معاً للمستقبل
المرأة كلمة السر في كل حياتنا؛ فهي ليست نصف المجتمع كما يقال بل هي أكثر من ذلك أثراً؛ فهي وإن كانت نصفه عدداً فإنها تلد وتربي نصفه الآخر، وتترك فيه شيئاً من طباعها ونفسها وثقافتها وسلوكها بحسبانها حاضنة طبيعية للأبناء لسنوات متصلة منذ نعومة أظفارهم فتشكل أفكارهم ووجدانهم ورؤيتهم للعالم من حولهم..ومن ثم فلا عجب والحال هكذا أن يكون صلاح أي مجتمع رهناً بصلاح نسائه..فكيف يُهزم مجتمع تقف المرأة بكل ما أوتيت من صبر وقوة تحمل وعاطفة أمومة وحنان خلف كل رجل فيه، تدفعه وتشجعه وتسنده في وجه التحديات والملمات والشدائد..ولقد بُعث رسولنا صلى الله عليه وسلم والمرأة تعاني بصورة عامة هضماً لحقوقها، وإجحافاً في معاملتها، واستخفافاً بشأنها، بل وتشكيكاً في إنسانيتها، فأنصفها وأعلى منزلتها وحفظ مكانتها وحرم انتهاك حقوقها.. ولا تكاد سورة من كتاب الله عز وجل ليس - بل ولا آية- إلا وللمرأة فيها نصيب، إما خطابا مباشرا لها، أو بمقاسمة الرجل أحكامها وتوجيهاتها، بل إنها قد تنفرد عن الرجل في كثير منها، بل إن الله جعل للنساء سورة كاملة في كتابه،هي من أطول سوره.
وفي سنة رسوله الكريم ما لا يمكن حصره من الأحاديث الخاصة بالمرأة، أمراً وتوجيهاً وإرشاداً وبياناً لمكانتها، فقد أوصى بالنساء خيراً في خطبته المشهورة"استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عَوَان "يعني أسيرات، رافعًا شأن المرأة بقوله: " خياركم خياركم لنسائهم، خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"..وقوله:" النساء شقائق الرجال".
ألا يكفي ذلك لتحظى المرأة بمكانة رفيعة في مجتمعاتنا، ويكف السفهاء عن جعلها مادة للإثارة تارة، وللمزايدة على حقوقها (المصونة شرعاً ودستوراً وقانوناً) والإلهاء تارة أخرى..؟!
المرأة كانت ولا تزال مصدر إلهام للشعراء والأدباء؛ فجرت طاقات الإبداع بداخلهم فنظموا أجود ما عرفته البشرية أدباً خالداً ينطق بالروعة والإبداع..ولم يغفل الفلاسفة والحكماء مكانتها ودورها فجرت حكم وأقوال مأثورة ترفع قدرها وتجعلها محط الإعجاب والتقدير..فقد قيل مثلاً فيها :" المرأة التي تهز المجد بيمينها تستطيع أن تهز العالم بيسارها"..و"المرأة الصالحة تشبه الأم والأخت والصديق"..و" إذا كانت المرأة الجميلة جوهرة فالمرأة الفاضلة كنز"..و" وراء كل عظيم امرأة" لولاها ما بلغ تلك المرتبة..وأيضاً :" وراء كل رجل سعيد امرأة لا تفارق البسمة شفتيها" ..و" إذا أردت أن تعرف رقي أمة فانظر إلى نسائها".
وفي المرأة صيغت رسائل كثيرة منها : أن الرجل قد يكتب عن الحب كتاباً ولا يستطيع مع ذلك أن يعبر عنه لكن كلمة واحدة من المرأة عن الحب تكفي لذلك كله.."
النِّسَاءُ ثَلاَثَةٌ كما يقول عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: امْرَأَةٌ هَيِّنَةٌ لَيِّنَةٌ عَفِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ وَدُودٌ وَلُودٌ تُعِينُ أَهْلَهَا عَلَى الدَّهْرِ , وَلاَ تُعِينُ الدَّهْرَ عَلَى أَهْلِهَا، ثَانِيَةٌ : امْرَأَةٌ عَفِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ إنَّمَا هِيَ وِعَاءٌ لِلْوَلَدِ لَيْسَ عِنْدَهَا غَيْرُ ذَلِكَ ، ثَالِثَةٌ : غُلٌّ يَجْعَلُهَا اللَّهُ فِي عُنُقِ مَنْ يَشَاءُ وَلاَ يَنْزِعُهَا غَيْرُهُ".
لا جوهرة في العالم أعلى قيمة من امرأة تنزّه نفسها مما يعاب..الرجل من صنع المرأة فإذا أردتم رجالاً عظاماً فعليكم بالمرأة؛ تعلمونها ما عظمة النفس، وما الفضيلة."
" أسعد ساعات المرأة هي الساعة التي تتحقق فيها أنوثتها الخالدة وأمومتها المشتهاة ..وتلك ساعة الولادة".."أعظم امرأة تلك التي تعلمنا كيف نحب ونحن نكره، وكيف نضحك ونحن نبكي، وكيف نصبر ونحن نتهذب؛ فالمرأة تجعل البيت جميلاً والعالم سعيدا بالقدم على المهد..وبالمغزل في اليد".
ما أكثر ما قيل عن المرأة من أمثال وأقوال ومأثورات تجسد أهميتها ومكانتها في دنيا الناس، وفي أي مجتمع ومن ثم فقد عجبت وتألمت لما أثاره حولها مذيعون في الفضائيات ضربوا بقيمنا وتقاليدنا الأصيلة والمهنية والمصداقية عُرض الحائط.
وما بين ضرب الزوجات الذي ردت عليه دار الإفتاء سريعاً بصورة حاسمة؛ بأن الرجال الحقيقيين لا يضربون النساء وما بين دعوة البعض لضرورة تقاضي الزوجة أجراً نظير عملها في منزل الزوجية وضرورة استئجار خادمة أو مقابل إرضاع صغيرها وما بين ارتداء الجدات العفيفات بالصعيد والوجه البحري للمايوهات في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي تعددت أوجه الشطط والانفلات والتطاول وإغراق المجتمع في جدل سفيه يهدم كيان أهم مؤسسات المجتمع، وهي الأسرة وهو ما لا يخدم إلا أعداء الدين والوطن و المواطن ويفتح الطريق أمام تشويه وتشتيت فكر الجيل الجديد..حتى بلغ الشطط مداه بتشكيك هذا المذيع في ثوابت الدين وما اتفق عليه علماء الأمة الراسخين في العلم؛ ذلك أنه أنكر وجود "المعراج" رغم أن هناك سورة في القرآن باسم الإسراء وهو قرين المعراج كما هو ثابت بنص الحديث الشريف.. فحادثة المعراج ثبتت بالأحاديث المتواترة المبثوثة في الصحيحين والسنن والمسانيد والمعاجم ودواوين السنة عن جملة من الصحابة يزيد عددهم على العشرين، قال الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان: فقد تواترت الأحاديث الصحيحة عنه أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وأنه عرج به من المسجد الأقصى حتى جاوز السماوات السبع.." ومن تلك الأحاديث المتواترة حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه -وهو حديث طويل- وفيه: .... فانطلقت مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا... إلخ. وذكر أنه رأى في السماء الدنيا آدم عليه السلام وفي الثانية عيسى ويحيى عليهما السلام وهكذا.... والحديث رواه البخاري ومسلم..أما آن الأوان لأن يثوب هؤلاء إلى رشدهم ويتقوا الله فيما يطرحون من قضايا أو ينالوا عقابهم على ما ارتكبوه في حق مجتمعنا وديننا.
وإذا كانت المرأة هي مفتاح البناء فهي كذلك مفتاح الهدم وأوسع أبوابه ومن ثم وجب التعامل معها باحترام وتقدير بحسبانها الأم والأخت والزوجة؛ فمن منا جاء للعالم دون أم حملته في أحشائها تسعة أشهر..كفى بالمرأة علواً أنك ترى أثرها شاخصاً في كل شيء فهي كما يقول الرئيس السيسي "صوت ضمير الأمة".
وإذا تحدثنا عن المرأة وتطور علاقتها بالرجل والمجتمع، ذلك البعد الحساس الذي تناولته الكتب والروايات وتحليلات كبار الكتاب والأدباء والمفكرين في مصر والعالم؛ فإننا نجد أن أشهر الشخصيات وأبرزها في الاقتصاد والسياسة والأدب والاجتماع تأثرت بالمرأة بصورة مباشرة وكتبوا في مذكراتهم مسارات علاقاتهم بالمرأة وكيف أسهمت في حياتهم ومبلغ هذا الإسهام وكيف كانت عنصر دعم قوياً أو معول هدم وتراجع لا يمكن إغفاله بحال من الأحوال.
دور المرأة في حياة الرجل مشهود لا يمكن إنكاره فهي حاضنته الأولى وسبب وجوده في الحياة منذ كانت وعاءً حملته في بطنها 9 أشهر وهناً على وهن بمشقة بلغت ذروتها لحظة مولده وخروجه للدنيا، ثم تعهدته بالرعاية صغيراً حتى اكتمل تكوينه وصار قادراً على التعامل مع الحياة معتمداً على نفسه.
المرأة ركيزة الأسرة وأساس نجاحها، أو إخفاقها ولا يقف دورها عند ذلك الحد بل لعبت دوراً مهماً في بناء الحضارات وصناعة التاريخ الإنساني الحافل بالأحداث والتحولات الكبرى..وكم من نساء باهرات لعبن دور البطولة في صنع الأحداث ومواجهة الأزمات ، وكن مصدر إلهام ودعم كبيرين للرجل.
وفي تاريخنا القريب ما يؤيد صحة ما ذهبنا إليه؛ فالمرأة المصرية ضربت أروع الأمثلة في تحريك الأحداث، ونصرة الوطن ودعم الدولة ومؤازرة القيادة حين خرجت في ثورة 30 يونيو لتصرخ بأعلى صوت في وجه الحكم الإرهابي للإخوان ثم عاودت الخروج والاحتشاد في الاستفتاء على دستور 2014، شاركت بصورة غير مسبوقة في انتخاب الرئيس السيسي المرة تلو الأخرى..ثم تحملت ما لا يتحمله بشر في معركة الإصلاح الاقتصادي التي فرضت على الجميع أعباء تصدت لها بجسارة وأحسنت تدبير شئون بيتها بوصفها وزيرة مالية الأسرة التي يعولها رجال أو بوصفها المرأة المعيلة التي تكيفت ببراعة مع ظروف مادية معقدة ضاعف صعوبتها ما فرضته جائحة كورونا من تداعيات مريرة اقتضتها أن تتفانى في التقشف واقتصاد النفقات توفيقاً بين الموارد والنفقات .
ودائماً ما تثبت المرأة أنها الجندى المجهول في كل المعارك، وهي مدرسة إن أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق كما يقول الشاعر..وهي الجامعة وهي كل شيء في حياة أبنائها ودورها الوطني راسخ لا غبار عليه وهي التي امتثلت لأمر ربها وحملت روحه في أحشائها ليأتي المسيح عليه السلام رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم التي اصطفاها على نساء العالمين.
المرأة هي أم سلمة التي أخذ رسول الله بمشورتها في صلح الحديبية..والمرأة هي التي أجبرت نابليون بونابرت القائد الفرنسي الأشهر في إلى اعتزال الحروب وقيادة الجيوش ..وهي التي فجرت مشاعر الحب لدى امريء القيس أعظم شاعر عاش في التاريخ وهي التي قال عنها الأديب يحيى حقى: "أنا من دون زوجتى لا أساوي شيئاً..إنها النظام في حياتي وهي التي تحد من نزواتي وانطلاقاتي البوهيمية".
أما الكاتب الكبير توفيق الحكيم فقد قال رغم عداوته للمرأة إن عواطف المرأة ودموعها لا تثير فينا غير الابتسام ، ومن يدري لعل الحقيقة غير ذلك، وإن القيم السائدة بيننا لا تعدو أن تكون أوضاعاً اجتماعية قديمة تعيش فينا، والدليل على ذلك أن المرأة تتغلب علينا دائماً بدموعها ومنطقها وتحقق كل ما تريد".
أما ما يدهش حقاً فهو ما توصلت إليه أحدث الدراسات من أن المرأة ذلك الكائن الرقيق المشهور بضعفه هي أكثر قوة وقدرة على التحمل من الرجل.
أما حقوق المرأة فهي كثيرة وقد نالت بالفعل شطراً كبيراً منها في عهد الرئيس السيسي الذي انحاز إليها بشدة إيماناً بدورها التربوي والوطني والاجتماعي الهائل، وليس أدل على تقدير الرئيس لها واعتزازه بها من تمكينها من التواجد بقوة في البرلمان كما أنها صارت وكيل للنائب العام وقاضية واجتازت كل الوظائف بجدارة.
وما أكثر ما قاله الرئيس احتفاء بالمرأة واعترافاً بمكانتها فقد قال السيسي "إن نساء مصر يستحققن منا شارعاً آمناً يسرن فيه باطمئنان ومكان عمل متفهم لعملهن فيه ومعاملة راقية في كل مكان تعكس تحضر شعبنا وعراقته وحماية تشريعية تحميهن من التحرش والعنف بشتى صوره .
كلمات الرئيس تعطي رسائل واضحة لشعبنا بضرورة مساندة المرأة وحمايتها وتمكينها لتحقيق مزيد من المشاركة السياسية المطلوبة وتأدية دورها الكبير في النهوض بالمجتمع..وهناك من يطالب بإصدار قانون جديد للأحوال الشخصية واتخاذ ما يلزم من تدابير لتمكين المرأة تكنولوجياً وتقديم مزيد من المساندة للمشروعات الصغيرة التي تتيح لها فرص عمل لائقة.
وهكذا يبرهن الرئيس فعلياً أنه المدافع الأول عن حقوق المرأة التي يسجل لها التاريخ أنها ضحت ولا تزال من أجل الوطن والأسرة وليس أدل على ذلك من تخصيص 25% من مقاعد البرلمان للمرأة.
المرأة الصالحة خير للرجل من عينيه ويديه وهي أجمل هدية قدمها الله للإنسان فهي روح الحياة ونبضها ومنبع السعادة وبريقها وهي نبع الحنان والرقة وهي الأفق الذي تشرق منه شمس السعادة للتنفس الدنيا من روحها ويكفيها أن الله جعل الجنة تحت أقدام الأمهات..وما أكرمها إلا كريم وما أهانها إلا لئيم..فاختر لنفسك المكان الذي تحب أن تكون فيه.