رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

مع تعثر أثيوبيا في بدء إجراءات الملء الثالث ،ووسط إعلانها مؤخرا عن إستعدادها للتعاون والتفاهم مع دولتي المصب،
تثور عدة تساؤلات..من يعيد الحياة من جديد لمفاوضات سد النهضة المتعثرة ؟،وهل تأتي ضربة البداية والوساطة من دول الشراكة الإستراتيجية مع أثيوبيا ودول القارة السمراء ،كالصين أو روسيا أوبعض الدول العربية كالسعودية والأمارات العربية ، أم تأتي المبادرة من دول الإتحاد الإفريقي ،بمساندة دول المغرب العربي كتونس والجزائر التي أعلنت قبل عدة شهور إستعدادها للوساطة لحل الأزمة التي فشلت مباحثاتها عبر عدة جولات مضنية خلال العشر سنوات الماضية.

ووفقا لما أعلنه بعض المحليين فمن المتوقع أن تشهدالأيام القادمة دعوة السنغال الرئيس الحالى للاتحاد الأفريقى الأطراف الثلاثة مصر والسودان واثيوبيا لاستئئناف المفاوضات بعد تعثر وتوقف تام زاد عن عشرة أشهر.

ويري بعض الخبراء المراقبين ،ومن بينهم د.عباس شراقي أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة أن إجتماع الرئيس السنغالى بالقاهرة مؤخرا في 29 يناير 2022 بالرئيس السيسى وتفهم مطالب القاهرة، علاوة علي استماعه لرئيس الوزراء الاثيوبى في 6 فبراير على هامش قمة الاتحاد الأفريقى فى أديس أبابا، يمهد الطريق لإستئناف المفاوضات ، فالأجواء مختلفة أكثر عن ذى قبل، بعد الحرب الأهلية الشرسة التى مرت بها اثيوبيا على مدار أكثر من عام، ومن مصلحة الجميع الوصول الى اتفاق وهذا ماتدركه اثيوبيا جيداً بدليل بيان أبي أحمد الأخير فى 20 يناير 2022 الداعى للتعاون، ثم بيان الدكتور مصطفى مدبولى بعده بأيام قليلة 25 يناير 2022، والذى يؤكد فيه حرص مصر على التوصل لاتفاق قانونى ملزم لملء وتشغيل سد النهضة بما يحقق المصالح المشترك للجميع.

وهناك من يري أنه بعد فشل واشنطن في إيجاد حل حاسم لنزاع سدالنهضة خلال مفاوضات عامي2019، 2021 وعدم حسم القضية في أروقة المنظمة الدولية، قد يدفع الصين لإتخاذ مواقف فاعلة في هذا الملف الشائك!.

ولا يختلف إثنان علي أن العلاقات المصرية الصينية علاقات تاريخية ومتجزرة ، علي كافة المستويات السياسية والإستراتيجية، كما تتوق القاهرة لتحقيق أقصي إستفادة من التجارب الصينية الرائدة وحسن إستغلال وتوظيف طاقات الثروة البشرية في تحقيق نهضة تنموية هي أشبه بالإعجاز، علاوة علي تجاربها في المنافسة العالمية ومصارعة الكبار في معركة التواجد الحضاري.

ولطبيعة العلاقات المتكاملة بين الإقتصاد والسياسية ، أصبح للتنين الصيني كلمة فاعلة في دنيا السياسة الدولية، وفي مختلف القضايا الشائكة ،علاوة علي مكانتها وثقلها الإقتصادي المتصاعد، ولذا أتصور أن بكين يمكنها أن تسهم في تحريك المياه الراكدة الآسنة والمواقف المتصلبة وتقريب وجهات النظر حول أزمة النهضة ، حيث تمتلك أوراقا عديدة تستطيع من خلالها إخضاع أثيوبيا لصوت العقل، والقبول بمفاوضات جادة وملزمة حول تشغيل وإدارة مشروعات السد، وفقا لإطار زمني محدد، ودعم التوافق والتعاون بين الدول الثلاث، وأيضا تقوية اواصر الشراكة مع القاهرة والخرطوم وأديس أبابا.

وأتصور أن الإرادة الصينية التي نعرفها عبر مراحل التاريخ تنحاز للحق والعدل ،ولاننسي أن انطلاق العلاقات القوية مع الصين كانت مع أول اجتماع لحركة عدم الانحياز في باندونج عام 1955م، وجمعت البلدين مباديء موحدة ،تأسست علي مساندة حقوق الإنسان ومناهضة الاستعمار، ورفض التدخل في شئون الدول الأخري ودعم الحياد الإيجابي،وبعيون تنظر للمستقبل، أسست القاهرة لعلاقات مع الصين لم تنل منها المتغيرات الدولية وتقلبات التوزانات السياسية.

وبقيت تلك العلاقات راسخة ،وعلى أسسها، ظلت سياسة مصر داعمة ومدافعة عن احترام سيادة الدول وحقوقها في التنمية، رغم مناورات ومراوغات أثيوبيا المستمرة وسعيها لإفشال وعرقلة المفاوضات ، وسعيها للترويج وبخبث شديد لما أثير عقب جلسة مجلس الأمن عن خذلان صيني في ملف سد النهضة، واصطفاف إلى جانب أثيوبيا، حيث دعمت هذه النظرية، وانتهجت سياسة خلط الأوراق، مستغلة وقوف الصين في المنطقة الرمادية من الأزمة.

ولكن الأحداث أكدت إستمرار التواصل بين مصر والصين لتنسيق المواقف ،ولم ينقطع المشاورات، وقبيل التوجه إلى مجلس الأمن لطرح القضية،
كما أعربت الصين في أكثر من مناسبة ولقاء دبلوماسي عن رغبتها في إجراء حوار بين الدول الثلاث، لإيجاد حل مقبول يضمن حقوق جميع الأطراف ،مؤكدة أنها مستعدة لمواصلة أداء دور بناء لإنهاء الأزمة.
لكن يري البعض أن الموقف الصيني لم يتجاوز بعد المنطقة "الرمادية"، لتحريك الملف ويعيب البعض على بكين عدم دخولها بشكل مباشر للضغط على أثيوبيا لحل القضية، لدي بلدان الأزمة الثلاث ،والتي تربطهم بها علاقات وطيدة.
وأيضا هناك من يدين تقاعسها عن الإدانة الصريحة لتجاوزات حقوق الإنسان وجرائم آبي أحمد تجاه إقليمي تيجراي وأمهره.

وبقراءة المشهد السياسي المعقد والمتشابك لتداعيات أزمة سد النهضة، ربما تتدخل الصين كطرف فاعل في إيجاد حلول جادة للأزمة ، وتلعب دور البطولة والمنقذ الشجاع لكسب نقاط إستراتيجية تدعم رصيدها الأممي ونفوذها السياسي ، بعد أن أكتسبت القضية أبعادا جديدة لدي عرضها بمجلس الأمن، وتم تداولها رسميا بأروقة الأمم المتحدة.

وبعيدا عما تضمره الأنفس، وما بين دور حمامة السلام وضغوط مصالحها الدولية والإقليمية ،تظل محاولات بكين وما أعلنته من مساعي لتقريب وجهات النظر مرهون بمدي صدق إرادتها ، وتوجهاتها، ومدي قدرتها علي إخضاع أثيوبيا لقبول التفاوض العادل، بعد أن فشل الإتحاد الإفريقي المتتابع في حسم وإنهاء الأزمة ، علاوة علي إخفاق الوساطة الأمريكية وجهود بعض دول الإتحاد الأوروبي في إيجاد حلول عملية وناجزة ، تحدد مستقبل الأمن المائي لدولتي المصب مصر والسودان، بعد شروع أديس أبابا في بدء إجراءات ومواعيد الملء الأول والثاني منفردة.

ومن هنا يأتي أهمية وضرورة التنسيق وتبادل المعلومات والإدارة المشتركة للسد ومشروعاته المستقبلية.

واعتقد أن إستمرار رسائل القاهرة بقبول المفاوضات الملزمة ،وأحيانا التحذيرية القوية لجميع الجهات قد أربكت حسابات أثيوبيا وأيضا الدول الفاعلة ، فيما يتعلق بقضية مياه النيل كخط أحمر، وأن المساس به قد يقود المنطقة لصراعات لا يحمد عقباها، ويمكن تجنبها بالحكمة والعودة لصوت العقل.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة