رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

لا جدال أن مصر جادة في مكافحة الفساد بكل صوره سواء كان فساد مالي أو إداري أو أخلاقي وهو أخطرهم .. هناك إرادة سياسية صارمة بهذا الشأن بدليل متابعة الفساد والفاسدين وتحويل كثير من القضايا وأصحابها إلى القضاء العادل ليقول رأيه فيه وليكون هو الفيصل وحتى لا تظل الشائعات تسري بين الناس كالنار في الهشيم وحتى يقطع الشك باليقين بأننا جادون فعلاً في مكافحة الفساد .

فنحن على يقين أن الجيل الفاسد لن يورث إلا جيل فاسد أخر وكلما بدأنا العمل مبكراً وجدياً في الحد من هذا الفساد ومواجهته خصوصاً أننا نعلم أسبابه ونتائجه الخطيرة على أي مجتمع .

وقد تعجب حين ترى الإرادة السياسية في إصلاح الأخلاق حاضرة بقوة حيث أولى الرئيس السيسي هذا الملف الخطير عنايته واهتمامه منذ توليه الحكم وكثيراً ما نبهنا في خطاباته ومؤتمراته لضرورة التحلي بالخلق الحسن ثم يأتي رد فعل مؤسساتنا المعنية ضعيفاً لا يتسق ورؤية الرئيس ونظرته للأمور .. ألا تستدعي ظروفنا اليوم أكثر من أي وقت مضى سرعة تجديد خطابنا الثقافي والفني والغنائي والأخلاقي وكذلك الفكر الديني وتطوير الرسالة الإعلامية لمجابهة كل أنواع الفساد والإرهاب والخطاب المتطرف والإهمال حتى لا ندفع فاتورة باهظة من مقدراتنا ومستقبل أجيالنا القادمة .. هل يعقل مثلاً أن يخرج أهالي قرية في الدقهلية في تظاهرة جماهيرية ويعتدون على مدرسة شابة لأنها منعت أولادهم التلاميذ من الغش .. بالله عليكم كيف نطور تعليمنا بهذا الشكل ونخرج أجيال غير فاسدة أخلاقيا تستطيع التعامل مع مقتضيات العصر الحديث .. وليت الأمر توقف عند هذا الحد المزري بل زاد الطين بلة ما فعله مذيع بإستضافة شخص يدعى إنه باحث في الدين ليهاجم الأزهر وشيخه لأنه قال كلمته في موضوع ضرب الأزواج لزوجاتهم .

يا سادة نريد مع الجمهورية الجديدة أمة واعية من الأصحاء نفسياً وروحياً وبدنياً وعقلياً .. نريد قدوة حسنة لشبابنا الذين باتت أخلاقهم في خطر عظيم .. ولن يتحقق ذلك إلا إذا عادت الأسرة والمدرسة والجامع والكنيسة وإعلامنا ومؤسسات الفكر والوجدان والعقل إلى قوتها وتناغمها في صناعة وعي حقيقي عبر كوادر واعية تملك ضميراً مهنياً وحساً وطنياً وتأهيلاً علمياً راقياً مواكباً للعصر .. حتى تصب المنظومة كلها لتكون داعمة للدولة في تحدياتها ومعاركها في البناء ومجابهة الإرهاب والفساد ..

وظني أن الإصلاح ليس مستحيلاً إذا توافرت الإرادة وتم اختيار قادة العمل على أعلى كفاءة وخبرة .

وإحقاقاً للحق إن الرئيس السيسي أحدث تغييرات كبرى لإصلاح ما فسد في عهود سابقة ، واحتواء التداعيات الخطيرة التي خلفتها أحداث يناير لا سيما فيما يخص الضمير والعقل وثقافة العمل والإنتاج والترشيد والأخلاق ، الرئيس يقود ثورة هائلة على طريق تطوير التعليم وبناء الإنسان وصياغة منظومة صحته وتفكيره وقيمه وروحه وانتمائه وأولوياته ووعيه وإدراكه لحقائق ما يجرى حوله ، تعليم يشحذ زناد العقل المصري ، ويبعثه من مرقده لينهل من فيض المعرفة ، وينقذ المجتمع من وهدة التخلف والسلبية والتواكل والتبذير وحمى الاستهلاك النهم ، وينقيه من رواسب الجهل والخرافة ، تعليم تكون جامعاته منتجة في ساحة الابتكارات والإبداع العلمي ، ترسم للعقل المصري دوره الحضاري وتمكنه من إمتلاك ناصية العلم وإنتاج المعرفة .

وإذا كانت مصر في حاجة إلى كوادر بشرية تصلح لعصر المعرفة والتكنولوجيا عبر تغيير جذري لنظمها التعليمية والبحثية فأنها في حاجة إلى ثورة في الأخلاق والسلوك وطرائق التفكير ونمط الغذاء ..والصحة والخطاب الديني والإعلامي .. هي باختصار في حاجة لانبعاث جديد يصل الماضي وأرثه الحضاري المشرق بالحاضر والمستقبل .

لقد أهتز المجتمع المصري هزات زلزالية بعد أحداث يناير ضربت منظومة القيم والأخلاق التي يحاول الرئيس السيسي إعادتها نقية للمجتمع " إنما الأمم الأخلاق ما بقيت .. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا " .. أبيات شهيرة نعرفها جميعاً لأمير الشعراء أحمد شوقي ، تؤكد أن التمسك بالأخلاق أهم أسباب بقاء واستقرار الدول وتقدمها ، فالأمم تضعف إذا ما تراجعت فيها الأخلاق وتهاوت القيم والمبادئ الراسخة .

أننا نشهد في الآونة الأخيرة كثيراً من مظاهر " الأنفلات الأخلاقي " أو قل الفساد الأخلاقي فمن منا لم يسمع عن جريمة الزمالك الذي قتل فيها زوج شاب زوجته وأربعة من أقاربها منذ أيام ، وأبن ينهي حياة والده أو والدته لتعاطي المخدرات ..أخ يفتك بشقيقه وزوجة تقتل زوجها بمعاونة عشيقها .. طلاب يعتدون على معلمهم ناهيك عن جرائم التحرش والاغتصاب التي باتت مشكلة في حياتنا .. ما هذا الذي يحدث من إنحدار في لغة الخطاب وإطلاق الألفاظ البذيئة وإنحرافات السلوك والذوق العام وغيرها من المظاهر الأخرى التي أسقطت الأخلاق في دوامة الفوضى الخلاقة .

بالتأكيد أن ما نعانيه اليوم هو من نتاج رواسب حقبة طويلة فجرتها أحداث الوجه الأخلاقي المظلم لبعض الناس !! .. بالتأكيد هي إنعكاس لغياب دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية والتربوية والتأثير السيئ لوسائل الإعلام والسوشيال ميديا والسينما .

أشياء كثيرة تغيرت بعد أن كانت الأخلاق واحترام الأخر سمه من سمات الزمن الجميل وعلى الرغم من عودة حالة الإنضباط الأمني ، إلا أن رواسب هذا الفساد الأخلاقي مازالت متبقية ، فتجد في تعامل العديد من المراهقين والأطفال قلة أحترام وعدم تقدير ، كذلك التعامل مع من يكبرهم سناً لا شك أن سوء التربية عامل رئيسي في هذه الأزمة ولابد أن ننتبه إلى ضرورة الاهتمام بالتنشئة السليمة للأطفال حتى لا يخرج لنا جيل فاسد .

إن مصر دائماً وأبداً ستبقى محافظة على القيم والمبادئ والتعاليم الدينية على الرغم من وجود بعض المظاهر المخالفة لأخلاق المصريين إلا أنها حالات شاذة لا تعبر عن أخلاق وقيم الجميع .

إن مصر بلد ملئ بالخيرات ويتمتع شعبها بالشهامة والمروءة في المواقف الصعبة حتى إن كانت هناك ملاحظات على أخلاقيات البعض وهنا يأتي دور الأجهزة المعنية للدولة والمجتمع المدني حتى تعود أخلاقنا الحميدة المعروفة عن المصريين والتركيز في العمل والبناء فقط .

إن حالة تدني الأخلاق هي تبعيات مشكلة اجتماعية منذ 30 عاماً وأكثر زرع فيها مظاهر الفساد وغياب العدالة الاجتماعية .

نحن في حاجة إلى دور أكبر وإعادة هيكلة لمؤسساتنا الثقافية والدينية والتعليمية والصحية وكل ما يتعلق بمصلحة المواطن وإصلاح الخلل الموجود الذي ترتب عليه ظهور جيل متمرد على القيم والعادات والتقاليد المصرية ففي الماضي أو قل في الزمن الجميل كانت تسود حالة من الحب والمودة والإيثار بين الناس بعيداً عن الصراعات والمشاكل ومع مرور الزمن تقل الأخلاقيات والتمسك بالعادات والتقاليد التي كانت تميزنا .

فمصر هي بلد الأمن والأمان تجد فيها دائماً معنى الأصالة والإخلاص والطيبة والشهامة رغم كل المشاكل .

بلا شك أيضاً أن هناك تأثير لبعض الأفلام والمسلسلات الدرامية التي تحتوي على إنحلال أخلاقي ومواد بذيئة على أخلاق وسلوكيات الأطفال والشباب لذلك فإن الدولة مطالبة بضرورة وجود رقابة مشددة على مثل هذة الإعمال الفنية لأنها أشبه بالسموم وأشد خطراً من كورونا خصوصاً مع وجود الأنترنت الذي تسبب استخدامه الضار في تدمير سلوكيات وقيم المجتمع .

إن مجتمعنا المصري به 60% منه شباب يتأثرون بما يشاهدونه دون وجود القدوة والمثل الأعلى .

إن تدهور الأخلاق له نتائج وخيمة على مستقبل أي وطن يتمثل في انتشار الكذب والخداع وعدم الانتماء الوطني وعرقلة مسيرة التنمية والبناء .

وكما قال شيخ الأزهر د. احمد الطيب أن السمو الأخلاقي مقصد واضح ، وغرض أساسي من إقامة أركان الإسلام والتي هي الصلاة والصيام والذكاة والحج ، مؤكداً أن العبادات في الإسلام ، ومكارم الأخلاق الإنسانية ، وجهان لعملة واحدة لا يمكن فصل أحدهم عن الآخر ، فالبعد الأخلاقي متغلل في بناء الإسلام عبادة وشريعة وسلوكاً

محذراً من أن العبادات في الإسلام من صلاة وصوم وقيام وحج وغيرها ، إذا لم تستند إلى ظهير خلقي ، فإنها لن تفيد صاحبها يوم القيامة ، وتتركه على أبواب جهنم مستشهداً بالمرأة التي كانت تصوم النهار وتقوم الليل ، لكنها كانت تؤذي جيرانها بلسانها ، فلم ينفعها كثرة صيامها وقيامها بشيئ في الآخرة ، بل ذهبت بكل ذلك إلى النار ، وذلك في مقابل المرأة التي كانت تقتصر في عبادتها على صيام رمضان فقط وعلى الصلوات الخمس المكتوبة ، لكنها تحفظ لسانها وتتصدق ببقايا طعامها ، هكذا نفعها حسن الخلق وأدخلها الجنة .

والسؤال هنا لماذا لا نتبنى في مدارسنا مادة بعنوان "مكارم الأخلاق" لتدريسها في مراحل التعليم الثلاثة الابتدائية والإعدادية والثانوية على وأن يقوم خبراء على مستوى عال في هذا الشأن بوضع المنهج المناسب لهذه المادة حتى تتناسب مع كل مرحلة عمرية للتلاميذ ولا بأس من تدريس هذه المادة أيضا في كلياتنا المختلفة ليتعلم منها الخريجون قيم التحلي بالأخلاق وحسن التعامل مع الآخر ومراعاة الضمير والوطن في سلوكياتهم .. وأن يتوازى مع ذلك مراعاة كتاب الدراما التليفزيونية والسينمائية الضمير والأخلاق في تناولهم للأعمال الفنية لتكون جادة وهادفة وبناءة .. ويتجنبوا الأعمال الهابطة الهدامة والعبارات والالفاظ التي تخدش الحياء وتهدم القيم الرفيعة والإيحاءات الرخيصة التي يتعلمها الأطفال ويقلدونها في حياتهم – ولعل مسرحية مدرسة المشاغبين - أكبر مثال على ذلك وأيضاً البعد عن مشاهد القبح والرذيلة والعري وكل ما يثير الغرائز الجنسية تحت مسمى حرية الإبداع .

يا سادة الأخلاق صمام أمان لأي مجتمع من السقوط والتدهور .. فانتبهوا .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة