يهدف القانون الدولي الإنساني إلى منع معاناة الإنسان والتخفيف منها في الحروب دون أي تمييز على أساس نوع الجنس، بيد أنّه يُسلم بأن النساء يواجهن مشاكل محددة في النزاعات المسلحة، منها العنف الموجه، والبعد عن الأولاد، وتشريد أفراد الأسرة والعديد من المخاطر التي ترصدها روايات عديدة، نقرأ بعضها وندرك انه محض خيال، ولا ندرك أن للواقع مرارات أكبر ...
جائنى إتصال – ذات مساء – من أحد الأصدقاء القدامي، يطلب مني مد يد العون، لسيدة، تحتاج للدعم، ولم أستطيع إستيعاب ما يقوله، فطلبت منه ان تحضر لمقابلتى، وبعد عدة ايام.
التقيت بأية - امرأة - فى اوائل العشرين من العمر، رغم أن نظرات الحزن فى عينيها تحمل عبء متاعب أكثر من مائة عام، بدأت تروى أزمتها الاغرب من الخيال، قالت منذ أكثر من عام، بعد خروجي من باب إحدى العقارات – بمنطقة الكيلو 21 بالإسكندرية، كنت أحمل بناتي الإثنين علي اكتافي، وكانت ملابسي متسخة، فأنا أعمل فى تنظيف المنازل، وإذا بأحد ضباط المباحث يلقي القبض علي، ويشتبه بإنني خطفت الطفلتين، حتى ‘‘ اتسول ‘‘ بهن.
ولما تأكد من أننى لم افعل ذلك، طلب منى أن أتقدم بأوراق ميلادهن حتى أستطيع أن أعود بهن للمنزل، وأخبرته انني لم أستطع استخراج شهادات ميلاد لهن، لانني لا يوجد معي بطاقة شخصية، فقد تزوجت والدهم بعقد زواج عرفي، وليس معي أي أوراق ثبوتية نهائي ....
تروى آية بعد فترة من الوقت، تم صرفي من قسم الشرطة، وتم إيداع بناتي الإثنين بدور رعاية، لحين إثبات أننى امهم الحقيقية.
سألتها عن سبب عدم إستخراجها للاوراق، فقالت : منذ أكثر من عشرين عاما، ترك أبي أمي وهي حامل، وعاد لأسرته فى ليبيا، وعند ولادتي لم تقم أمي بتسجيلي فى دفتر قيد المواليد، وأصبحت أكبر يوما بعد الآخر، دون شهادة ميلاد أو بطاقة تحقيق شخصية او أي اوراق تفيد من انا ....
وتزوجت عرفيا وانجبت بناتي الاثنتين ورزقني الله بولد، وجميعهم بلا أي اوراق، ومنذ إيداع بناتي بدور الرعاية لا أستطيع إسترجاعهم، أو حتى رؤيتهم، رغم إن ملامحهم تشبهنى وتطابق ملامحي ...
ومرت السنوات، مع عشرات المحاولات فى كل جهات الدولة، لإستخراج شهادة ميلاد لآية، ولتسجيل زواجها، ولكن جميعها باءت بالفشل، ستة سنوات وآية تحاول، والعديد من أهل الخير والمسئولين يمدون يد العون تارة، ويغلوا أيديهم تاراااات.
الي أن استطاع البعض، إستقدام سالم الورفلي – والد آية الليبي الجنسية – وحضر لمصر، وإلتقى بإبنته للمرة الاولي بعد مرور 26 عام على ولادتها، وبحمد الله، تمكنت أخيرا من استخراج شهادة ميلاد مصرية مسجل بها أن أبيها ليبي الجنسية، وأقر الأب بإنها أبنته أمام السلطات المصرية.
لكن لم تستطع آية أن تستخرج بطاقة رقم قومي، فهي ليبية الجنسية، رغم أمها المصرية، ولم تستطع أن تستخرج جواز سفر ليبيا – نظراً للظروف التى تمر بها ليبيا الآن، ورغم ظهورها فى التليفزيون الليبي إلا إنها لازالت ممنوعة من إستلام بناتها، ولا تستطيع تسجيل عقد زواجها، وتحويله لعقد رسمي بدلا من العقد العرفي ... ونأمل أن يستجيب أحد المسئولين بمد يد العون لآية وزوجها – لعل شمل أسرتهم يعود.
إن محنة آية سالم الورفلي، تعدت تدبير قوتها اليومى، هي وابنها وزوجها المريض، الذي يبذل قصاري جهده لتوفير ما يسد جوعهم، رغم إصابته بمرض زيادة الكهرباء فى المخ، فاشد المحن ليست الوقوف فى الشارع لبيع المناديل الورقية للمارة، ولا العمل بالمنازل، بل هي النوم كل مساء بيعيدا عن حضن ابنتيها ... فهل من قانون انساني يعيد لها ما تبقي من ادميتها وجمعها مع ابنتيها ؟