من الألف إلي الياء
انطلقت حرب الجحيم بعد أن انغلق الأفق السياسي ،وتغلبت أصوات المدافع والرصاص وهدير الدبابات وأزيز الطائرات علي صوت العقل والحكمة والدبلوماسية ،ولم تعد هناك فرص للتوافق والتفاوض والتعايش، حتي وصلت الإختيارات السياسية لنقطة الصفر لدي جميع الأطراف، فكان قرار المعركة المرة ، لتكتمل منظومة الصراع الكوني في عالم يتشكل من جديد، ولا يعرف إلا قانون القوة واللاعودة.
ومع استمراء لغة الخداع والتضليل والحسابات بين الكبار والحلفاء تتعد الترتيبات لترسم للبشرية عالما جديدا ونظاما أمميا مغايرا ، تغيب عنه القيم الإنسانية وأدني حقوق الإنسان، ولا يعترف إلا بلغة التسلط والامبريالية في ثيابها الجديد، ولا يأبه إلا بسطوة المصالح وإستبداد رأس المال بوجه القبيح وديمقراطية العصر ، بمواصفاتها ومعاييرها الجديدة!.
وما بين شقي الرحي أصبح وأمسي العالم في يأس وقلق وضجر، يضرب أخماسا في أسداس ويعيد ترتيب أوراقه وتصوراته ونظراته للمستقبل ، ما بين ضغوط الحياة وأزماتها المتصاعدة وما بعد بين تداعيات الحرب المفزعة تدور الدوائر!.
ولعل أصحاب القلوب ومابقي من قيم إنسانية ،هم فقط هم تألموا ، وتوجعوا لحال مشهد مئات الآلاف من الفارين الذين طلبوا اللجوء لبولندا والمجر ورومانيا ، والعديد من دول العالم هربا من شبح رائحة الموت التي انتشرت في كييف وما حولها.
وتظل الحرب هي الحرب كما علمتم وعايشتم ..وما أنتم عنها بالحديث المبهم.. خراب ودمار مادي ومعنوي وتشريد للأبرياء وترويع للآمنين من الأطفال والنساء والمسالمين ،وما صنعتة أيادي البناء في سنوات تدمرته نيران المعارك في لحظات!.
وقد كشفت الحرب عن جملة من النوايا الخبيثة وحقيقة نوايا الغرب وحزب الناتو ، توظيف الأزمة لصالحهم ،فقد تظاهروا بمناصرة أوكرانيا ودعمها عسكريا، وبعد خراب مالطة اكتفت بوعود فرض عقوبات جديدة علي روسيا ،مع ترويج أسلحتهم ومعداتهم العسكرية، حتي اعترف الرئيس الأوكراني بأنه وقع في الفخ وتواجه بلاده روسيا بمفردها !.
وفي أيام معدودات دمرت ترسانة كييف العسكرية وحوصرت منشآتها النووية ودمرت معظم الأهداف الاستراتيجية.
ويبدو أن دول الغرب تجيد كعادتها إستثمار الأزمات لصالحها، فقد أعدت قائمة من العقوبات لمحاصرة النفوذ الروسي وتكبيدها خسائر باهضة خاصة بتجميد أرصدتها ، ولعل الأخطر إخراجها من منظومة تحويل الأموال الدولية" سويفت" لإحداث شلل في حركة التجارة مع دول العالم.
وقد بدت ملامح الاستقطاب تتشكل و انقسم العالم لفريقين كبيريين ،فريق يناصر المعسكر الروسي ويبرر فعلتها وتهورها حماية لنفسها ودفاعا عن أمنها الاستراتيجيي ،وفريق آخر انحاز إلي المعسكر الغربي الذي كرس الإنقسام الحاد وأسس له منذ عشرات السنين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
وعلي الجانب الآخر بدأ التنين الصيني يكشف عن نواياه بتأييده المطلق لموسكو وسياساتها ،وبدأ معركة حشد الأنصار ضد معسر الناتو ،ويغازل كوريا الشمالية العدو اللدود لواشنطن وحلفائها، للدخول علي الخط وحجز مقعدها مبكرا في النظام العالمي الجديد ،أما "الكومبارس" ودول العالم الثاني والمتأخر فالتزموا الصمت انتظارا لما ستفسر عنه الأحداث فلا حول لهم ولاقوة، في مشهد حضور كبار القوم ،لكنهم سيسهمون حتما في دفع فاتورة الحرب،إما آجلا أو عاجلا!!
وأتصور أن هناك جملة من الدروس الأولية للحرب الأوكرانية، علي كافة المستويات السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاستراتيجية، من أهمها علي المستوي المحلي تحصين الذات ودعم مفهوم بناء الوطن والدولة القوية، التي تستثمر طاقاتها ومواردها البشرية والطبيعية، وتسعي جاهدة لتحقيق الاكتفاء ،وتطوير قدراتها التصنيعية والتكنولوجية والإنتاجية وتوفير الغذاء والكساء وكافة مقومات الحياة العصرية.
أما علي مستوي العالم العربي ضرورة عودة التوافق والتضامن العربي ،وإحياء فكرة التكامل الاقتصادي وتعزيز التبادل التجاري، وحل كافة النزاعات ، والخروج من دوامة الخلافات الطائفية الحادة وتجاوز الخلافات السياسية، وإعادة النظر في كافة علاقاتها الدولية بتوازن وتعقل ،فهذه هي قوانين عالم اليوم ، لمن أراد أن يعي حصاد الدروس ومغزي الرسائل !.