معاً للمستقبل
رسالة الفن كانت ولا تزال تنوير المجتمع والانحياز لقضاياه وهمومه والتنبيه لسلبياته وقصوره دون الانحياز لها كما تفعل بعض الأعمال السينمائية هذه الأيام بالتعاطف مع أبطال الرذيلة وأصحاب الخطايا والأمراض المخالفة للفطرة السوية التي ما إن تنتشر في مجتمع ما حتى تورد موارد التهلكة.
الفن رسالة تبني ولا تهدم تنشر صحيح الفكر والقيم وتشتبك مع الأمراض والعلل لا لتكرسها وتوسع انتشارها بل لتنبذها وتمقتها وتكرّه الناس فيها..وما أكثر ما شاهدنا من أعمال فنية هادفة ومسلسلات دينية واجتماعية وتاريخية ترسخت في الوجدان الشعبي وأحدثت تغيير إيجابياً في مجتمعنا وصنعت وعياً مطلوباً بما جري ويجري لمجتمعنا ورصدت نبض حقيقياً لهذا المجتمع..فحققت نجاحاً باهراً، وتجاوب معها الناس وتابعها الملايين حتى دخلت دائرة الخلود الفني إن جاز التعبير.
الفن الهادف يرتقي بالشعوب ويملك قدرة هائلة على التوصيل والتأثير، يقدم ما يناسب كل الفئات العمرية والطبقية ..وهكذا هي الأعمال الرائعة عابرة للقلوب والحدود والقارات..فمن ينسى مثلاً السيناريست أسامة أنور عكاشة وروائعه..؟!
الفن في ميزان الدين، كما يقول شيخ الأزهر فضيلة الدكتور أحمد الطيب، إحدى الأدوات المهمة لمعالجة شوائب كثيرة في ميزان الشرع الشريف؛ وأن الأزهر يشجع ويساند ويدعم الفن الذي يبني، ولا يهدم، ويحمل رسالة للارتقاء بالمجتمع وتغيير الواقع السييء إلى واقع أفضل.
لا أدري كيف يصنع القائمون على الفن والدراما هذه الأيام أولوياتهم..وأين أولويات الدولة من اهتماماتهم..لقد رأينا بأم أعيننا كيف تجاوبت جماهيرنا المتعطشة للفن الرفيع مع مسلسل "الاختيار1 و2" الذي وضعهم في الصورة , وبصرّهم بما يحاك لوطنهم وكيف ضحى الشهداء بحياتهم حتى يحيا غيرهم ..مثل هؤلاء المواطنين المحبين لوطنهم وللفنون أيضاً تتطلع لمزيد من الأعمال التي تنمي الوعي وتعزز القيم الاجتماعية..وما أكثر الموضوعات والقضايا التي يمكن للفن أن يشتبك معها بحرفية والتزام وموضوعية وانحياز للصالح العام وما أكثر التحديات التي تواجهنا ويمكن للفن أن يحدث فيها أثراً جللاً وعظيماً ..فمثلا: لماذا يحجم الفن عن إبراز ما يقدمه الأطباء والطواقم الطبية والإغاثية من رسالة عظيمة في ظل جائحة كورونا التي داهمتنا ولا تزال تقطف الرءوس وتحصد الأرواح..!!
متى نجد التعليم الهادف والثقافة الرفيعة والفنون الراقية في مكانها المستحق في حياتنا، وأن تعود لحضانة الدولة وتخرج من عباءتها وتصنع على عينها بحسبانها أهم مقومات الأمن القومي، وأهم وسائل صناعة الوعي وإيقاظ الهمم وشحذ النفوس وسفير الوطن في الخارج، وخير رد على كل ما هو مسيء لقيمنا وعاداتنا وثوابتنا وأخلاقنا الرفيعة..؟!
الفن الرفيع سلطان القلوب، وربما صنع فيلم أو مسلسل ما تعجز عنه عشرات الكتب والمقالات في ظل ضعف المقروئية وتراجع الإقبال على القراءة في عالمنا العربي..ولسوف يظل الفن بكافة صوره أهم أدوات صناعة الشخصية وصياغة الوجدان وتشكيل العقل والإدراك في عالمنا لاسيما لدى النشء والشباب، لتتساوى أهميته مع التعليم وربما يفوقه تأثيراً في الشخصية وتغذية الروح بالولاء والوطنية..وما النشيد القومي للدول إلا بضع كلمات صيغت بعناية واقتدار وفهم عميق وتقدير واسع لمعنى الوطن حتى باتت تلهب الحماس وتغزو القلوب وارتقت لتكون أيقونة وطنية تربت على معانيها أجيال وأجيال..ولا يخفي ما تصنعه الأغاني الوطنية من ترقية للشعور وتنمية للولاء وشحذ للهمم مثلما فعلت أغنية "بسم الله ..الله أكبر" التي كتبها ولحنها العملاق بليغ حمدي إبان نصر أكتوبر العظيم وغنتها مجموعة من مطربي الإذاعة المصرية.
وهنا يثور سؤال مهم بعد جدل محتدم أثاره ولا يزال ما يسمي بفيلم "أصحاب ولا أعز": كيف يمكننا العودة لزمن الفن الجميل في الدراما والغناء والسينما وغيرها من أشكال الفن الملتزم ..أليست عودة الدولة للإنتاج الفني الهادف بشتى صوره مطلباً ملحاً حتى لا يترك العقل المصري نهباً لكل من أراد به سوءاً..
لا أقول أن تتدخل الدول بالمنع فذلك أمر فات أوانه، لكن أن تتولى بنفسها إنتاج الأغاني والمسلسلات والأفلام الهادفة إن أردنا لأجيالنا أن تتربى على القيم النبيلة والثوابت الوطنية وحتى لا نتركهم وهم أغلى ما تملكه دولتنا نهباً للعشوائية والفوضوية ومصالح رأس المال ودعاة الانحلال والشذوذ والاستعمار الجديد؛ وهي العوامل التي اجتمعت كلها لغاية واحدة غيبت أجيالاً عن واقعها، ودمرت عقولاً لم تعد تصلح حتى لاكتساب قوت يومها..ناهيك عن أن تحمل مسئولية دولة بحجم مصر.
الفنون والثقافة والتربية أهم أدوات تشكيل العقل وبناء الوعي والشخصية وتلك هي مقومات القوى الناعمة لأي دولة، ولا يصح التفريط فيها؛ فبها يكتسب النشء الصغير ذوقه الفني ويتشرب عشقه للوطن وثقافته وتاريخه وهويته، وبها تتكشف مواهبه الكامنة ومن خلالها يجري بناء الإنسان بصورة صحيحة في مختلف جوانب شخصيته الأخلاقية والدينية والفكرية حتى يصبح لحياته قيمة ومعنى وهدف.
الحروب الحديثة لم تعد كسابقتها احتلالاً للأرض بالجند والعتاد بل احتلال العقول بطرق عديدة منها تشويه الرموز الوطنية والفنية والعسكرية والسياسية والاجتماعية التي لعبت دوراً تاريخياً مهماً في أمتها.. وتزييف التاريخ وتسفيه القيم الحضارية للشعوب المستهدفة حتى لا يبقى لشبابها مثل أعلى يقتدون به ولا تبقى لديهم ثقة فيمن حولهم، وهنا يسهل تشويش وعيهم وإضعاف روحهم الوطنية، وفي المقابل إثارة غرائزهم وتنمية الشعر بالأنانية والاستهلاك النهم لديهم.
احتلال الشعوب يبدأ بالسيطرة على عقول أبنائها بعد معارك فكرية يجري شنها بخبث حتى يسهل تفجيرها من الداخل وهدمها بأيدي أبنائها بعد معارك خبيثة لتغييب عقولهم واستلاب إرادتهم تارة ببث الشائعات وتارة أخرى بتذويب الشخصية عبر الفن والثقافة ويساعد على ذلك مواقع التواصل الاجتماعي التي تتطور بصورة مذهلة.
الفن بأشكاله المختلفة في رأيي أخطر وسائل تغيير وعي الشعوب وفكرها وإرادتها إيجاباً وسلباً، بناءً وتدميراً، ومن ثم تسعى الدول لتحصين شعوبها بتبني فن هادف سواء في المسرح أو السينما أو الدراما أو الموسيقى أو الأدب؛ و تطلق حرية الإبداع بما لا يضر منظومة القيم والثوابت والأخلاق؛ ولا تسمح بأعمال هابطة تزيف الوعي وتضرب قيم المجتمع وعاداته وتقاليده وأخلاقياته؛ فإن تجاوز تلك الخطوط بقصد أو دون قصد هو والإرهاب سواء، وهو شريك رئيسي في جريمة إسقاط الدول؛ ذلك أن الفن الهابط الذي يتخذ من الإثارة والقبح وهدم المؤسسات الوطنية ورموزها وتعظيم البلطجة، وجعل أربابها أساطير في الأعمال الفنية ليس فناً أبداً بل جرمٌ مبين وحرب قذرة هدفها تحويل الواقع من سيئ لأسوأ وخلق أجيال جديدة تنتهج البلطجة وتمارس العنف، ولا تتورع عن معاداة الوطن إن هو أخذ على أيديهم وحاول منعهم من أفعالهم المشينة.
أما ثالثة الأثافي حقاً أن يتبجح صناع القبح والرذيلة دفاعاً عن أعمالهم الهابط السافلة بحجة بالية عفا عليها الزمن مفادها أن الفن والدراما انعكاس لواقع المجتمع..أليس ذلك عذراً أقبح من ذنب ..فمن قال إن كشف العورات فنٌ وترويج السفالات إبداع..أين مصلحة الناس في تجسيد القبح وإشاعة الرذائل وتصويرها وكأنها أمر عادي لا غضاضة في القبول به والتعايش معه ..أي فائدة يرجوها هؤلاء غير جرجرة المجتمع لقاع الانحطاط والسفالة وإلهاء الجيل الجديد بالرذيلة وتشويه عقله ووجدانه..أين رسالة التنوير فيما يقدمون..أين إيقاظ الوعي وشحذ الهمة ومناصرة الوطن في هذا الإسفاف ..كيف يتحصن العقل وهو محاط بكل هذا الاستهداف المنظم الناعم الذي يتسلل في غفلة من ضمير أصحاب هذا الفن الرديء إلى صغارنا فتتفتح أعينهم على سفاهة وسفالة وانحطاط..ماذا نتوقع من أجيال هذا وجدانها وعقلها وثقافتها وسلوكها.
الفن الهادف يقدم قدوة ملهمة في العلم والعمل النافع ..الفن الراقي يحصن الفكر والوعي والإرادة..أما الرديء الهابط فهو يسلب من أبنائنا عقولهم وضميرهم ويجعلهم أداة طيعة ومعاول هدم بيد أعدائنا وبذلك يشاركون بقصد أو دون قصد في إسقاط دولهم من الداخل دون أن يطلق أعداؤها رصاصة أو قنبلة ..فكيف يجهد الأعداء أنفسهم للتآمر علينا وقد نجحوا نجاحاً باهراً في جعل شبابنا المحتل عقلياً وفكرياً عدواً حتى لنفسه..؟!
الحروب الجديدة على مصر والعرب تتخذ أشكالاً عديدة، أخطرها حرب الدراما والسينما؛ فمن بعد العري والانحطاط اللفظي تسلل الترويج للشذوذ وتبرير الخيانة بحسبانهما سلوكاً بشرياً يمكن التسامح معه والتعاطف مع مرتكبيه دون ملامة ولا وخزة ضمير..الأمر الذي يدق ناقوس خطر ينبه المسئولين أن عليهم التنبه لخطورة الرسالة الإعلامية الهابطة والمفخخة التي تقتل ببطء وتتسلل في نعومة وخبث لوجدان وعقول شبابنا وصغارنا لتسلبهم الإرادة والضمير..كفانا ما نرى من أفلام ومسلسلات تعلى جرائم القتل والحرق والتآمر والتفكك الأسري والسرقة والرشوة والإساءة لرموز الدولة ومؤسساتها ..ثم يأتي أطفالنا وشبابنا بعد مشاهدتها ليقلدوها في حياتهم مرتكبين جرائم يندى لها الجبين.
ولا يظن ظانٌ أنني أدعو لتقييد أو منع الأعمال الفنية الهابطة؛ فذلك أدعى لزيادة انتشارها؛ فالممنوع مرغوب..لكن لا أقل من التصدي لها بقوة القانون والقلم والتوعية وتفنيد محتواها ..وليعلم صناعها أنهم بتلك الأعمال يتماهون مع مخططات إسقاط مصر والدول العربية عبر نشر الفتن والجدل والانقسام والتفاهة والإلهاء وتوهين العزائم وتشويش العقل ؛ فالفن إن لم يغير الواقع السيئ للأفضل فإنه جريمة مكتملة الأركان وانحداراً يستهدف الدولة في أعز ما تملك..شبابها وأطفالها وقادة مستقبلها.
وحسناً فعل مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية برده الحاسم على فيلم "أصحاب ولا أعز" الذي أثار ضجة هائلة بما قدمه من خروج على القيم والتقاليد والثوابت، وهو بهذا ليس إبداعاً ولا فناً بل دعوة ماجنة للهدم وتخريب الأخلاق وإغراق المجتمع في بحر الرذائل..ما قاله مركز الأزهر درس لكل خارج ومتجاوز وكل متشدق بحرية الإبداع وهو يحمل معول هدم وخنجراً مسموماً يغرسه في خاصرة المجتمع ..يقول مركز الأزهر" إن الضَّمائر اليقظة تدفع أصحابها نحو الإبداع المُستنير الواعي الذي يبني الأُمم، ويُحسِّن الأخلاق، ويُحقِّق أمن واستقرار المُجتمعات"..مضيفاً إن التَّمرُّد على الفَضيلة، والتَّنكر لقيم المُجتمع السَّويَّة بمخطَّطات وحملات مُمنهجة ليست حُرّيَّة، أو تحرّرًا، أو إبداعًا، بل هو إفسادٌ وإِضعَاف للمُجتمعات، وغَمْسٌ لها في أوحال الرَّذيلة، مؤكداً أن المُشاركة في إشاعة الفواحش وتهوينها في عيون النَّاس خطيئة تنشر المُوبقات والجرائم، وتهدِّد قِيم المُجتمع وأمنه واستقراره..كما أن تشويه المفاهيم الدِّينية، والقِيم الأخلاقية، بهدف إثارة الجَدَل، وزيادة الشُّهرة والمُشاهدات أنانيَّة ونفعيَّة بغيضة، تعود آثارها السَّلبية على استقامة المُجتمع وانضباطه وسَلامه".
أشار بيان الأزهر إلى "أن النَّماذج السَّيئة في المُجتمعات لا يُحتفَى بها، ولا يُتعاطف مع خطئها، بل تُبغَّض أفعالها، ويُحذَّر النَّاس منها..كما أن صناعة القُدوات الصَّالحة المُلهِمة، وتسليط الضَّوء على النَّماذج الإيجابية المُشرِّفة من أهم أدوار الإعلام الرَّفيعة في بناء وعي الأمم، وتحسين أخلاق الشَّباب، وانحسار الجرائم، وتشويهُ معنى القدوة ينشر الانحلال الخُلقي، ويُزيّف الوعي، ويُفسد الفِطرة".
ثم جاءت الرسالة الأهم في البيان لتؤكد أن البذاءة اللفظية لا جرأة فيها أو شجاعة، بل هي صفة دنيئة، مُخالفة للفطرة، ومُنافية للآداب الشَّرعية والذَّوق العام ..كما أن الخيانة الزَّوجية -بكل صُورها- جريمة لا مبرر لها مُطلقًا، بل تبريرها جريمة كذلك، مشيرا إلى أن العلاقة غير الشَّرعية بين الرجل والمرأة زنا مُحرّم من كبائر الذُّنوب، ومحاولة تحسينها وتطبيعها إهدار للحقوق، وهدم للمُجتمعات، ومخالفة صارخة لتعاليم الإسلام..كما أن الشُّذوذ الجِنسي فاحشةٌ مُنكرَة، وانحلالٌ أخلاقي بغيض، ومخالفةٌ لتعاليم الأديان، وانتكاسٌ للفِطرة الإنسانية السَّوية، وجريمة تطبيعه والتَّرويج له مَسْخٌ لهُوِيَّتنا، وعبثٌ بأمن مُجتمعاتنا، وهدمٌ للمُنظومة القِيمية والاجتماعية ومُؤسَّسة الأسرة..إن تغذية العقول والنفوس بما يسهم في بناء الإنسان ويعزز منظومة القيم ويحافظ على هويتنا العربية والإسلامية هو وجبنا الديني والوطني تجاه أنفسنا وأبنائنا وبناتنا وأمانة سيأسلنا الله عنها يوم القيامة..وتلك رسالة واضحة حاسمة ينبغي لنا أن نتنبه لها جميعاً بدعم كل فن راقٍ هادف نافع ونرفض ونتصدى لكل فن ساقط إذا تُرك فلسوف يكون معول هدم لوطننا ووحدته وتماسكه ..وسوف يدفع الجميع ثمن التهاون معه غالياً..حفظ الله مصر ..حفظ الله الوطن.