رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أبيض وإسود

تَستحق الصحف البريطانية، عن جدارة، لقب "صاحبة الجلالة". في يونيو الماضي أَجبرت صحيفة " ذا صن" وزير الصحة مات هانكوك علي الإعتذار والاستقالة، بعد أن نشرت له صورًا وفيديو يَظهر فيه وهو يُعانق بحميمية ويُقبل بشوق مساعدته وصديقته، جينا كولادانغيلو، في مكتبه، مخترقًا بذلك إجراءات التباعد الإجتماعي، في ذروة جائحة كورونا. لم تهتم الصحيفة بنجاح "هانكوك" والحكومة في خدمة الصحة الوطنية بقيادة أسرع عملية توزيع لقاحات في العالم. ولم يتسامح الرأي العام مع خطأ الوزير الناجح الذي لم يتجاوز الثانية والأربعين من عمره، فالقانون والقواعد وحتي النصائح يجب أن تطبق ويلتزم بها الجميع من أجل العدل والشفافية. الوزير أولًا أساء استغلال سلطته في تعيين صديقته - التي تَعرف عليها أثناء دراسته بجامعة أكسفورد- مديرة لمكتبه، وثانيًا خذل الناس ففي الوقت الذي كانت تنصح الحكومة الجميع بالتباعد الإجتماعي في أماكن العمل، كان يمارس غرامايته مع عشيقته بغرفة جانبية في وزارة الصحة. بحسب تعبير "هانكوك" نفسه علي تويتر في إعلان استقالته:" "أولئك الذين يضعون هذه القواعد يجب أن يلتزموا بها، ولهذا السبب يجب أن أستقيل."، وبحسب الرأي العام البريطاني لا يمكن الغفران للموظفين الحكوميين المخطئين.
هذه الأيام تكتم لندن أنفاسها، وسط ترقب عالمي، الصحافة البريطانية وضعت رئيس الوزراء - المحافظ والقوي - بوريس جونسون في مأزق يهدد مستقبله السياسي، بعد نشرها لتقارير وتأكيدات شهود ورسائل بريد إلكتروني عن حضوره ومشاركته مع زوجته بأمسيات الحديقة الصيفية الصاخبة وحفلات الكريسماس وحفلة عيد ميلاد أو اثنتين له في مكتبه في داونينغ ستريت، وكل ذلك حدث في وقت كانت فيه بقية البلاد تخضع لقيود فيروس كورونا الصارمة. الجميع في إنتظار نشر نتائج تحقيق داخلي تُجريه المسؤولة في الخدمة المدنية سو غراي، في شأن هذه الحفلات التي أقيمت بمناسبة انتهاء خدمة موظفين أو أعياد ميلاد أشخاص من دوائر السلطة. المعارضة وبعض قيادات حزبه يطالبونه بالاستقالة، والبريطانيون غاضبون، والبرلمان يغلي، والشرطة تحقق في الانتهاكات، والصدمة تخيم علي الجميع لأنه في الوقت الذي كان عليهم بالتضحية بأعمالهم وصداقاتهم عبر إجراءات العزل والتجمع في ظل الجائحة التي كانت لا تسمح سوي بتجمع أكثر من شخصين وفي مكان مفتوح، كان رئيس الحكومة والموظفين بمكتبه يمرحون في حفلات صاخبة ويحتسون المشروبات بشكل جماعي.
"جونسون" متهم بالكذب، واستطلاعات الرأي في الأسبوعين الأخيرين تشير لتدهور شعبيته، فثلثي البريطانيين يريدون استقالته من رئاسة الوزراء، ونتائج التحقيق، التي ستصدر خلال أيام، ستحدد مصيره ما بين الاستقالة أو الإقالة.
ما بين كوك وجونسون تبدو السياسة في بريطانيا بالغة التضليل كما هي بالغة الغموض والتعقيد، وجدار الحماية للمجتمع والدولة والديموقراطية من أكاذيب وألاعيب السياسيين هو صاحبة الجلالة الصحافة.
بدون الصحافة يَستغفل السَاسة الناس. الزعماء ونجوم الفن والرياضة ورجال الأعمال في طريقهم من أجل مزيد من السلطة والشهرة والثروة مستعدون للكذب والرياء والتحايل علي القانون، وقادرون علي التخفي والمراوغة والهروب ولعب دور "العبيط" بدلًا من "الكذاب" إن تطلب الأمر. هذه النخبة التي تملك النفوذ والمال تعيش وتتغذي وتسمن مثل القطط علي استهلاك الغباء الشعبي، وبعد تناول الحلويات والمكسرات والحليب تنام في مخادعها الوثيرة مطمئنة بفعل الجهل العام بما يحدث في الكواليس. وحدها الصحافة بما يساندها من دساتير وقوانين وبما تملكه من آليات للتحقيق والتقصي والحصول علي المعلومة وبما يتوفر لها من استقلالية ومهنية واحترافية القادرة علي حماية الدولة والمواطنين من خروقات وجرائم القادة التنفيذيين والمشاهير وأصحاب الجاه والسلطان.
في الحالة البريطانية الماثلة الصحافة وكيل المواطنين لمراقبة السلطة، والبرلمان مدير وقيم علي عمليات تنازل واستلام السلطة، والقانون يحكم الجميع.
كينيث نيوتن في كتابه "الأخبار المفاجئة: كيف يؤثر أو لا يؤثر الإعلام فى السياسة؟" الصادر في 2019، يشبه اختيار القارئ للصحيفة كاختياره للمقهى أو المطعم. هناك من يفضلون المقهى الهادئ وآخرون يفضلونه يضج بالموسيقى. ويبدو أن البريطانيين يفضلون الضجة والصراخ والنقد انتصارًا للحقيقة ولقيم المساواة والحكم الرشيد والعدل.
الصحافة صاحبة جلالة هذه حقيقة، لكن هذا لا يسحب علي الصحفيين القداسة، فهم ليسوا ملائكة ولا شياطين. الممارسات والانحيازات للقارئ أولًا، وللوطن قبل السلطة، وللحقيقة قبل المصالح، وللقانون قبل الأهواء، هي التي تحدد خانة الصحفي في البطاقة الشخصية، لذلك من الطبيعي أن تجد الحقيقة أو بعضها في الصحف الورقية وقنوات الأخبار البريطانية والأمريكية والأوربية، بينما لا تجد شئ من الحقيقة بإعلام العالم الثالث، وإن وجدتها فهي الشارع.
الدرس البريطاني في جائحة كورونا أنه لا توجد ديموقراطية ولا تداول للسلطة ولا تطور للمجتمعات ولا تنمية شاملة حقيقية ولا عدالة إجتماعية ولا كرامة إذا لم يوجد إعلام وصحافة حرة. وفرض رقابة علي الإعلام ومحاصرة الصحافة وتقييدها في كراسي السلطة يعني خسارة فادحة لأي وطن.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة