عيون الشعب
لم أكن اعرف ان الله وهب زاهى حواس .. موهبة الكتابة .. إلا بعد ان قرأت كتابه البديع " الحارس " _ ايام زاهى حواس .. التقيت بعاشق الآثار .. فى الصالون الثقافى الذى يقيمه الدكتور عبد المنعم عمارة .. منذ حوالى اكثر من حوالى عام .. ولكنى لم اتعرف على مختلف جوانب شخصيتة .. الا فقط كعالم وعاشق للاثار .. إتاح لنا هذا العالم .. ان نتعمق اكثر واكثر فى شخصيته .. بل وحياته .. وأسرار نبوغه .. من خلال كتابه .. ولابد ان نتوقف امام القدر .. وكيف قاده .. ليلتحق بقسم الاثار بكلية الآداب جامعة الإسكندرية بالصدفة .. وان طريق النجاح .. لم يكن سهلا .. التحق بكلية الحقوق وعمره ١٥ عاما .. اختار الحقوق متأثرا بشخصية المحامى .. فى افلام السينما .. التى كان يشاهدها فى دمياط وفارسكور .. فهو من مواليد قرية العبيدية مركز فارسكور .. ومن هذه القرية تعلم زاهى حواس .. التأمل والجمال والثقافة .. والثقافة هنا .. كما يقول د. زاهى من الفلاحين بقريته .. يقول د. زاهى .. ان والده اختار له اسم زاهى .. تيمنا بصديق له سورى اسمه زاهى .. وهو ايضا اسم لمدينة سورية بإسم جاهى .. حرص والده على تحفيظ القرآن الكريم له ولاخوته ..فى كتاب الشيخ يونس .. يحكى لنا د. زاهى حواس ..عن تشكيل وجدانه فى سنواته الأولى .. عن طريق الراديو الوحيد فى القريه .. حيث الاستماع إلى الف ليلة وليلة بصوت الاذاعية الراحلة زوزو نبيل .. حيث يمتد الحوار والنقاش .. فى رمضان حتى السحور .. فى مضيفة احد بيوت القرية .. والمضيفة تطابق حجرة الصالون فى بيوتنا .. كان اللقاء مع الشيخ دسوقي بعد صلاة العشاء نستمع منه إلى قصص وبطولات العظماء وقصص البطولات الشعبية .. وهنا ظهرت هوايات زاهى حواس الثلاثة : القراءة وهو فى سن التاسعة .. باستعارة الكتب من مدرسته .. مدرسة مناع خليل الاعدادية .. اما الهواية الثانية .. لعب كرة القدم .. التى كان يجيدها ببراعة .. لدرجة انهم أطلقوا عليه صالح سليم .. واعتبروه كابتن الفريق .. وهواية زاهى الثالثة .. التمثيل .. فى مسرح المدرسة .. ومشاهدة افلام السينما .. وبالفعل قدم زاهى العديد من المسرحيات .. على مسرح المدرسة ومسرح القرية .. وعشق زاهى السينما .. كان يدخر مصروفه .. ليوم الخميس .. للسفر بالقطار إلى دمياط .. لدخول السينما .. والباقى لشراء الكتب المترجمة .. ككتب ارسين لوبين وشارلوك هولمز .. وكان زاهى حواس يخاف من الظلام .. لدرجة انه خلال عودته إلى قريته بعد السينما .. سيرا على الاقدام ليلا .. كان زاهى .. يسير بظهره .. اعتقادا منه انه هكذا يحمى نفسه وقد تخلص خوفه من الظلام .. وهو يدخل المقابر المظلمة .. بعد عمله بالآثار .. وهى المقابر المغلقة منذ ٣ آلاف عام .. اختار زاهى .. صديقه سيد عبد المعطي البدوى .. وهو من النوابغ .. فى القرية ..ليذاكر معه .. وكان زاهى .. يقضى الصيف فى مدينة بورسعيد .. حيث تقيم عمته فاطمة .. وتعرف هناك على طالبة بإحدى المدارس .. كان يلتقى بها .. كل عام مع الاجازة الصيفية .. الساعة ١٢ ظهرا .. امام المستشفى العسكري .. وكما يقول .. كانت عاطفة الحب افلاطونية منحت قصة الحب الأولى فى حياته ذكرى لا تنسى .. حتى مع مرور الأيام .. وفى المدرسة الثانوية .. التحق بالقسم الأدبى .. ولأول مرة .. مدرسة مشتركة .. مع البنات فى الفصل .. مما اضطر الشباب .. كما يقول زاهى .. الحضور غاية فى التأنق .. وبرع زاهى فى اللغة الانجليزية والتربية الرياضية .. وعندما التحق بكلية الحقوق وعند بدء الدراسة كان يقيم زاهى .. فى المدينة الجامعية بجامعة الإسكندرية .. اكتشف انه غير قادر على فهم اى شئ فى كتب الحقوق .. وهنا قرر التحويل إلى كلية الآداب .. واحتار فى اختيار القسم الذى يدرس فيه .. واخبرته زميله له .. عن افتتاح قسم جديد .. فى ذلك العام .. قسم الآثار .. وقالوا ان عمل خريجوه .. هو الترجمة .. فقرر الالتحاق به .. لحبه للغات .. وكان عدد طلاب قسم الآثار الجديد سبعة فقط .. ولم تعجب زاهى مواد الآثار .. ولكنه تحملها بالرغم من أنفه !! وكان يمارس هوايته فى القراءة طيلة سنوات الدراسة الأربع .. فى كل شئ ماعدا الآثار !! وحصل على الليسانس بدرجة مقبول .. وتم تكوين جمعية الآثار .. فى الجامعة للانشطة الثقافية والاجتماعية للطلاب .. وفى اول رحلة لهذه الجمعية للأقصر .. زار مقبرة الملك توت عنخ آمون وجزيرة فيلة .. ومن هنا بدأ زاهى يشعر بجمال الآثار وانها أمتع فى الطبيعة من الدراسة والمحاضرات الجافة .. يعترف زاهى .. بأنه عرف الحب الصامت فى الجامعة .. كما عرفه .. خلال سفره يوميا من قرية العبيدية إلى فارسكور للذهاب للمدرسة بالقطار .. وتسلم خطاب التعيين الحكومى وعمره ٢١ سنة .. مفتش أثار مساعد بمصلحة الآثار التابعة لوزارة الثقافة .. ومن غرائب القدر .. ان زاهى .. لم يحب العمل فى الآثار .. وذهب الالتحاق بوزارة الخارجية .. نجح فى التحريرى فقط .. لم ينجح فى الشفوى ..ليعود ويستقر فى الآثار .. وفى عام ١٩٦٩ ..وخلال عمله كمفتش للأثار فى منطقة تونا الجبل بالمنيا .. شب حريق هائل التهم سردابا كاملا .. لآلاف المومياوات .. وجاء من القاهرة .. الكاتب الصحفى الكبير الاستاذ/ سمير رجب ( الذى تولى بعد ذلك رئاسة مجلس إدارة وتحرير الجمهورية ) لتغطية اخبار الحريق .. وكتب فى الجمهورية : حريق فى سراديب الآلهة .. وتوت يحترق .. يقول زاهى .. فى تونا الجبل .. جاءت اللحظة المهيبة التى تملكتنى بالعشق والشغف بالآثار .. لحظة اكتشاف تمثال افروديت آلهة الحب والجمال عند اليونانيين .. واثناء تنظيف التمثال .. تملكني شعور بأننى وجدت عشقى فى عالم الآثار .. وهو العشق الذى غير حياتي تماما من الفشل إلى النجاح واوصلنى للعالمية .. فالعاشق يمكن ان يحول شئ صغير إلى شئ مهم جدا .. وزاهى يعتز بأنه الموظف الذى اصبح وزيرا .. حصل على ٧ شهادات دكتوراه فخرية ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى .. كتاب زاهى حواس .. يستحق القراءة .. فهو يتضمن دروس وعبر .. وايضا نموذج وقدوة .. لمن يبحثون عن قدوة .