معاً للمستقبل
ما أكثر ما قيل عن مخاطر الانفجار السكاني.. وما أقل ما تحقق من حلول ونتائج إيجابية في معالجة هذه المشكلة؛ فزيادة السكان تعني باختصار فقدان التوازن بين نمو السكان من ناحية والموارد الاقتصادية للدولة من ناحية أخرى..ولقد تفاقمت تلك الزيادة جيلاً بعد جيل حتى باتت نتائجها مخيفة تلتهم جهود التنمية وعوائدها وكل مشروعات بناء الجمهورية الجديدة؛ فثمة 2.5 مليون مولود سنوياً وهو رقم يعادل تعداد دول صغرى..والسؤال: لماذا وصلنا لهذه الحال.؟! والجواب..لأسباب عديدة؛ أهمها أن الفئة المعنية بكثرة الإنجاب لا تدرك حجم التحدي بدرجة كافية ولم تقنعهم الوسائل المتبعة بضرورة تنظيم النسل؛ ذلك أن تعليمنا كان إلى وقت قريب يعتمد على الحفظ والتلقين ومن ثم تخريج أجيال لا تعي مقتضيات العصر وهو ما يجري تغييره الآن كلياً بنظم يخاطب العقل ويقوي الإدراك..إذن الحل يكمن في الوعي ..وكيف نقنع شعبنا بأسباب قوية تؤثر في عقولهم وتدفعهم لتنظيم النسل اقتناعا وطوعاً وليس إكراهاً بقرارات فوقية أو أقوال معلبة..الأمر الذي يعني أننا ما زلنا في حاجة لتناول ومعالجة مختلفة أكثر دينامية وتأثيرًا وحسماً ..ولتكن البداية بالتركيز على تغيير السلوك الجمعي عبر تغيير الثقافة التقليدية وتكثيف جرعات التوعية والتثقيف حتى يصبح سلوك الناس نابعاً من ثقافتهم وقناعتهم وإيمانهم بأن ضرر الزيادة السكانية أكبر بكثير من نفعها؛ فإذا كان من حق الفرد أن ينجب فمن حق الدولة والمجتمع أن يحقق التقدم والنمو المأمول ومن حق الأجيال القادمة أن تجد فرصاً في الحياة ورصيداً كافياً في الموارد.
الخبراء أرجعوا زيادة السكان في مصر إلى أسباب عديدة، أهمها الفقر الذي يرغم الأهل على إخراج أبنائهم من التعليم للعمل والتكسب ؛ ومن ثم تزداد نسبة الأمية،والجهل الذي يقود للمرض..وهنا تتحقق الثلاثية المرعبة التي تدخلنا في دائرة جهنمية لا فكاك منها.
ولا عجب والحال هكذا أن يكرر الرئيس السيسي تحذيراته من خطورة الزيادة السكانية؛ فهو لا يدخر جهداً في مؤتمراته ومنتدياته ولقاءاته العامة لتذكيرنا بحقيقة هذه المشكلة؛ فالرئيس وهو رجل واقعي وصريح يؤكد "أن المجتمع يريد أن يعيش ولكن مع الزيادة السكانية لن يستطيع..المزاج العام وقيم ومباديء أطفالنا تتأثر بالجو العام الذي يعيشون فيه ..نواصل تقديم الحلول في قضية الإسكان مع العمل على ضبط النمو السكاني..وهناك فرق بين التنظير وبين حل المسألة ..ومن قبلنا على مدار 50 سنة لم يحاولوا الحل..لكن الحكومة الحالية لا تدخر جهداً لوضع حد لتلك الزيادة التي تلتهم أي زيادة في معدلات النمو الاقتصادي.
الرئيس السيسي يعطي توصيفاً دقيقاً لمشكلات تراكمت في مجتمعاتنا منذ عقود، ويؤكد دوماً أن ثمة معضلتين هما من أكبر الأخطار التي تواجه مصر، وهما الزيادة السكانية والإرهاب..وهو يقول نصاً: " أكبر خطرين بيواجهوا مصر هما الإرهاب والزيادة السكانية، إحنا حطينا الناس اللي بتقتلنا مع الزيادة السكانية كتحدي، نظرًا لأن الزيادة السكانية بتقلل فرص مصر في إنها تقدر تطلع لقدام".
"بالنسبة للسيدة المصرية أو السيد المصري اللي بيقول أنا عندي أربع أولاد، أنت مسئول أمام الله عن الأولاد اللي أنت هتجيبهم، يا ترى قدراتك المالية تتيح إنك تنفق عليهم إنفاق مناسب، لأنه لو ماعندكش يبقى أنت هتظلمهم وهتتحاسب".
الرئيس السيسي أكد أنه يتحدث فيما يخص الزيادة السكانية من منظور ديني، قائلًا: "أنا بتكلم من منظور ديني، أنت بتضيع أولادك لأنك مش قادر تنفق عليهم وبتجيبهم وبتقول هييجي رزقهم".
مرارا وتكراراً ..ناشد الرئيس السيسي، المواطنين تنظيم الإنجاب وفقًا للقدرات المادية، قائلاً: "مش علشان ما تطالبش الدولة بأنها ترعى أبناءك.. لا دول أولادنا كلنا، لكن عشان تقدر توفر لهم الرعاية الإنسانية الكاملة".
وأردف الرئيس السيسي: "أنا أتصور إن اللي عنده طفلين أو تلاتة بالكتير قادر يقوم بدوره، ولو عاوز تضمن وظايف أو تعمل تعليم جيد أو صحة جيدة لازم تتحكم في نسبة النمو السكاني"، مشيرًا إلى أن:" هناك دولًا في أوروبا لم يزد عدد سكانها منذ 30 عامًا".
سكان مصر تضاعفت أعدادهم مرات عديدة منذ بدايات القرن العشرين..قديما كانت الحسبة السكانية المفزعة أن 3 أو 4 ملايين مواطن يعيشون على 4 ملايين فدان منذ نحو 200 سنة والآن أصبحنا أكثر من 103 ملايين نسمة يعيشون على نفس المساحة في الوادي الضيق والدلتا ومساحات متناثرة في سيناء والصحاري.. وبالرجوع لأحدث أرقام جهاز التعبئة والإحصاء عن السكان نطالع مؤشرات لا تخفى دلالاتها؛ فمصر الأولى عربياً والثالثة أفريقيًا وال14 عالمياً في التعداد السكاني، بمولود جديد كل 24 ثانية رغم تراجع المعدل 9.4% في آخر تعداد عما قبله.
وكانت القاهرة الأكثر عدداً..بينما كانت مطروح وأسيوط وسوهاج وقنا والمنيا الأعلى إنجاباً ..وجنوب سيناء الأقل وهو ما يحتاج لتحليل كمي ونوعي من خبراء الديموجرافيا أو الجغرافيا البشرية ليقولوا لنا لماذا جاوزت هذه المحافظات غيرها في الزيادة ولماذا جاءت المحافظات الحدودية في مراتب متأخرة في قائمة تلك الزيادة..؟!
ما زالت هناك فئات منا للأسف لا تعي حجم وخطورة المشكلة السكانية..ربما لم ننجح -كما قلت- في الوصول إليهم وإقناعهم !
علاج المشكلة السكانية له مداخل وأبعاد عديدة، فمن الناحية الدينية يمثل فهم الخطاب الديني أزمة كبيرة، وهو ما يحتاج لإعادة تقديم صحيح الدين بطريقة مغايرة تصل لكل الفئات,و ثمة فتاوى تؤكد اتفاق تنظيم النسل مع صحيح الشرع؛ وهنا يحسن بنا العودة لما قاله مفتي الجمهورية العالم المتخصص د.شوقي علام بأن الإسلام قد أرشد إلى السعي للارتقاء بحياة البشر جميعاً، ويظهر ذلك في ثلاث وظائف جعلها الإسلام من مهمة الإنسان، وهي عمران الأرض، واستخلاف الإنسان فيها، ثم الإصلاح؛ وهذا المفهوم الإسلامي المعاصر قد تكامل في رؤية الدولة المصرية للتنمية المستدامة.
ولفت إلى أن تنظيم النسل لا يتعارض مع ما جاء في القرآن الكريم من النهي عن قتل الأولاد خشية الفقر؛ إذ أن هذا التشريع متعلق بقتل النفس أو الجنين الذي له روح مستقرة، ولا يمكن أن يكون حجة أو أساساً للقول إن القرآن ينهى عن تنظيم النسل ..كما أن الأخير لا يتعارض مع قوله صلى الله عليه وسلم " تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة"، موضحاً أن الحديث فيه الحض على الزواج والنهي عن العزوف عنه ثم التباهي إنما يكون بالقوة والكيف الذي تتمتع به الذرية عن طريق توفير الرعاية والعناية الكافية، مشيراً إلى أنه في عهد السيسي تقدر الجمهورية الجديدة قيمة الإنسان وتجعل من المواطن المصري الركيزة الأساسية للتنمية الشاملة والمستدامة ومن ثم كانت مبادرات الرئيس السيسي المتعددة في مجالات الصحة والتعليم ومكافحة الفقر والقضاء عليه من أعظم المنجزات التي تسعى لتوفير حياة كريمة للمواطن باعتباره الركيزة الأساسية في عملية التطور الشاملة التي تنفذها الدولة، مؤكدا أن العمل والتكسب وحفظ البدن والترفه بالنعم واستخراج ما في الأرض من خيرات واستصلاحها، وسد حاجات الناس المعتبرة وتجنب الفساد والإفساد؛ فكل ذلك ونحوه هو من الإصلاح ، لافتاً إلى أن طريق التنمية ليس سهلاً بل مليء بالمعوِّقات التي لا بد من القضاء عليها؛ وأحد أهم هذه المعوقات يتمثل في الزيادة المُطَّردة في عدد السكان؛ فإنها كما تُعد عقبةً في طريق تحقيق النمو الاقتصادي تُعد كذلك سبباً مباشراً في الفقر والجهل والمرض، معتبراً أن القضية السكانية قضية أمن قومي لها تأثير سلبي مادي وبدني ومعنوي كبير على الأسرة فضلاً عن المجتمع؛ والشريعة تهدف إلى مجتمع قوي بأفرادُه بدنيّا وخُلقياً وعلميّاً وثقافيّا وروحيّا؛ فالإسلام لا يقصد مجرد وجود نسلٍ كثيرٍ لا قيمة له ولا وزن، وإنما يُريده قويّا، فليس للإسلام غرض في كثرة النسل إن كان يؤدي إلى الجهل والفقر والمرض وعدم الرعاية؛ لافتاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أَوَمن قِلَّة نحن إذن يا رسول الله؟ قال: بل أنتم حينئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل».
أضاف المفتي إن محاربة الانفجار قضية تحتاج إلى رفع درجة الوعي والإدراك لدى المصريين، حيث أصبح المواطن مدركاً تماماً للعواقب الوخيمة التي تنتج عن الزيادة السكانية غير المنظمة وهذا يتأتى بتكاتف الجميع أفراداً وجماعات ومؤسسات وعلى رأسها منظمات العمل الأهلي؛ فالكل لابد أن يعمل تحت راية واحدة هي راية العزيزة مصر الوطن، ولابد من التعاون مع المؤسسات المهنية بتطوير الخطاب الإعلامي والديني وتنميته للتصدي للزيادة السكانية وتشجيع الإعلاميين والخطباء على تناول هذه القضية وخاصة الكوادر المؤهلة والقادرة على ذلك وعقد دورات تدريبية متطورة للإعلاميين والخطباء في مجال التوعية بهذه المسألة مع التركيز على كشف السلبيات التي تحلق بالفرد والمجتمع.
نحن بصدد انفلات قد يقودنا لاضطرابات ومجاعات، فكل مولود جديد تقابله تكلفة وأعباء جديدة سواء على أسرته أو على الدولة.. ولا مناص والحال هكذا من تعاون المواطن مع الدولة للسيطرة على انفلات تلك الزيادة؛ ذلك أنه حال استمرارها بتلك الوتيرة المتسارعة سنصل إلى 200 مليون نسمة، وتشير التجارب الدولية إلى ضرورة النزول من 3.5 طفل لكل أسرة وهو معدل الإنجاب الذي عليه مصر حالياً والذي يتجاوز 5 أضعاف الزيادة في الدول المتقدمة، إلى المعدل الدولي الذي يتراوح بين 1.5 و 2.2 طفل لكل أسرة.
ومن المهم أن يجري التوسع في تدريس آثار الزيادة السكانية ومخاطرها في المدارس والجامعات و نشر التوعية في مراكز الشباب و الأندية وقصور الثقافة والمساجد والكنائس إلى جانب تكثيف الجولات الميدانية في القرى والنجوع لاسيما في المحافظات الأعلى إنجاباً من أجل خلق حالة وعي عام بمشكلة هي الأخطر بعد الإرهاب على مصر وأمننا القومي.
تبسيط المفاهيم أسهل طرق الإقناع؛ فالزيادة السكانية مشكلة تقتضينا الوقوف عندها طويلًا، وفهم أسبابها ومحاولة علاجها كى لا يمتد أثرها السلبى إلى المجتمع ككل، لأن تفاقمها يدمر كل إنجاز جديد أو كل معدل نمو أو تنمية، ويقود إلى اختلالات مجتمعية تقود إلى ظهور الجريمة وانتشارها بسبب تفشى البطالة وقلة فرص العمل وحاجة الناس إلى الدخل.
وهي مشكلة تفرض زيادة المخصصات العامة للإنفاق على الخدمات الأساسية، كالتعليم والصحة والمواصلات والإسكان والحماية الاجتماعية والأمن، وذلك على حساب مخصصات الإنفاق الرأسمالي على المشروعات التنموية بقطاعات الإنتاج الرئيسية كالزراعة والصناعة التحولية، بالإضافة إلى صعوبة رعاية الأبناء، وانخفاض المستوى المعيشي للأسرة، وعمالة الأطفال، وكثرة الخلافات الأسرية، وضعف الرقابة الأسرية نتيجة انشغال الوالدين، وزيادة الضغط النفسي والعصبي عليهما بالإضافة إلى تهديد الاستقرار الاجتماعي والحد من نصيب الفرد من الموارد الطبيعية والدخل القومى..المشكلة أكبر من أن يتصدى لها طرف بمفرده ولا حل لها إلا بتكاتف الجميع..وحتى يتحق ذلك فلابد من توفر شرط أساسي وهو وجود قناعة حقيقية أن ثمة أزمة تحتاج لحلول عاجلة وناجعة إلا فالاستقرار الاجتماعي مهدد وجهود التنمية الجبارة ومستقبل الأجيال القادمة في خطر.