رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلي الياء

التربح و"بيزنس" الألقاب و التعليم والشهادات العلمية المستوردة أصبح وأمسي كارثة تربوية وتعليمية بكل المقاييس الإجتماعية والعلمية والعقلية،ولعله من أسوأ مفرزات ومسالب التطور الإليكتروني المطرد وثورة التقنيات الحديثة ، حيث اختلط الحابل بالنابل، مع الإنخفاص التدريجي لقيمة الشهادة العلمية التي كانت ومازالت تتطلب الكد والنصب والتعب وبذل الجهد والمثابرة !!

وغني عن القول أن رحلة الدراسات العليا للحصول علي شهادة دبلومة متخصصة أو شهادة ماجستير أو دكتوراه ، هي رحلة شاقة، خاصة لو كانت من جهة جامعية معتمدة ومعترف بها قانونا كمسوغ للتعيين والترقية ، أو مجرد شهادة علمية لتحقيق نجاحات ذاتية أو حتي مجرد نوع من الوجاهة الإجتماعية.

وفي الوقت الذي يطالب فيه بعض المتعقلين بالاستفادة من عشرات الألاف من حملة الماجستير والدكتوراه وتوظيف طاقاتهم المبدعة في دعم الجهاز الإداري وفتح آفاق جديدة للبحث حيث وصل عددهم إلي ما يقرب من 30 ألف من خريجي الجامعات المصرية المعترف بها ،تتنامي وتتفاقم فيه إشكالية الشهادات القادمة من الخارج، ومن جهات مجهولة مما يزيد الأمور تعقيدا وتشابكا.

ومع التراجع النسبي للتعليم التقليدي برزت فوضي وبيزنس التعليم "اون لاين"، وهذه الظاهرة الغريبة ، التي انتشرت علي نطاق واسع في السنوات الأخيرة، حيث تستطيع شراء أية شهادة طالما تمتلك عدة آلاف من الدولارات.

كما انتشرت جامعات مشبوهة ومؤسسات ومراكز تدريب تعرض بضاعتها الرديئة الملتبسة، لتقديم محاضرات ودورات في الصحة النفسية وإدارة الأعمال والتنمية البشرية ، وغيرها.

وقد سمحت هذه الحالة من الإنفلات وغياب الضوابط التي الكفيلة بمحاصرة هذه الظاهرة، لدخول عدد من النصابين والمزيفين علي هذا الخط، بعدة صور أخري ،وبدون اجتياز أية اختبارات ومسوغات ومؤهلات، أو بذل جهد ، مجرد دفع الثمن فقط تستطيع شراء أوقنص عدة شهادات وأوسمة وكارنيهات مزورة منسوبة لجهات مختلفة ، منها نقابة الصحفيين ومكاتب استشارات وتحكيم دولي ، وسفراء إبداع وسفراء نوايا حسنة مستغلة أسماء جامعات ومعاهد دولية شهيرة، وغيرها !!

وكل ما عليك أن تجهز المبلغ المعلوم والمتفق عليه ، وتختار لنفسك لقبا يليق بتخصصك أو لا يليق !(دكتور ..مستشار.. إعلامي.. صحفي .. محكم دولي ..سفير نوايا .. الخ).

ورغم التحذيرات المتكررة للجهات الأمنية ،ووزارة الداخلية من التعامل مع هؤلاء المدسلين، أو استخدام تلك الألقاب لتحقيق مكاسب أو إمتيازات بدون وجه حق، إلا أن هذه الجهات تمتلك القدرة علي التلون والعودة في ثياب جديدة للإيقاع بمزيد من الضحايا المتشوقين، والحمقي المتطلعين لهذا الوهم بدون جهد أو استحقاق.

ومنذ عدة شهور حذرت النقابة العامة لأطباء مصر من ظاهرة سماسرة الوهم ومافيا كليات الطب بمجموع 50%،و من ظاهرة بيزنس التعليم ، باسم كليات القمة، وأعلنت عن رفضها المطلق لتسجيل خريجي القسم الأدبي والدبلومات الفنية، والحاصلين علي مجموع 50% من بعض دول أوربا الشرقية كأوكرانيا ورومانيا وجورجيا وروسيا وماليزيا والسودان. ، وغيرها.

وأعادت نقابة الاطباء بصفحتها الرسمية علي "الفيسبوك" التذكير بشروطها الصارمة لقيد خريجى الكليات الاجنيبة والخاصة خارج مصر وداخلها بالنقابة.

كما انتشرت عدة مراكز تدريب محلية ودولية تقدم دورات تدريبية سواء بالحضور، أو "أون لاين' في مختلف المجالات ، اتخذت من مواقع ومنصات التواصل مجالا خصبا لها للحصول علي دبلومة أو الماجستير المصغر والدكتوراه المصغرة بأسعار زهيدة تتراوح تبدأ من 500 جنيه للماجستير و975 للدكتواره المصغرة، وبطبيعة الحال مجرد قشور لمادة علمية ،وتبرير منطقي لهذا النصب المقنع، أو مجموعة من المحاضرات والإرشادات التعليمية.

ومما يدعونا للحذر أن هناك محاولات خبيثة من بعض المغرضين لتمرير هذه الشهادات المزيفة لاعتمادها كشهادات تعادل الشهادات الجامعية العلمية ، لكن علي المستوي الرسمي لاتزال الجامعات المصرية ترفض هذا العبث رفضا قاطعا كما ترفض الإعتراف بها وتعتبرها مجرد دورات تثقيفية.

وللأسف علي المستوي الإجتماعي ، استغلها البعض للوثوب وحيازة المناصب والوجاهة وركوب الموجه والتعالي علي الناس !

ولا أدري سببا واضحا لسطو هؤلاء علي مسميات علمية عريقة ، ارتبطت ببذل جهود مضنية من الوقت والنفقات والحصول علي تقدير جيد أو جيد جدا في الشهادة الجامعية الأولي، واجتياز عشرات المقابلات الشخصية والإختبارات والدورات التأهيلية في اللغة والتخصص ، علاوة علي السنوات الدراسية التمهيدية والأوراق البحثية واجتياز النجاح بنسب لا تقل 75% في عدة مواد دراسية قد تصل إلي 16 مادة ،لمدة سنتين أو أكثر وغيرها ضمن متطلبات الحصول بجدراة واستحقاق علي حقوق براءة الشهادة العلمية، وإضافة الجديد إلي المعرفة.

ورغم التحفظ علي كل تلك الصور والمآسي الخارجة عن النسق الاجتماعي العام، فلاشك أننا نشجع ونؤيد فكرة التعليم المفتوح والتعلم والتثقيف الذاتي ، ومتابعة الجديد وآخر ما وصلت إليه العلوم والمعارف المختلفة وتعويض ما فات بعض المجتهدين لظروف اجتماعية ألمت بهم ، لكن دون اختلاط المسميات والإستهانة بما يحفظ للمجتمع استقراره وتوازنه واحترام فكرة الطموح والإرداة والكفاح، ومكانة وهيبة الشهادة العلمية.

وفي الختام أتصور أن هذا الظاهرة لابد أن تقنن ، وتراقب بصورة حاسمة، من كافة الجهات الرقابية والأمنية ، ووضع حد لهذه المهزلة، الخارجة عن حدود التعقل والمنطق ،والسياق المجتمعي الراشد.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة