رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالحسنى


القسوة هى الصلابة في كل شىء ،وفي لسان العرب :الأرض القاسية هي الأرض التي لا تنبت شيئًا، وعام قسي أي مجدب لا زرع فيه ،وليلة قاسية أي شديدة الظلمة ، ودرهم قسي أي درهم ردىء .

إذن القسوة تدور حول معان لا خير فيها خاصة إذا أضيفت إلى ما يرتجى منه الخير كالخصوبة في الأرض وضوء القمر في الليل وهكذا فإذا ما أضيفت القسوة الى القلب الذي هو موطن العاطفة والرقة والرأفة والرحمة فإن القلب يكون قد خرج عن طبيعته وبدلًا من أن نلقي منه الرحمة وجدنا القسوة الي تقتل المعاني الإنسانية في القاسي وتقتل الرجاء والأمل فيمن تقع عليه هذه القسوة بل قد تغير رد فعله إلى قسوة مضادة .

جاءت كلمة قسوة في القرآن الكريم سبع مرات وكلها مضافة إلى القلب أو موصوف بها القلب. ومن يتأملها يجد الذين وصفت قلوبهم بالقسوة كانوا هم الذين علموا وأيقنوا ثم جحدوا وأنكروا ، ليس هذا فقط وإنما غيروا وبدلوا وأشاعوا عكس ما يعلمون ويعرفون عن الله سبحانه وتعالى واجتهدوا في تزيين باطلهم وتحريف الكلم عن معانيه وحقائقه باحتراف في التدليس يلتبس على الناس "ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون" أي أنهم لم يفسدوا في أنفسهم وإنما اجتهدوا في إفساد الآخرين .

أما سر وصف قلوبهم بالقسوة التي هي أشد من الحجارة كما وصفهم القرآن الكريم ؟ السر أن جرأتهم كانت على الله سبحانه الذي يعرفونه ويعرفون الحق الذي يرتضيه ويعرفون قوته وقدرته وعذابه ولكنهم اجترأوا على كل ذلك جرأة لاتكون إلا ممن مات الإحساس فيه ومات قلبه حتي يبس فكان أصلب من الحجر وكل ذلك مقابل ثمن بخس أي أنهم باعوا الحق وباعوا رضى صاحب الحق الذي هو الله بمقابل ضئيل لا يساوي شيئا أمام ما ضحوا به.

ليس هذا فقط وإنما أفسدوا الحياة والمجتمعات والأجيال فغيروا تفكيرهم وسلوكهم وعاداتهم بما نشروا من فكر ومعلومات فيتوالى الفساد في الأرض وهو أمر يحتاج إصلاحه إلى أزمنة وجهود تتجاوز جهود من أفسد لأنه إفساد لعقول وأخلاق وسلوك.

إذن أولئك الذين يملأون الدنيا بالباطل وهم أول من يعلمون أنه الباطل وينشرونه على أنه الحق الذي لا حق سواه هم "القاسية قلوبهم" الذين قال عنهم الله سبحانه وتعالى: " فويل للقاسية قلوبهم من عذاب النار.

إذا أردنا أن نؤكد ما نقول بأن القاسية قلوبهم هم من يحرفون الصواب ويقدمونه بغير معناه ليحققوا هدفًا ما فعلينا أن نقوم بتتبع مواطن كلمة قسوة في القرآن الكريم وأولها في سورة البقرة حيث يقول الله سبحانه في حديثه عن بني إسرائيل "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" والآية وأضحة المعاني حيث تصف قلوبهم بأنها أقسى من الحجارة التي في قسوتها نفع.. لما هذا ؟ نعرف ذلك إذا قرأنا الآيات السابقة على هذه الآية وكذلك الآيات اللاحقة لهذه الآية ، فأما السابقة فقد عددت نعم الله على بني إسرائيل، وهي نعم جاءت كلها بمعجزات لا تحتمل الشك في تأكيدها أن الفاعل إله عظيم ومع ذلك خانوا وبدلوا ما أنزل الله وحرفوا، ليس هذا فقط ، بل كانوا يعودون إلى سلوكهم السييء بعد كل معجزة يرونها بعيونهم ويطلبوا معجزة أخرى، فإذا حدثت عادوا أيضا إلى الإنحراف وتبرير انحرافهم بما يلتبس على البسطاء أما المعجزات فبدأت بنجاتهم من آل فرعون بشق البحر أمام أعينهم ليمروا في طريق واضح إلى الضفة الأخري ثم عودة البحر إلى ما كان عليه أثناء مرور فرعون وجنوده من الطريق الذي مر منه قوم موسى فغرق فرعون وجنوده الذين ساروا خلفهم بعد أن أمر الله الماء بأن يتابعد دون سد فمر قوم موسى وأمر الماء أن يعود مرة أخرى ليغرق أعداءهم ،بل مجرد نجاتهم من ملك بهذه القوة والجبروت وهم ضعفاء معجزة حتى ولو لم يشق البحر ، وفور نجاتهم ورؤيتهم لقوم يعبدون الأصنام طلبوا من موسي أن يجعل لهم أصنامًا يعبدونها وتستمر المعجزات وكذلك انحرافاتهم فينزل عليهم الله طعامًا من السماء" المن والسلوي "فيطلبوا غيره من موسي ثم يشرفون على الموت من العطش فيضرب موسى الحجر فتنفجر منه إثنا عشر عين ماء ليشربوا ومع ذلك يقولون لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فتأخذهم الصاعقة ثم يحييهم الله وهكذا ثم تأتي آية القسوة التي تذكرهم كما قال الشيخ الشعراوي بالحجارة التى تفجر منها الماء لهم بعصا موسى وتذكرهم بدك الجبل عندما تجلى الله عليه ثم يلتفت القرآن الكريم إلى المسلمين ويسألهم سؤال تعجب ودهشة كأنه يقول لنا إن تحريف الكلام وإفساد العقول قسوة مميتة للقلوب أشد مما سبق حيث يقول : أفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم ما يكسبون"

فالمولي يريد أن يقول للمسلمين إن من كان بهذه الأخلاق السيئة كيف يؤمن بما تدعونهم إليه من الصواب الذي هم أعرف الناس بصدقه ويذٔكر للمؤمنين بماكان اليهود يسرونه فيما بينهم على خلاف ما يعلنونه ثم يتناول خداعهم للبسطاء منهم الذين لا يعرفون القراءة والكتابة وينتهي إلى ذكر عقاب محرفي الكلام بما يكتبونه ويدعون أنه من عند الله أو يدعون أنه الصواب

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة