من الألف إلي الياء
منذ أواخر التسعينيات ،ومع بداية الألفية دخل العالم عصر الثورة التكنولوجية المتسارعة ،وبدأت نظم التحول الرقمي وإدارة المعلومات تلقي بظلال إيجابية وسلبية علي نظم التوظيف وفرص العمل.
وظهرت إتجاهات عديدة تربط بين نظم وإستراتيجيات التعلم الحديثة ،وإحتياجات سوق العمل الفعلية.
كما تضاعف إهتمام الدول الكبري بفكرة التطوير والتدريب والتقويم الشامل المستمر، بحثا عن الحصاد المثمر وجودة الحياة وإستدامة المعرفة وتنمية القدرات الذاتية للموارد البشرية.
وقد كثر اللغط والجدل حول مستقبل الوظائف التقليدية ،فالعالم يتغير سريعا ،ويرتدي أثوابا إلكترونية وسياسية ودبلوماسية وإقتصادية متباينة ،وتتطلب آليات جديدة مع إقتراب إختفاء العنصر البشري واليد العاملة، رغم الزيادة المطردة في أعداد السكان والنمو المتسارع خاصة في الدول المتأخرة والساعية للنمو.
كما أن مؤشرات الإنتقال الرقمي تؤكد إختفاء ما يقرب من 45% من الوظائف التقليدية بحلول عام 2050 ،أو ربما قبل هذا التاريخ، مع الزيادة المطردة علي توظيف تكنولوجيا "الروبوت"،و الذكاء والعقول الصناعية التي توفر الجهد وتتجنب أخطاء العنصر البشري خاصة في بعض المهن والوظائف التقنية الدقيقة.
ومع إستمرار الأزمات تدريجيا تفقد البشرية الحائرة قدرتها علي إستيعاب البطالة المقنعة والعمالة الزائدة، وأتصور أن الخاسرين هم من تعلقوا بأهداب الوظيفة "الميري"، ورفضوا الاندماج واللحاق بركب العصر الرأسمالي المتسارع.
وعلاوة علي تزايد متغيرات الحياة ،فقد تسبب الأزمات الإقتصادية العالمية والكساد الأممي، والتي بدأت منذ عام 2008م ،في أزمات أخري متلاحقة ،مع تزايد أعداد العاطلين عن العمل بمختلف الدول شرقا وغربا.
وبعد جائحة كورونا تغيرت الخريطة العالمية ، وازداد المشهد تعقيدا وتشابكا مع إستمرار النزاعات الإقليمية،ونشوب الصراعات الأممية وشبح المعارك الإقتصادية بعد إشتعال حرب روسيا أوكرانيا ،وتداعياتها السلبية المتوقعة، حاضرا ومستقبلا.
وعلي المستوي المحلي تبقي بعض الحلقات المفقودة، منها غياب التهيئة المجتمعية والأسرية والوعي باحتياجات المستقبل ومتطلبات العصر الرقمي ،ولعل أهمية هذا المحدد تنبع من أهمية تغيير أنماط المعتقدات التي جعلت الكثير من الأسر تصر علي إختيار مجالات معينة لدراسة الأبناء ، وإختيار كليات جامعية بعينها تحقيقا لرغبات معينة، أو كنوع من الوجاهة الإجتماعية، دون دراية ، ما إذا كانت تتلاءم مع قدرات ومهارات وميول الأبناء.
ومن هنا ظهرت إستراتيجيات التعلم النشط والتي تعتمد في المقام الأول علي تنمية أساليب تحصيل المعرفة وتنمية التفكير النقدي والإبتكاري والمبدع،كما تعتمد علي نظرية الذكاءات المتعددة، وترتب عليها فيما بعد فكرة الجدارات الوظيفية، التي تؤهل الخريجين لاحتياجات سوق العمل الفعلية.
أيضا لابد من العمل الجاد من خلال مؤسسات الإعلام والتربية لتغيير الصورة الذهنية المشوه للتعليم الفني بمراحله المختلفة، رغم أنه أصبح من أهم أسس التنمية الشاملة والمستدامة.
وأيضا هناك تداعيات وآثار سلبية لمشكلات غياب التأهيل والتدريب والدراسة الجيدة لطبيعة ومتطلبات وظائف المستقبل.
وتجنبا لحدوث فجوات بين وظائف اليوم والغد وتجنبا لإشكاليات الحلقات المفقودة، وآثارها الجانبية أتصور أن هناك عددا من المحددات المهمة يجب مراعاتها في تلك المرحلة الإنتقالية.
إن تغيير الصور المغلوطة العالقة في الأذهان أو البالية التي لم تعد تناسب مستجدات وإحتياجات العصر أصبح أمرا ضروريا ،فإلي عهد قريب كانوا يقولون، (إن فاتك المري إتمرمغ في ترابه)، لإعتبارات عديدة من بينها أن الوظيفة الميري توفر التأمينات والمعاش وبدل الأجازات ومكافآت نهاية الخدمة ،بصورة تفوق ما يقدمه القطاع الخاص، والذي يتفنن في الإستفادة من الموظفين دون أية إمتيازات، وأحيانا يعتمد علي العقود المؤقتة والعمالة الموسمية، بإستثناء بعض الوظائف والأعمال التي تتطلب مهارات فنية خاصة.
وفي هذا السياق وفي إطار تطوير المفهوم المجتمعي بدأت وزارة التربية والتعليم مؤخرا خطوة جديرة بالإحترام بإصدار كتاب تثقيفي لطلاب المرحلة الإعدادية ،أطلق عليه "وظائف المستقبل"و لا يعتبر منهجا.
وفي تصوري أنها فكرة متميزة، حيث سيكون بالنسبة لهم بمثابة دليل إرشادي لمعرفة الوظائف المتاحة وبأي كلية يصلون إليها وتجعلهم أيضا على دراية كافية بكليات أو مدارس التطوير التكنولوجي وفرص العمل المتاحة وتغيير بعض الصور الذهنية والمعتقدات الخاطئة.
وأتصور ضرورة تطوير الفكرة لتشمل طلاب المرحلة الثانوية وتحديد معالم طريق الغد.
وفي عصر التحول الرقمي تتجه الدولة الجديدة أيضا لفتح آفاق فرص عمل جديدة بالتوسع في إستراتيجية الشراكة مع القطاع الخاص وتطوير الإستفادة من الموارد البشرية والإشراف علي تخريج كوادر وجدارات وظيفية تستطيع أن تسهم في خدمة ودعم المشروعات القومية العملاقة وبناء دولة عصرية.
إنها خطوات إيجابية للأمام ،ونحو المستقبل.