رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

الأطفال هم زهرة الحياة الدنيا وزينتها، وهم بهجة النفوس وقرَّة الأعين..ولا عجب والحال هكذا أن يتعاطف العالم كله بما حدث للطفل المغربي ريان الذي سقط في بئر عميقة، وظل عالقاً بها حتى لقي وجه ربه الكريم في مأساة توجع لها ضمير العالم وقلبه وصارت موضع اهتمامه بضعة أيام وتصدرت مواقع التواصل الاجتماعي حتى أضحت "تريندها" الأول.

هذا التعاطف غير مسبوق وغير متوقع؛ ربما لكون الفقيد طفلاً عربياً ..ومتى كان الغرب يأبه بقضايا العرب وحقوقهم ومآسيهم ؛ وأين كان ضميره حين استباح حقوقهم و استنزف ولا يزال أرضهم عقوداً وعقودا دون أن يطرف له جفن .. وربما وقع مثل هذا التعاطف لكون العالم أصبح قرية كونية صغيرة بفضل تطور تقنيات وتكنولوجيا الاتصال..لكن هذا التعاطف رغم زخمه كان للأسف تعاطفاً مؤقتاً سرعان ما انتهى أثره دون أن يكتب كلمة النهاية لمعاناة الطفولة البائسة في أماكن كثيرة من العالم..حتى بدا مثل هذا التعاطف "إنسانية مزيفة" أفضت بنا إلى تساؤل أعمق: لماذا تعاطف البشر على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وأجناسهم ودياناتهم مع "ريان" دون غيره من آلاف "الريانين" (جمع ريّان) الذين شردتهم الحروب ودمرتهم الصراعات وقتلهم الجوع والبرد وأزهقت أرواحهم المطامع في بلدان عديدة منها مثلاً سوريا واليمن والعراق وليبيا وغيرها..ناهيك عن سوء التغذية والحرمان من التعليم والحياة الآدمية الآمنة في بقاع كثير على وجه المعمورة؟!

في أزمة الطفل ريان حبس الناس أنفاسهم في منطقتنا العربية والعالم و تعلقت الأبصار بمحاولات إنقاذ فشلت في الحفاظ على روح الطفل المسكين وكانت النهاية حزينة وصادمة بعد الإعلان عن إخراج ريان مباشرة لأحد المستشفيات وإن كانت هناك روايات تزعم أن الطفل العالق مات فور سقوطه في البئر.

وأياً ما كان الأمر فهو فاجعة كنا نرجو لو حركت قادة العالم وأصحاب القرار فيه باتجاه وقف الحروب ومعاناة الأطفال في شتى أنحاء الأرض والذين يرزحون تحت نير الفقر والجوع والخوف في مناطق النزاعات والحروب والبر القاسي في مخيمات بائسة أو الآلاف الذين يتسولون قوت يومهم في الشوارع في بلدان عديدة ثم لا يجدون تعاطفاً ولا يداً تمتد إليهم لترفع عن كاهلهم ذلك البؤس والشقاء.

تركيز الإعلام وكثافة التغطية التليفزيونية واهتمام وسائل التواصل الاجتماعي خلق دون شك مزيداً من التعاطف والاهتمام مع حالة الطفل "ريان"، وهو ما لا يتوفر في حالات مأساوية لأطفال آخرين في سوريا واليمن وغزة وغيرها..فهل يكون مثل هذا الاهتمام بداية لصحوة ضمير الإنسانية والانتباه للطفولة المنكوبة في مناطق أخرى.

لا شك أن هناك آلافاً كثيرين من الأطفال يموتون صرعى في أبيار وبالوعات مفتوحة بلا أغطية تسبب فيها الإهمال، وهناك من يموتون جوعاً، ومن لا يملكون مكاناً للعيش بنسبة بلغت 23% من سكان العالم البالغ 7.8 مليار نسمة و15% من أطفاله يعانون سوء تغذية و13% يفتقرون لمياه شرب نظيفة ويضطرون لتناول مياه ملوثة تمرضهم وتفتك بحياتهم، ناهيك عن ملايين الأطفال المحرومين من التعليم ولا يذهبون للمدارس..وهناك مليار فقير حول العالم فقراً مدقعاً وربما يلحق بهم 500 مليون آخرين بسبب كورونا التي عطلت الأعمال وأصابت الملايين وأزهقت روح ملايين آخرين.

الحفاظ على حياة الأطفال فريضة واجبة دعت إليها الأديان والشرائع ومواثيق حقوق الإنسان ..ومن ثم فإن التفريط فيها جريمة سيُسأل عنها مرتكبوها أمام الله تعالى الذي يقول في كتابه الكريم:" من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" (المائدة:32) ويقول أيضاً: "وإذا الموءودة بأي ذنب قتلت" 0التكوير: 8).

لقد وصف القرآن الأطفال بأنهم زينة الحياة الدنيا بقوله:" الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (الكهف: 46).. وهناك آيات تتحدث عن أن الجنين ذكرا كان أو أنثى نعمة وهبة من الله تعالى كقوله تعالى: "للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا (الشورى: 49-50).

ومن مظاهر رعاية القرآن الكريم للطفل، أنه أوجب على أبيه أن ينفق عليه حتى يقوى ويشتد عوده قال تعالى: "أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى . لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا" ( الطلاق: 6، 7)

ولأن الشيء بالشيء يُذكر..وفي زخم الاهتمام العالمي بمأساة الطفل ريان يثور سؤال لا مفر منه : لماذا يتعامل "ضمير الإنسانية" حتى وهو في أحسن حالاته مع المآسي بانتقائية فيتعاطف هنا ويتجاهل أو يصمت هناك.. فرغم ما يستحقه ريان من تعاطف ورثاء فلماذا أغفل ضمير الإنسانية مأساة أطفال سوريا الذين تجرعوا شتى الآلام على مدى 10 سنوات حتى أن آلافا منهم غادروا ديارهم إلى بلاد أخرى لم يجدوا فيها ملاذا إنسانياً غير الخيام والعراء حتى وصفت منظمة اليونيسيف حالهم بأنه مأساة إنسانية، فمنهم 2.4 مليون طفل لم يلتحقوا بالمدرسة تمثل البنات 40% منهم ..ولم يكن أضرابهم في سورياً أفضل حالاً منهم؛ فتزايد الفقر ونقص الوقود وارتفاع الأسعار أجبرهم على ترك المدارس والانخراط في العمل بالمخالفة للمواثيق الدولية للطفولة.

ولم تقف معاناة أطفال سوريا عند هذا الحد الأليم بل ضاعفت موجة الصقيع الأخيرة التي ضربت الشرق الأوسط مأساتهم هؤلاء الأطفال الذين يعيشون مع عائلاتهم حياة مزرية في مخيمات النازحين شمال البلاد ..وفي اليمن يموت مئات الآلاف من الأطفال سنوياً نتيجة أمراض فتاكة كما يعاني نحو مليوني طفل آخرين سوء تغذية حاداً في بلد يُصنف ضمن أسوأ البلدان لحياة الأطفال في العالم..ناهيك عما يكابده هؤلاء الضحايا من أمراض وجوع وتشريد ومواجهة خطر الألغام وظاهرة التجنيد القسري.

وفي غزة أطفال يدفعون بلا ذنب فاتورة احتلال بلادهم و تشريدهم ودفعهم للإقامة لدى عائلات أقاربهم كما تؤثر الاعتداءات المتكررة على أراضيهم على العملية التعليمية ومستقبل الأطفال هناك..وهو ما يطرح سؤالاً مهماً: أما آن الأوان أن يحظى الأطفال التعساء والضحايا في مناطق متفرقة من العالم لاسيما في البلاد العربية المنكوبة بالنزاعات والحروب باهتمام مماثل لما حظي به الطفل ريان ..ولماذا لا يتم تسليط الضوء على مآسيهم وما أكثرها وما أفظعها ..ثم أما آن لضمير الإنسانية الذي توجع لمأساة "ريان" أن يتنادى لإنقاذ آلاف من الأطفال الذين يلقون نفس المصير التعس الذي لقيه "ريان" بصورة ممنهجة وأكثر بشاعة وإيلاماً..؟!

لقد تساءل البعض ونحن معهم :لماذا انتزع الطفل القروي "ريان" كل هذا التعاطف بإجماع وطنى وعالمي وتدفقت لأجله مشاعر إنسانية نبيلة متجاوزة حدود اللغة والعرق والدين والجنس لتلبس رداء الطهر والنقاء والرقي والنبل والإنسانية في أصفى معانيها..أي طفل هذا الذي تحركت الدنيا بأسرها لإنقاذه بعد أن كسب ودّ وتعاطف الملايين حول العالم.

لقد رحل الصغير ريان عن عالمنا وسط حسرة وألم لفّ الكرة الأرضية وبقيت تساؤلات كثيرة تبحث عن إجابة تشفي صدور ملايين الأطفال البؤساء في شتى البقاع.

يمكن القول باطمئنان إن فاجعة "ريان" الطفل المغربي وحدت القلوب التي تآكلت بفضل الأحقاد والكراهية والصراعات وجعلت القاصي والداني يتنبه للإنسانية التي تجمعنا؛ وهي وحدها قادرة على بناء عالم مفعم بالنبل والرقي والسعادة والتراحم والحياة في أصفي معانيها.

من بطون المحن تولد المحن وربما كانت تلك الفاجعة سببا في استشعار ضعفنا , وأن أمام الأقدار لا نملك سوى رحمة الله ولطفه وأننا ضعفاء جداً رغم ما أوتينا من تقدم ورخاء وازدهار لكننا رغم كل ذلك لا نملك دفع الضر عن أنفسنا ..وأكبر دليل على ذلك ما عاشته البشرية ولا تزال من رعب بعد اجتياح فيروس كورونا لعالمنا الذي أصبح أقل أماناً وأكثر قلقاً وبؤساً ..الأمر الذي يمثل فرصة للعودة الطوعية إلى إنسانيتنا وتقويم ما اعوج من سلوكياتنا وخروج بعضنا أو أكثرنا على القيم والتقاليد والروح الإنسانية .

يحدونا أمل أن تسترد الأخلاق والتقاليد الإنسانية القويمة عافيتها وتأثيرها في دنيا البشر ليجنح العالم إلى ضفاف الأخوة والمحبة والتضامن والتعايش المشترك والسلام وقبول الآخر مؤمنين بأننا جميعاً نعيش هذه الحياة وبقاؤنا ورحيلنا بيد الله رب العالمين الذي يقول للشيء كن فيكون.."فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون".

ما رأيناه من مشاهد صادمة وظروف قاسية أحاطت بوفاة الطفل ريان تقف أمامها كل التفسيرات عاجزة عن كشف ملابسات ما جرى لطفل بريء علِقَ في جوف البئر 5 ليالٍ بطولها دون طعام ولا شراب ولا أمن ..بات بين أنياب المجهول يتنازعه الخوف من كل جانب حتى رحل عن عالمنا بعد محنة لا يعلم إلا الله مداها عن عمر لا يتجاوز 5 سنوات في يوم صادف تاريخه الخامس من فبراير 2022..ويا لها من مفارقة قاسية على القلب والنفس ..وما أشد قسوتها على والديه وذويه.

وفي كل الأحوال فإنها مشيئة الله ولا رادّ لحكمه وقضائه..وقد اقتضت مشيئته عز وجل أن يرحل ريان إلى جنات النعيم بهذه الطريقة التي أحدثت دوياً هائلاً في العالم كله ولا يزال صداه يتردد هنا وهناك بصورة لافتة وما أحاط برحيله من اهتمام إعلامي بأطيافه كافة لحكمة لا يعلمها إلا رب الأرباب ..ربما هي رسالة بأننا نسير في الطريق الخطأ ..وقد آن الأوان أن ننبذ الأطماع والحروب والنزاعات بعد الذي جرته على البشرية من تعاسة ودمار وخراب وضياع للقيم الإنسانية النبيلة..لما لا تعود البشرية لنبلها الإنساني..لماذا لا تتعاون وتتكامل وتتكاتف لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ..أليس ذلك أجدى وأكثر نفعاً..؟!

رأيي أنه لو حدث ذلك ..ما رأينا فقراء وجوعى ومشردين ومتسولين بكل هذه الأعداد الرهيبة المؤلمة.

أيها الطفل المغربي وداعاً ..وسلاماً عليك وعلى روحك الطاهرة..فقد كان رحيلك درساً لا ينسى..ونقطة فارقة شدت انتباه العالم لحكمة لا يعلمها إلا الله ..وداعاً أيها الصغير الذي أعاد الإنسانية من مرقدها وأيقظ ضميرها من سباته لتضرب العداء والحقد والنزاع والدمار..لقد أحدثت ثورة ناعمة في مشاعرنا جعلت العالم يستحضر مشيئة الله في كل نفس تتنفسه البشرية وقدرته المطلقة في كل أمر..فالكل يدعو الله أن ينجيه ويكتب له السلامة بعد أن باءت الأسباب بالفشل..وعجزت قدرة البشر أن تستنقذه من أنياب الموت المحقق.

أيها الطفل الصغير ..كم أشعرتنا أننا ضعفاء بل أكثر ضعفاً رغم ما ما نحن فيه من تقدم مذهل في التكنولوجيا والصناعة والفضاء ..لقد كان رحيلك أكبر صفعة على وجه من لا يراعون الله في الحق والعدل ويتركون الأطفال مشردين..وكم يعيش العالم القروي من مآسٍ وفقر وبؤس وهشاشة وتهميش..وداعاً أيها الطفل الذي زحزح الإنسانية لتفيق من غفلتها إفاقة ندعو الله أن تكون حقيقية ودائمة لا مؤقتة ولا مزيفة ..حينها يمكن القول إن الطفل ريان كان معجزة بما ألقاه من ضوء كثيف على ما تعانيه البشرية من عوار واختلالات وصراعات ومشاكل نحن في غنى عنها إذا ما صفت القلوب وخلصت النوايا وتوحدت الإرادات على أهداف نبيلة لإقرار العدل والسلم والتعاون والتآلف لتحيا البشرية بروح إنسانية تبدل الخوف أمنا والجوع إشباعاً والاضطراب استقراراً والبؤس نعيما وراحة ..وما ذلك على الله بعزيز.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة