معاً للمستقبل
ما أكثر ما تخطه الأقلام وتذيعه الألسن في فضائنا الإلكتروني وفي صحفنا وشاشاتنا..والقاسم المشترك بينها جميعاً هي الكلمة التي أداة بناء للوعي أو معول هدم..وهي إما لك أو عليك.. وكلنا مسئولٌ عن كلّ حرفٍ تخُطُّه يمينُه، وكلّ قصدٍ ينطوي عليه ضميرُه.
أما الكتاب والإعلاميون و"اليوتيوبر"، ومن يملكون تأثيراً واسعاً ومتابعين كثراً على وسائل التواصل الاجتماعي فهؤلاء مسئوليتهم أعظم جزاؤهم أكبر بحسبانهم صناع الوعي وتشكيل الفكر والوجدان وتوجيه الرأي العام..وما أخطرها من مهمة وما أعظمها من أمانة إن صلحت وتجردت لوجه الحق وصالح الأوطان ارتقت الأمة وتحصنت ضد رياح الفتن والتشويش وحرب الأفكار.
الله سبحانه أمرنا بالحسنى في القول والنصح وحتى في الجدال يقول تعالى : وجادلهم بالتي هي أحسن"..وقال لنبيه موسى وأخيه هارون:"فقولا له قولاً ليناً"..وقال تعالى عن الكلمة الطيبة : "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ" (إبراهيم:24).. فتذكَّر دائمًا أيها المتكلم صحفياً كنت أو مذيعاً فضائياً أو "يوتيوبر" أنَّ الكلمة ه أداةُ بناءِ الوعي الكُبرى ..فلا تجعلْ أداةَ بناءِ الوعي مِعوَلَ هدمِ مجتمعك، أو هَدمِك.
للكلمة الطيبة أثر عظيم وخطير في القلوب والعقول، ومن ثم فإن لأصحاب القلم والرأي مكانة رفيعة رفعة القلم الذي أقسم به الحق سبحانه في سورة نزلت باسمه القرآن..لكن هل يستوي –وأقصد المذيع واليوتيوبر والصحفي وذوي التأثير على مواقع التواصل- هل يستوى من يتحرى الصدق والمهنية والموضوعية ويتثبت من معلومة أو فكرة يذيعها بين الناس مهما يكلفه ذلك الأمر من مشقة وتعب..ومن يلبسون الحق بالباطل أو يكتمون الحق وهم يعلمون، وينتهكون الميثاق ويشيعون الكذب ويطلقون الشائعات ويثيرون البلبلة والفتنة بتناول ثوابت الدين والقيم والأخلاق..ويلهون الناس بجدل لا نفع فيه ..هل يستوي من يؤدون حق الكلمة بأمانة ويوفون بعهدهم ويدفعون ضريبة الثبات على الحق..ومن يستسهلون التضليل والخداع والنفاق ومهادنة الفساد رغباً ورهباً..هل يستوي من يهدون الناس إلى سواء السبيل ومن يضلونهم ويغرقونهم في النميمة ونهش الأعراض والتجريح واغتيال السمعة وانتهاك الحرمات..ومن يرسمون للوطن طريقاً آمنا للمستقبل ويضعون له أولوياته الواجبة.
ما يلفظ به الناس خيراً أو شراً مكتوب عليهم في صحيفة الأعمال وهم محاسبون عليه يوم القيامة لقول النبي الكريم رداً على الصحابي الجليل معاذ بن جبل " «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائدُ ألسنتهم»..فإذا ذلك لعوام الناس فما بالنا بخاصتهم أصحاب القلم والرأي والذيوع والانتشار والتأثير الذين تصلح المجتمعات بصلاحهم وتفسد بفسادهم وانحرافهم..أليس الخطب أعظم والوزر أفدح..ولتعلم أيها المذيع والصحفي والإعلامي واليوتيوبر أن ما تلفظ به مكتوب في صحيفة أعمالك فانظر هل تجد ما يسرك وتقر به عينك يوم لا ينفع مال ولا شهرة ولا نفوذ.
لا شك أن كل إنسان يتصرف ويعبر وفق ما ينطوي عليه ضميره وعقله وإدراكه..وربما يكون مستساغاً لو نطق على سجيته وهواه لكن حين يتعلق الأمر بالخروج إلى الناس بمنصات تأثير ووسائل إعلام لنحدثهم بمعلومات أو حكايات وقصص أو تحليلات عما يحدث في بلدهم أو حول العالم أو استضافة شخصيات سياسية أو اقتصادية في البرنامج أو الجريدة والمواقع وغيرها ..هنا يكمن الفرق بين إنسان عادي يقول ما يشاء وبين مذيع أو إعلامي تصبح صورته جزءاً أساسياً من عمله؛ فهو مؤتمن على ما يقدمه للجمهور فلا يصح أن يصدر فيه عن انطباعات نفسه أو هواه أو أفكاره الشخصية..فأسئلته مثلاً ينبغي ألا تعبر عن نفسه بل عن قضايا وهموم الناس بشتى أطيافهم ومخاوفهم، متحرياً للموضوعية والأمانة فيما ينقله من وقائع والأحداث والصور التي يختارها ويقدمها للمشاهدين..ومن واجبه أن يسأل نفسه: ماذا يقدم وكيف ولماذا ومتى يفعل ذلك حتى لا يقع في العشوائية والشطط والخطأ.
المذيعون كثر.. لكن الإعلامي الحق عملة نادرة في فضائنا؛لما يحمله من مواصفات ومؤهلات وما يحققه من معايير المهنة؛ فهو يسعى دائما بوحي من ضميره وأخلاقه وحرصه على وطنه وإحساسه بمسئوليته تجاه مجتمعه وتجاه كل إنسان يراه ويسمعه سواء من خلال الشاشة أو من وراء ميكروفون الإذاعة، وهو يمارس دوره انطلاقاً من الحدود التي ترسمها مواثيق الشرف والأخلاق.
صحيح أن لدينا برامج راقية ومذيعين يستحقون بجدارة لقب "إعلامي" لكنهم قلة وسط زحمة متدنية تمارس مهنة "مذيع" وفق رؤيتهم هم لا وفق ما يقتضيه الواجب، فيحرض أحدهم شعباً على جيش وطنه مثلاً ، ويتطاول آخر على قامات كبيرة ورموز دول لا ينتمي هو إليها ..فهل يليق بمن فقد الحيادية والنزاهة والمصداقية أن يجلس على مقعد "الإعلامي" ..؟!
الإعلامي الحق له مواصفات وشروط أهما الوسطية والرؤية المتوازنة حتى لا يقع في غواية الفرقعة وتأجيج النفوس أو صب الزيت فوق نيران مشتعلة بالحروب والصراعات بين الشعوب والدول ..ومن واجبه أن يرتقي بأخلاقه وثقافته وفكره ليرتقي بالتالي بمشاهديه ومجتمعه.
ولست بحاجة للقول إن إعلامياً بلا رسالة إيجابية هو "مذيع" مشغول بالإثارة والفرقعة والفضائح ..يعشق المذياع ليفرغ من انطوت عليه نفسه من أحقاد وتنفيذ ما يُملى عليه من أجندات ليقول رأيه مناطحاً معارضيه، صارخاً بأعلى صوته بما يراه هو لا بما يتوجب عليه قوله ..وهو لا يتوانى عن السب والشتم والذم وترويج الأكاذيب دون أن يطرف له جفن أو يهتز له ضمير، طامحاً للشهرة، عاشقاً للاستعراض ..ومثل هؤلاء للأسف ما زالوا يرتعون على شاشات تخاطب الناس من خلال رؤية المذيع وما يصدر عنه معبراً عن أخلاقه ومستواه الفكري والعلمي و هدفه الحقيقي من الظهور على الشاشة.
فماذا نفعل مع مثل هؤلاء المذيعين..؟!
البعض يرى أن الأفضل تجاهلهم حتى لا نزيدهم شهرة وانتشاراً؛ وحتى تنفض عنهم "السبوبة" التي تغريهم بالتمادي في غيهم..بينما يرى آخرون أن فضحهم وتفنيد أباطيلهم بمثابة جرس إنذار وتنبيه لخطورة ما يفعلون حتى لا تُترك لهم الساحة خالية يتلاعبون بعقول المشاهدين ويفتنون العوام..وكفى ما فعلوه بالشاشة من انحدار وإسفاف و ما فعلوه بالمشاهدين من تدنٍ لمستويات غير مسبوقة..ونظرة واحدة لما يتداوله كثير من شبابنا وأطفالنا من ألفاظ سوقية في الشارع لندرك إلى أي مدى أجرم هؤلاء وغيرهم في حق هذا الوطن بحسبان التليفزيون أحد أبرز وسائل الإعلام الحديثة تأثيراً في حياة الناس لما تنطوي عليه من سرعة وسهولة الوصول لكل بيت في شتى ربوع الوطن بما تستخدمه من تقنيات تكنولوجية نقلت الناس من عصر الاستماع للمذياع إلى عصر المشاهدة والاستماع معاً، فضلاً على المشاركة في صناعة المحتوى الإعلامي ذاته عن طريق اليوتيوب وغيره من منصات التواصل التي تجعل الجمهور ليس متابعاً للأحداث لحظة بلحظة بل مشاركاً في صناعتها وإنتاج محتواها بصورة لم يكن يتخيلها أحد.
ويبدو طبيعياً في سياق كهذا أن نشدد على ضرورة التزام مذيع التليفزيون بقيم المهنة وأخلاقها وميثاق شرفها التي هي مستمدة بالأساس من الأخلاق العامة بشكل عام وأخلاقيات الصحافة بصفة خاصة، وهي قيم أخلاقية ومهنية نصت عليها القوانين والأنظمة ومواثيق الشرف الحاكمة لمهنة الإعلام ويجب أن يلتزم بها كل من يظهر على شاشات التليفزيون مذيعاً كان أم ضيفاً.
على المذيع احترام الحريات العامة وخصوصيات الآخرين وصون حقوقهم وحرمة الحياة الخاصة وعدم المساس بها، وأن يلتزم الموضوعية والنزاهة والحياد وجدية التناول وشموله؛ فنزاهة التناول أساس مهنة الإعلام ومن ثم فلا يصح أن يكون الإعلامي مدفوعاً بأسباب شخصية؛ كأن يكون له مصلحة سياسية أو فكرية أو عداوة شخصية مع أحد أطراف القضية التي يتناولها أو تكون له مصلحة مادية لنصرة طرف على حساب آخر، وأن يلزم الصدق والشجاعة والدقة والاستقلالية والمهنية العالية وعدم التحيز لجانب على حساب آخر.
ومع كثرة الخروقات والسقطات التي يقترفها نفرٌ ممن يزعمون أنهم إعلاميون ازداد بوتيرة أسرع الاهتمام بمسألة "الأخلاق الإعلامية" (صحفية وتليفزيونية وإذاعية ومواقع إلكترونية) في وقت كثرت فيه المحطات الفضائية الخاصة نتيجة سهولة إجراءات التأسيس واعتماد كثير منها على مذيعين بلا خبرة أو تدريب كافٍ، وهو ما يفسر لنا لماذا وكيف تولدت ظاهرة عدم الالتزام بالأخلاق والمواثيق الإعلامية ومن ثم فلا صلاح للمهنة من دون العودة لتدريب المذيعين والمذيعات قبل ظهورهم على الشاشات وكذلك تثقيف وتربية طلاب الصحافة والإعلام على آداب المهنة واحترام قيمنا وتقاليدنا العريقة وآداب المهنة ومعايير احترافها.
ما أحوجنا أكثر من أي وقت مضى لنهوض وسائل الإعلام كافة برسالة تنوير وطني بقوة واقتدار وإيمان بحتمية إصلاح الأخلاق حتى تستقيم أحوالنا ونسترد ريادتنا واعتدالنا..نحن في حاجة لتهذيب سلوكيات سيئة يسبقها تغيير ثقافة ترسخت وتجذرت في مجتمعنا حتى أودت به للاحتقان والتطرف والانغلاق وضيق الصدور بالاختلاف وتبني ثقافة أكثر رشداً وعقلانية وانفتاحاً وليبرالية وقابلية للعيش المشترك وقبول الآخر والمشاركة والتعاون وإصلاح ما ينبغي إصلاحه.
علينا أن نتخلص من ثقافة ما نعرفه أفضل مما لا نعرفه؛ فطبيعة الأشياء أن الإنسان عدو ما يجهل، كما أن تغيير الثقافة الجامدة والفاسدة تنقلنا بالضرورة من مربع التوجه السلبي والخمول ومعاداة التغيير والتطور إلى ساحة التفاعل والتجاوب الفعلي ..تنقلنا من الإحباط وتثبيط الهمم والتفاؤل والحركة والحيوية والإبداع.
ثقافة التغيير للأفضل فريضة لا يصح التفريط فيها ومطلب ضروري لحياة أكثر إنتاجية ورفاهية ..ثقافة تنمي قيم العمل الحر المنتج المبدع القائم على اقتصاد المعرفة والقيمة المضافة ..وكيف يمكن مثلاً لتكنولوجيا المعلومات وخدمات التعهيد والطاقة المتجددة فضلاً عن المجالات التقليدية من زراعة وصناعة أن تزيد صادرات مصر وتضاعف إنتاجيتها وتنقلها لثقافة القيمة المضافة وريادة الأعمال ودعم الابتكار والتعليم مدى الحياة والمجتمع الرقمي القائم على البحث العلمي والذي يطالب به الرئيس السيسي كأعمدة أساسية للجمهورية الجديدة.
نريدها ثقافة تدعو لاحترام القانون والمواطنة والتسامح بين أبناء الوطن الواحد مهما تختلف عقائدهم الدينية ومشاربهم السياسية..فمن غير الإعلام والدراما ومؤسسات التربية والتعليم والثقافة يمكنه تحريك المجتمع وتهيئته للقبول مثل هذه المفاهيم وتطبيقها في الواقع.
إنها رسالة يجب على الجميع أن يتحمل نصيبه منها بشفافية ونزاهة وموضوعية وهو ما يتطلب تطوير المحتوى الإعلامي والصحفي والدرامي وهو أمر ليس صعباً إذا خلصت النوايا وأصبح الوطن أهم الأولويات.
ويبقى أخيراً أن المذيع له مقومات لا يصح التهاون فيها؛ فهو قادر إدارة حوار وتقديم محتوى إعلامي بلغة فصيحة نحواً وصرفاً وألفاظاً ومخارج حروف، وهو يلتزم الجدية ويمتاز بسعة الاطلاع والثقافة ووضوح الرؤية وسلامة القصد والإلمام بقضيته التي يناقشها بلغة راقية وطريقة جذابة ..أما من فقد تلك الشروط فليس إعلامياً بل متطفل على الإعلام دخيل عليه..والسؤال كم قناة تلتزم بتلك المعايير فيمن يتصدرون المشهد ولا يكفون عن الصياح والزعيق ليل نهار..؟!