عيون الشعب
التقيت بشباب من الذين يعملون على سيارات تقدم الشاى والقهوة وباقى المشروعات فى الشارع .. وبما اننى من سكان الميريلاند بمصر الجديدة .. كنت أشاهد هؤلاء الشباب .. كل يوم امام سياراتهم يقدمون المشروبات لمن يطلبها .. قررت أن اقترب منهم واشرب من عندهم قهوة .. لأتعرف على شخصياتهم .. كنماذج من جيل آخر .. غير جيلنا .. تناولت الشاى من سيارة دعاء عثمان .. سألتها واجابت .. انا خريجة معهد سياحة وفنادق .. لم ابحث ولم انتظر وظيفة .. انا قررت أن انزل للعمل .. بمجهودى ودون الاعتماد على احد .. ورزقى على الله .. وان اتولى مسئوليتى بالكامل .. وكفاية ما تحمله أهلى .. خلال فترة تعليمى .. فى البداية ذهبت لأستأجر سيارة صغيرة ( فيات ١٢٧ ) .. مجهزة لعمل المشروبات الساخنة .. إيجارها ٣ آلاف جنيه فى الشهر .. توكلت على الله .. وقلت رزق حلال وربنا هايكرمنا ..صحيح كنت بافكر فى تجميع هذا المبلغ .. لكن رزقنى الله بما هو أكثر .. ولم انظر الى وقوفى فى الشارع من الثامنة صباحا .. حتى منتصف الليل .. ولم افكر فى جهدى او تعبى .. إنما كان كل تفكيري .. فى تقديم المشروب لمن يطلبه بطريقة جيدة .. بحيث يأتى مرة ثانية .. وهو ما حدث بالفعل .. وأصبحت اعمل يوميا .. دون توقف إلا يوم الجمعة فقط .. ومن الغريب .. ان اكثر ايام سعة الرزق .. ومضاعفته .. ايام البرد والسقعة .. حيث يأتى الناس .. لتناول مشروب ساخن .. لذلك اتحمل البرد .. وكذلك المطر .. والوقوف على رجلى طوال النهار .. وكلى امل فى الله .. فى الرزق الحلال .. وتضيف دعاء .. بأن الطالبة حبيبة .. التى مازالت بالتعليم .. فهى تدرس بأحد المعاهد .. تعمل مساعدة لها .. بأجر يومى .. وتقول حبيبة .. انا سعيدة جدا بعمل كهذا .. كخبرة وممارسة عملية على أرض الواقع .. واتولى مسئولية نفسى .. واحضر للعمل هنا فى الأوقات التى ليس بها دراسة .. ومن الأشياء الغريبة .. ان دعاء عثمان .. لا تحب القهوة .. ولا تشربها .. ومع ذلك تجيد عملها .. بكل اتقان .. وتؤكد ان الفتاة .. هى افضل من يتقن عمل القهوة .. وان هذا العمل .. فى اعتقادى .. هو الأنسب للفتاة .. ودعاء من سكان مدينة نصر .. وعلى سيارة اخرى .. التقيت ب " نور " .. وهى ايضا خريجة معهد عال .. وهى من أسرة ميسورة .. من ابناء وسكان شبرا .. ولديها نفس افكار دعاء .. فهى تخوض تجربة .. العمل الخاص .. دون إنتظار الوظيفة .. وتعمل ايضا على سيارة مماثلة .. فكل هذه النوعية من السيارات .. متشابهة .. فى كل شئ .. حتى فى قيمة الإيجار .. ويقف مع نور .. محمد .. بمكافأة يومية ١٠٠ جنيها .. وهو ايضا من أسرة ميسورة الحال .. فوالده يعمل رئيس قطاع .. فى احدى الشركات الكبرى .. ولكنه قرر ان يعتمد على نفسه .. بالرغم من أنه طالب بالسنة الثانية بكلية التجارة . جامعة عين شمس .. يقول محمد .. انه يريد ان يتحمل مسئولية نفسه .. فهو يأتى للعمل هنا .. ويقف فى الشارع يقدم الشاى والقهوة .. ليحمل المسئولية كاملة عن نفسه .. بنفسه .. فى الأيام .. التى ليس لديه فيها محاضرات .. كما التقيت بسامح شريف .. وهو طالب بالتعليم الثانوى الفنى .. جاء ليتعرف على مكونات هذا المشروع .. فقد قرر ان يمارسه وهو مازال يدرس .. وبالفعل قام بإعداد وتجهيز الأدوات ومستلزمات ومتطلبات عمل هذه السيارات .. تمهيدا للانطلاق .. سألت هؤلاء .. كيف تجمعون بين الدراسة .. وهذا العمل .. قالوا .. انهم يذهبون للدراسة .. ويحل محلهم احد الاصدقاء .. مقابل اجر .. او مكافأة .. وجدت هؤلاء من الحريصين على دراستهم .. واستكمال تعليمهم .. بالرغم من هذا الجهد الهائل .. وانهم ينجحون كل عام .. وبعضهم يحضر معه الكتاب او المذكرة .. ليذاكر خلال عمله امام سيارة الشاى .. انه بالفعل جيل مختلف .. عن أجيال اخرى .. تبحث وتستسلم للوظيفة .. جيل يعمل وهو مازال يدرس .. ويعمل فور تخرجه من الجامعة .. جيل يعتمد على نفسه .. حتى وهو فى الدراسة .. نحن امام نماذج مضيئة .. لا تخجل من تقديم الشاى والقهوة .. فى الشارع لمن يطلبها .. بل تؤمن بأن العمل شرف .. وعبادة .. وما اعظم من الاعتماد على النفس ..وجدتهم يشعرون بلذة .. فى آخر كل يوم وهم يحصدون نتيجة تعبهم وجهدهم .. بالوقوف على ارجلهم اكثر من ١٠ ساعات .. دون ملل او كلل .. انهم بالفعل جيل مختلف .. يستحق الاهتمام .. والأهم توفيق أوضاعهم .. ورعاية رؤساء الأحياء لهم .. والوقوف الى جانبهم .. فإنهم شباب طموح .. يعتمد على نفسه .. وكله ثقة وإيمان بأن القادم أفضل.