لوجه الله:
شهدت مصر على مدى ما يقرب من قرن العديد من الحروب والمواجهات سواء مع قوى احتلالية أو جماعات إرهابية، وسقط فى كل هذه الحروب والمواجهات ضحايا من الشهداء والمصابين، وطوال هذه الحقبة الزمنية الطويلة كان شهداء الوطن فى عقول وقلوب كل المصريين، لم ننساهم ودائما نتذكرهم ونشيد ببطولاتهم ونفتخر بهم.. لكن ما أولته الدولة المصرية خلال السنوات القليلة الماضية من تكريم للشهداء وعناية واهتمام بأسرهم ورعاية أولادهم، وخاصة هؤلاء الذين لقوا ربهم فى المواجهات مع الارهابيين من رجال الجيش والشرطة غير مسبوق، لا فى مصر ولا فى غيرها من الدول، وهو أمر حقق الرضا النفسى لأسر هؤلاء الأبطال الذين قدموا حياتهم فداء للوطن ولنا جميعا.
نعم.. الاستشهاد فى سبيل الله شرف ما بعده شرف، وهو الطريق الأسمى لحياة أخروية أفضل وأكرم عند الله من حياتنا الدنيا الزائلة، ويكفى مكافأة للشهيد التكريم الإلهى له، والذى يؤكده قوله سبحانه: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين".. لكن اهتمام الدولة ممثلا فى رئيسها وكل مسئوليها وإعلامها بتكريم الشهداء يعمق قيمة مهمة جدا وهى أن هذا الوطن لن ينسى أبناءه الذين ضحوا من أجله، سيظل يتذكرهم ويكرم أسرهم، ويرعى أبناءهم، ويحاول تعويضهم بقدر الإمكان عن فقدان آبائهم، وإن كان الأب لا يعوض بأى شىء فى الوجود.
**
وكما أن حياة الشهيد لا تنتهى برحيله كما أخبرنا الخالق فى النص القرآنى السابق، فهو حي يرزق ينال ما يستحق من مكافآت وعطاءات إلهية، فيجب أن تظل سيرة الشهداء وبطولاتهم حية دائما فى ذاكرتنا، ونموذجا للتضحية والفداء، نحاول غرسه فى نفوس أطفالنا وشبابنا ليكونوا خير من يدافع عن الوطن فى كل المواقع وتحت كل الظروف.
حياة الأبطال الذين قدموا أرواحهم فداء للوطن حياة ممتدة، فهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهى ممتدة أيضا فى حياتنا الدنيا فى مصر، حيث تتنوع وتتعدد صور تكريمهم من خلال إطلاق أسماءهم على المساجد والمدارس والمنشآت الوطنية والشوارع لكى نتذكرهم طوال الوقت، كما دعمت الدولة العديد من الأعمال الفنية التى تجسد بطولات هؤلاء الشهداء، وما ناله الشهداء فى مصر لا أعتقد أنه متكرر فى دول أخرى، لتظل مصر رئيسا وحكومة وشعبا متفردة فى تكريم شهدائها ورعاية أسرهم بكل صور التكريم والرعاية.
ورغم مرارة الفراق رأينا السعادة على وجوه أسر الشهداء، لأن أبناءهم طوال الوقت محل التقدير والاحترام الرسمى والشعبى.. رأينا الأمهات والزوجات متماسكات وسعداء بأبنائهن وأزواجهن مما يجسد حالة الرضا النفسى تجاه حالة التكريم والتقدير بأبنائهم من كل المصريين.
الشعب المصرى شعب وفى مخلص لا ينسى أبدا البطولات الرائعة لأبنائه، فوراء كل شهيد فى كل موقع من مواقع المواجهة والصمود قصة بطولة مهما كان حجم الدور الذى قام به، ولذلك نثمن كل ما قام به شهداء الجيش والشرطة وأيضا المواطنين المدنيين الذى سقطوا فى جرائم الغدر من أعداء الوطن من الإرهابيين وجماعات الضلال التى تآمرت على الوطن وظنت أو توهمت أنه بمقدورها أن تسيطر على مقدراته.
**
هنيئا لشهداء الوطن بالتكريم الإلهى لهم، وهنيئا لأسرهم بذكراهم الطيبة وحفاوة الشعب المصرى كله بهم، وقد أخبرنا القرآن الكريم أن هؤلاء الأبطال فى غاية السعادة بما كافأهم الله عز وجل به من حياة أبدية دائمة أسمى وأرقى من حياتنا الدنيا، فقد افتقدناهم فى حياتنا، لكنهم "أحياء" سعداء بتضحياتهم، يرزقون أفضل من رزق الأحياء، ويتنعمون بألوان النعم كلها التى اختصهم الله بها، وذلك جزاء إخلاصهم وجهادهم المشرف، وتقديمهم أرواحهم فداء للحق والعدل.. ولذلك استحقوا النعيم الدائم، والرزق الوفير، والحياة الأخروية الطيبة، فهم يعيشون الآن حياة سارة، ونعيم ربهم الذى يحيط بهم نعيم دائم، ورزقه لهم رزق حسن وفير.
حياة هؤلاء الأبطال بعد رحيلهم من الدنيا حياة مختلفة عن حياة باقى الأموات، ونحن لا نشعر بحقيقة هذه الحياة، ولكن الله عز وجل أخبرنا بأوصافها وشرح لنا بعض مظاهر نعيمها، وأرشدنا سبحانه وتعالى الى عدم النظر الى الأبطال الذين قدموا أرواحهم فداء لوطنهم على أنهم "أموات" فهم عند ربهم "أحياء" يعيشون أجمل وأروع صور الحياة، حياة بلا معاناة كالتى نعيشها.. هم فى سعادة وسرور دائمين، فالقرآن يصف حالهم بأنهم" فرحين بما آتاهم الله من فضله"، أى: فرحين فرحا دائما بعد انتقالهم من الدنيا الزائلة، بما أعطاهم الله فى حياتهم الجديدة الدائمة من صنوف النعم المتعددة التى من بينها الثواب العظيم، والنعيم الدائم، والسعادة التى ليس بعدها سعادة.
لقد أخبرنا الحق سبحانه وتعالى بأنه اشترى من المجاهدين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله، وأعطاهم في مقابل ذلك الجنة، وليس هناك ترغيبا فى الشهادة أعظم من ذلك، فالله سبحانه وتعالى قد عقد عقدا مع الشهداء والثمن الذى يقدمه الخالق لهم ثمن عظيم، فهو يكافؤهم على التضحية بأرواحهم ويوفر له فى جنة الخلد مالا عين رأت ولا أذن سمعت، هذا بالإضافة الى المكانة العظيمة لأسرهم وأهلهم فالشهيد يجلب لأهله كرامة وشرفا فى الدنيا، ويظل مصدر فخرهم.
المجاهد في سبيل الله أرفع المؤمنين منزلة في الآخرة، كما أخبرنا رسول الله في الحديث الصحيح: "إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة".. وقد سئل صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ فقال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله..."
هنيئا لشهداء الوطن بما كافأهم الله به.. وتحية لكل أسر شهداء مصر الأبرار