها على العالم بأسره خاصة الفقراء كما رجح الصندوق حدوث ضرر اقتصادي أكثر تدميراً وخسائر بمليارات التريليونات حال تصاعد الصراع وتزايد العقوبات ضد روسيا وامتدادهما فترة طويلة..كما سجلت أسعار الغذاء ارتفاعاً قياسياً بحسب منظمة الفاو وهو ما يجعل اقتصاد العالم كله على المحك حيث ستستغرق إزالة تلك الآثار وقتاً ليس بالقليل..وهذا بالقطع امتحان جديد للحكومة لا بديل من اجتيازه بنجاح فالناس لم تعد تحتمل مزيداً من الغلاء وفوضى السوق..ولا مفر من قطع الأيدي التي تمتد لتسرق قوت الشعب.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة