من الألف إلي الياء
يبدو أن عالم علي موعد مع الجحيم ، سواء إشتعلت المواجهة المحتملة بين روسيا وأوكرانيا ومن خلفها دول حلف الناتو، أو ترسخ للإستقطاب الحاد، الذي سيؤسس ملامح إستراتيجية النظام العالمي وبدء مرحلة جديدة من عمر العالم.
وبعد إعلان موسكو سحب قواتها تدريجيا من حدود أوكرانيا وقرب إنتهاء التدريبات العسكرية، وإفساح الطريق للتفاوض والوساطات ودبلوماسية اللحظات الأخيرة، يترقب العالم بتفاؤل حذر إنتهاء "هيستريا" حرب أوكرانيا ونزع فتيل أزمة أممية تهدد بإفناء الأخضر واليابس، وربما لا تبقي أو تذر .
كل المؤشرات تشي بنشوب ترتيبات جيوسياسية مغايرة ،وصور لحرب باردة ربما تقرع طبول مواجهات ضروس ، قد تتجاوز حدود أوكرانيا بوابة أوروبا الشرقية، مع إستمرار العناد بين القوي الكبري الفاعلة وإستمرار المشاورات الدولية لتجنب إشتعال حرب بين حشود المعسكر الروسي علي حدود أوكرانيا شمالا وشرقا وبين حشود الناتو الداعمة لكييف ومصالحها الإستراتيجية.
وبين عشية وضحاها قد تشتعل أتون حرب مدمرة مع تنامي التهديدات الروسية بقطع إمدادات الغاز والطاقة لأوروبا، أو فتح خطوط تواصل مباشر مع بعض دول الإتحاد الإوروبي الرافضين لسياسات واشنطن الإحادية،ولعل المباحثات الروسية الألمانية لتطوير العلاقات الإقتصادية الإستراتيجية تصب في هذا الإتجاه.
وعلي الجانب الآخر تحذر واشنطن وحلفاؤها من مغبة إجتياج أراضي أوكرانيا وتهدد بفرض المزيد من العقوبات علي الجانب الروسي، لكن بعض المتفائلين يرون أن موسكو لن تورط نفسها في حرب شاملة علي عدة محاور، ولن تبدو أمام العالم في ثياب القراصنة الغاشمين، لكنها تحاول فقط الدفاع عن أمنها القومي وتأمين حدودها الإستراتيجية فالثعلب الماكر بوتين يناور ويضغط بكافة أوراقه العسكرية الدبلوماسية ، لكنه لن يغامر في حرب غير محمودة العواقب مع خسارة مؤكدة لدول الشراكة الأوربية، فقط هي رسائل قوية من موسكو لواشنطن وحلفائه التي تسعي لمواصلة الهيمنة وتجاوز إخفاقات بادين الداخلية ،ومنازعة الدب الروسي في مناطق نفوذه.
أتصور أن الصراع في أوكرانيا حلقة جديدة من حلقة من حلقات الصراع الأممي لإثبات الوجود في النظام العالمي والترتيبات الكونية القادمة، ولا يتورع محركو الفتنة ودفة الأحداث من دول المصالح الظاهرة والخفية عن سياسة زرع الشقاق الأممي والحشد وجر العالم لحرب شاملة ،سيكون لها تداعيات إنسانية وآثار مدمرة علي جميع الأطراف.
كل العقلاء من شعوب العالم بما فيهم المتفرجين والصامتين من دول العالم المتأخر، يرفضون هذه الصراعات الأممية الخبيثة التي تزهق الأرواح ، وتدمر مقدرات الشعوب ويدفع كلفتها الباهظة الإنسان في كل مكان.
وبمنطق العقل والحكمة الذي يغيب جليا عن عالم اليوم ،هناك ملفات أممية شائكة، عجز العالم عن التوحد الفعال والتوافق لإيجاد حلول ناجعة لها وعلي رأسها كارثة التغيرات المناخية والعدوان الغاشم علي البيئة، بعد عقد عشرات من المعاهدات والمؤتمرات الدولية لإحتواء حالة الخصام الحادة مع البيئة الإنسانية..
وجاءت جائحة كورونا لتعمق جراح البشرية المكلومة ، حيث تركت آثارا سلبية وأوجاعا عديدة وخسائر لن تبرأ منها دول المعمورة قبل عدة أعوام.
وهناك أسرار لم تكشف بعد حول حقيقة صناعة الفيروس المجهول وتحوراته، وهناك أيضا فجوات صادمة وشاسعة في تأمين اللقاحات والعلاجات المحصنة بين دول العالم والدول المتأخرة والماضية ببطء علي طريق التنميةوالنهوض.
وبطبيعة الحال تخلق الأزمات الدولية أزمات إقليمية متتابعة ،فقد أصبح عالم اليوم متشابكا متداخلا ، وإن بدا منفصل التوجهات والإيديولوجيات.
وبعيدا عن رسائل موسكو لدول الغرب، وتقلبات السياسة، والإعتبارات الإنسانية والتي لا يأبه ولا يكترث بها ساسة وأرباب المصالح النفعية ،هناك تداعيات خطيرة وكوراث عديدة وخسائر لكافة الأطراف ، فمجرد إشتعال الأزمة الأوكرانية قبل ما يزيد عن شهرين، شهد العالم زيادة غير مسبوقة في أسعار البترول والطاقة ،وبدأت دول كثر تتوجس من تفاقم أزمات الغذاء،وتضاعف أسعاره،وتعطل إمدادات القمح من روسيا وأوكرانيا ،ومن بينها عدة دول عربية ،علاوة علي توقعات بإنهيار البورصات العالمية وتأثر فرص الإستثمار سلبا، وتراجع حركة التبادل التجاري الدولي والإقليمي ،علاوة علي التداعيات السياسية كزيادة حدة الإستقطاب وتكريس الفرقة والإنقسام الأممي ، وبزوغ مؤشرات لتحالفات جديدة قد تقود البشرية لصفحات من المستقبل المجهول ،وبدأ الجميع يعيد حسابات وترتيب أوراقه ،إستعدادا لكافة الإحتمالات والسيناريوهات تجنبا لجحيم العالم القادم.