من الألف إلي الياء
ينطلق التطوير الحقيقي لتحصيل العلم النافع من التغيير الجذري بأنماط التعليم والتعلم وفقا إستراتيجيات معاصرة هدفها الأساسي رفعة شأن العقل وتنمية التفكير المبدع والإبتكاري ورفع المهارات العقلية العليا كالتحليل والتفكيك وإبداع رؤي جديدة والخروج تدريجيا من نمط الحفظ والتلقين، ومن ثم الخروج التدريجي من آفات وأمراض وسلبيات التعليم التقليدي.
وبالنظر إلي تجارب الدول التنموية العملاقة نجد أنها أحدثت ثورة هائلة في أساليب وطرق التعليم ووسائل التقويم والإختبارات فأخرجت أجيالا تتسلح بالعلم والمهارة والمواهب المبدعة ، أسهمت تدريجيا في إحداث نقلات بحثية وتكنولوجية والإرتقاء ببلادها تنمويا وإجتماعيا،و في دعم سوق العمل العام والخاص وكافة مشروعات التنمية المستدامة.
ولا يختلف إثنان من المنصفين في بلادي علي عدد من الحقائق المهمة ، أولها أن التعليم كان ولا يزال في حاجة ماسة لموجات متتابعة من التطوير والتحديث ، وما لا يدرك كله لا يترك كله، كما أن التجربة كفيلة بكشف السلبيات وما قد يعتري التطوير من عوار ومعوقات، مثل ظاهرة الدروس الخصوصية ومحاولات الغش رغم تغيير أنماط وأساليب الإمتحانات !.
ويحسب للدولة المصرية ومع تدشين دعائم الجمهورية الجديدة إقتحام هذا الملف بشجاعة،ووضع إستراتيجيات طموحة لتطوير كافة عناصر المنظومة التعليمية، وعلي رأسها تطوير المناهج والإهتمام بالتدريب المستمر للمعلمين وتطوير نظم الإدارات التعليمية،وتحسين البيئة التعليمية وتطوير الأنشطة الصفية واللاصفية ودراسة تجارب التعليم الذاتي أون لاين والفصول الإفتراضية والتقويم المستمر القبلي والبعدي وغيرها.
وأتصور أن التطوير الشامل بعيدا عن فكرة" الترقيع" وبصورة متدرجة ومرحلية سيحقق كافة الأهداف المرجوه،وسيؤتي ثمارا يانعة ويتجنب كافة عيوب ومسالب فكرة التطوير الشكلي دون الولوج للجوهر وتأصيل ضوابط حاكمة تضمن حصادا مثمرا مبدعا، لا أجيالا مسطحة.
وأتصور أن من أهم التحديات القضاء علي ظاهرة الغش في الإمتحانات بما يتضمنه من تدليس وقرصنة ولصوصية، واالسعي لإحراز الشهادات والإجازات العلمية دون وجه حق.
واعتقد أن هناك مسئولية مشتركة تبدأ بالأسرة وتنتهي بالمدرسة وما بينهما من مؤسسات تربوية داعمة.
إن قضية إستمراء وإستمرار الغش في زمن التطوير ،قضية خطيرة لها دلالات ومؤشرات مؤسفة وربما تنسف فكرة التطوير والتحديث من الأساس ،ومن ناحية أخري لها دلالات قيمية ومجتمعية سلبية، فالطالب الذي اعتاد القرصنة واتباع الطرق الملتوية لإجتياز المراحل التعليمية المختلفة وتحصيل درجات علمية قد تضارع الفائقين وربما تتخاطهم ، لا تنتظروا منه أن يكون مواطنا صالحا اوطبيبا أمينا أوعالما نافعا أو معلما صالحا أو موظفا خدوما أو مهندسا منتجا ،أو حتي فردا إيجابيا مفيدا لنفسه ولأسرته ووطنه ، ففاقد الشيء لا يعطيه علي تمام الوجه الأكمل!.
إن آفة الإصرار علي الغش في الإختبارات بمختلف المراحل التعليمية تتطلب دراسة وافية من كافة أبعادها،وحلولا عمليا تضمن تكاتف جميع أطراف وعناصر المنظومة التعليمية للعمل لوقف هذه الظاهرة، بكافة صورها، والإعتراف بأن هناك أخطاء لدي بعض أجهزة وزارة التعليم المنوط بها إعداد تطوير المناهج والإمتحانات تسببت في إحداث خلل وارتباك ، اتخذها البعص ذريعة ومبررا للغش ، وخير مثال معاناة التلاميذ والمعلمين وأولياء الأمور مع منهج وإختبارات رابعة ابتدئي المطور هذا العام!
وأيضا هناك خطايا تقترفها بعض الأسر حول هذه القضية، بدفع رشاوي لبعض المديرين والمعلمين ،مقابل تسهيل عمليات الغش، وتجاوز السنوات الدراسية بأية وسيلة، وهناك عشرات من الحالات تتحدث عنها وسائل الإعلام بمختلف المراحل التعليمية.
وفي هذا السياق المستهجن صدمني الأسبوع الماضي خبر التنكيل بأحد المعلمين بدرجة خبير بمدرسة الجهاد التابعة لمديرية التعليم بالجيزة ،ونقله تعسفيا رغم معاناته وظروف المرضية لأنه حاول منع وقف عملية غش جماعي بالصف الرابع الإبتداي بإشراف عدد من المدرسين!
والغريب أنه لم يستمع له أحد من المحققين وبدا وكأنه هو المذنب ورفضوا إنصافه، فاضطر لرفع شكواه وصرخته لوزير التعليم عبر المنصات وشبكات التواصل وبعض الصحف لعل وعسي !!
واعتقد أن علاج الداء ليس مستحيلا لكن ينقصه التشخيص السليم للمرض مع الإرادة الصادقة للتعافي والشفاء!.